أدّى التطّور التكنولوجي الرهيب في ظهور التقنية الرقمية؛ الأمر الذي أحدث ثورة إعلامية في مجال البث عبر الأقمار الصناعية، وما نتج عنها من تعدّد القنوات الفضائية، التي أصبحت الركيزة الأساسية للفرد في الحصول على المعلومات والمواضيع التي تُلبي حاجاته؛ مما جعل هاته القنوات تؤثّر بشكل كبير على آراء الأفراد وتوجيهها.

والجزائر كباقي الدول واكبت هاته التطّورات، وفتحت القطاع السمعي البصري، والذي كان محتكرًا لعقود من الزمن، وذلك بتكييف نصوص قانونية رسمت حدود الممارسة الإعلامية، لكن بالرغم من هذا التحرّر الإعلامي، لم تزل سلطة الضبط السمعي البصري تُضيّق الخناق على القنوات الخاصة، وذلك بالتدّخل في نشاطها التحريري، إمّا بالتحذير أو إيقاف البرامج مُباشرة؛ ممّا يدفعنا إلى التساؤل: هل القطاع السمعي البصري في الجزائر ما زال تحت جناح السلطة؟ أم أنّ المادة الإعلامية المقدّمة لا ترقى لمستوى الخلفية الإجتماعية والثقافية والدينية للمواطن؟

بتاريخ 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1962 اتخذّت الحكومة الجزائرية أوّل قرار شجاع لها، وهو استرجاع السيادة الوطنية على محطّتي الإذاعة والتلفزيون، وبذلك اكتمل استقلال الجزائر، وكنتيجة للفراغ القانوني استمّر العمل الإعلامي في ظل النصوص الفرنسية، إلى أن بدأت معالم السياسة الإعلامية تتجلّى عقب إعلان الميثاق الوطني عام 1976، الذي اعتبر قطاع الإعلام جزءًا لا يتجزأ من السلطة، وبالرغم من صدور أوّل قانون للإعلام في البلد بعد 20 عامًا من الاستقلال، والذي سعى إلى تنظيم النشاط الإعلامي، لكنّه لم يخرج عن نطاق خدمة الحزب الواحد وأيديولوجياته، وظلّت الصحافة تعاني من الغموض والثغرات القانونية، واستمّر هذا الحال على المشهد الإعلامي إلى غاية صدور دستور 1989، والذي أقرّ بالتعدّدية السياسية والإعلامية، فراجعت السلطة آنذاك قانون الإعلام وأصدرت قانون جديدًا سنة 1990، أين فتحت فيه المجال أمام تعدّدية الصحافة المكتوبة أمّا مؤسستي الإذاعة والتلفزيون فبقيتا تحت الوصاية.

خلال فترة التسعينات، والتي عرفت اضطرابات سياسية وأمنية، ازداد الخناق على الصحافيين الذين كانوا مستهدفين في كل الحالات، سواءً من طرف الجماعات المسلحة بالتصفية، أو من طرف السلطة بالمراقبة الوقائية للأخبار الأمنية، وبذلك تقلّصت مساحة حرية التعبير في تلك الفترة، وتراجع حق المواطن في الإعلام، وكنتيجة لذلك تحتّم على الجزائريين متابعة القناة الرسمية الوحيدة والتي تعرف في الشارع الجزائري باليتيمة، ورغم هذا المخاض العسير الذي عرفه قطاع الإعلام في هاته المرحلة، تدعّمت مؤسسة التلفزيون بأربع قنوات فضائية حكومية أخرى.

أمّا بخصوص القنوات الخاصة فقد عرفت محاولات محتشمة، ولعل أبرزها تأسيس الفتى المدلل آنذاك عبد المؤمن خليفة لقناته عام 2004، والتي كانت تبث برامجها من الأراضي الفرنسية، لكن سرعان ما توقفت لأسباب ماديّة.

وفي خضم هاته الأوضاع اتجه الجزائريون إلى اتبّاع القنوات العربية والأجنبية، التي وجدوا فيها ما يُلّبي حاجاتهم الإعلامية والترفيهية والتثقيفية، لكن مقابل هذا وجدوا أنفسهم أمام غزو ثقافي كبير.

خلال تصفيات كأس العالم 2010، والتي أوقعت منتخب الجزائر مع شقيقه المنتخب المصري، صاحب المواجهة الكروية للفريقين توّتر في العلاقات بين البلدين؛ وذلك بسب الحملة الشرسة التي شنّها الإعلام المصري من خلال قنواته الفضائية الحكومية والخاصة، مقابل ذلك لم يجد الجزائريّون سوى بعض الصُحف التي تولّت الدفاع عنهم، فتعالت الأصوات بضرورة تحرير الصحافة المرئية من هيمنة السلطة، ونظرًا للأحداث الخارجية التي عرفتها دول شقيقة أو ما يسمى بالربيع العربي، أعلن الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة في خطاب صريح عام2011 عن نيّته بفتح القطاع أمام المُلّاك الخواص، وتحقّق ذلك بالفعل باستصدار قانون عضوي للإعلام عام 2012، وقد أثمرت هاته المرحلة عن تأسيس القنوات الخاصة، وصل عددها بعد مرور السنوات 40 قناة خاصة، بعضها يبث من خارج البلد، وعلى أساس مكاتب أجنبية تم تسليمها تراخيص للعمل في الجزائر، وبالتالي أصبحت تحت رحمة النظام يتحّكم فيها كما يشاء.

في المجال الإخباري عوّضت هاته القنوات الخاصة النقص الفادح في تغطية أخبار الوطن، فنقلت انشغالات ومعاناة المواطنين من مختلف مناطق الجزائر العميقة، وارتفعت بذلك نسب المشاهدة للبرامج الإخبارية، لكن المعيب لهاته القنوات هو تناولها للمواضيع بطريقة شعبوية، وإبرازها للأحداث التافهة كعناوين رئيسة.

إلى جانب ذلك تنوّعت المواد الإعلامية حسب اختصاص وتوجّه كل قناة، غير ما يميز الإعلام المرئي الخاص هو قلّة الإنتاج المحلّي وانعدامه أحيانًا، وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى نقص الإمكانات الماديّة، فعدم وجود أستديوهات، وبث بعض القنوات من الشقق، شجّع على قرصنة الأعمال الدرامية والسينمائية ورسوم الأطفال، ولم تتكبد عناء حتى ترجمتها أو دبلجتها، ولسد العجز الإنتاجي عمدت قنوات أخرى إلى كسر التابوهات بتكثير الحصص الجامدة التي لا تعالج إطلاقًا المشاكل الحقيقية للمواطن، بل وصلت أحيانًا إلى المساس بقيّمه الأخلاقية والاجتماعية كالتشهير، وهذا ما يتنافى مع أخلاقيات المهنة الصحافية، ناهيك عن برامج الكاميرا الخفية والأعمال الكوميدية التافهة، أمّا المسلسلات الدرامية التي تطّل على الجمهور مرّة في السنة فهي ما زالت بعيدة عن المستوى الفني.

أصبحت القنوات تائهة تبث برامج تافهة، من جهة تتعرض إلى السخرية والانتقادات اللاذعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن جهة أخرى تنتظر شفقة مقص الرقيب. وهذا ما جعل رداءة المضمون علامة مسجلّة في شاشة المُشاهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد