أجل، أنا هي تلك الفتاة العشرينية التي تريد أن تموت، أسبابها تختلف كثيرًا عن أسباب فاتن حمامة في ستينات القرن الماضي، فأهلي لم يجبروني على الزواج من رجل يكبرني بأربعين عامًا، وحبيبي لم يتركني، ولم أجدني في لحظة أسير في الشوارع بلا منزل ولا وظيفة، أو اكتشفت أن أمي ليست هي أمي، أو أن أبي تزوج من امرأة ثانية، أو أنني لقيطة من على باب معبد يهودي. أريد أن أموت لأن الحياة لم تعد تستحق أكثر من تلك العشرين سنة!

لا أدري لِمَ يتعجب جيل آبائنا من سهولة رغبتنا في الموت، أن ننهي حياتنا هكذا بمنتهى السهولة، أن نتخلص من كم البؤس الذي نحياه، ونُخلّص البشرية من المآسي التي سننجبها إلى العالم.

 

كأن كرامتي ترفض أن أموت في عربة ترحيلات، أو أن يتركني رجل أخرق في زنزانة مملوءة بـ”صنان” البول، أو أن أستمع إلى صراخي كل ليلة من ألم قلبي أو كبدي أو كليتي، أو “أبو خمسين في المية” يرديني قتيلة منهكة القوة بعد أن يصرف رغبته المكبوتة داخلي، أو أصل إلى مرحلة من انتهاك القوى والعذاب وأحلف بحياة الديكتاتور بعد أن عشت أيام مع القتلة والقوادين بسبب رواية ما لا أدري حقيقة ما فيها، فلقد بدأتها توًا!

أريد الموت قبل أن يأتيني رجل أعوج لكي أحمل لقب زوجته، وأنجب أطفالاً أكثر اعوجاجًا، و أدير منزلاً يحوي كثيرًا من المسوخ، مسوخ صنعهم فرانكنشتاين الفيس وتويتر وأبل وبيكسار، ولا يد لي في تقويمهم ولا دور لي أكثر من خادمة تغسل وتُطعم وتُنظف وتقضي له وقتًا في الفراش.

أريد الموت قبل أن تتحطم الأحلام على عتبة الثلاثين، أحلام العمل والمستقبل والعلم والارتباط، الموت قبل أن أكتشف أنه فاتني الكثير، الموت قبل أن أذهب إلى أبي معاتبة إياه أن تركني في وجه تلك الحياة دون أن يعطيني كتاب إرشادات، قبل أن أحمله ذنب كل تلك الأموال التي أنفقها تاركًا خلفه قلبًا وعقلا خاويين ونفسًا ضعيفة، الموت قبل أن أرى حبيبي عاجزًا وصديقتي منتهكة العرض، الموت قبل المزيد من الأيادي التي تنتهك جسدي في المترو والميكروباص والأوتوبيس، قبل أن أجدني قد كفرت بالله وبرسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قبل أن يكف رسول الله عن رد السلام إليّ، قبل أن أضل ويُضَل عليّ، وأَغتَال وأُغتَال، قبل أن تنتشر تلك البقعة السوداء في قلبي وأجدني غارقة في سواد بائس يهابه الشيطان .

لماذا تتعجب من رغبتي في الموت، لماذا لم تعلمني القوة، لماذا لم تحيني كما أحيا الرسول صحابته، لماذا لم تزرع فيّ القتال من أجل المثالية بدل الاستسلام للحياة، بدل أن أستسلم فأدخل علمي لأن فرصه أفضل من أدبي، وأن أسعى للهندسة لأن مستقبلها مشرق أكثر من آداب، وأن أوافق على الدكتور الذي سيدفع فيّ كذا وكذا، وأن أحلم لابني بأن يصير طبيبًا وبأن تتزوج ابنتي طبيبًا.

لماذا لم تربني على أن نفسي ضحية ولا بأس بأن تضحي بي، فلقد ضحى إبراهيم عليه السلام بابنه استسلامًا لأمر الله، لماذا جعلتني أخاف من كل مسيرة، وأصمت عن كل كلمة حق، لماذا سجنتني في منزلك ولم تتركني حرة في الشارع أصرخ بالحق فينتابني الجنون كنجيب سرور، لماذا جعلت خوفك الذي ورثته من مجتمع قاده السادات وناصر يُقيدني ويجعل الموت هو آخر سبيل لي في الحرية!

 

حسنًا، هل ستهاجمني الآن وتقول لي إنني أشجع على الكفر وقتل النفس؟! هل ستدعي القوة؟ هل ستحاول أن تثبت لي أنك لم تفكر في كل هذا من قبل؟!

اخرس واصمت، ومد لي يد المساعدة، مهما كان بي من فُجر، فلا زلتُ إنسانـًا يستحق بأن يحظى بفرصة أخرى عند الله، فرصة بألا أصير مسخًا وأسير في الشوارع حرًا، ربما تصدمني رصاصة أو أجدني في زنزانة وأنا مملوءة بالحرية، أو ربما أسقط في جنون سرور، وأقف في ميدان التحرير، أهتف وأركض وأنام وآكل وأضمد الجروح، معتقدة أن ال 18 يوم لم ينتهوا بعد! وأجدني بمنتهى القوة والإيمان أكمل المسير، قد أحببت حياتي لأن استمرارها مهمًّا لاستمرار رسالتنا، لاستمرار الخير، والحق، فإذا ما مِت من سيكمل المسير؟!

ساعدني على الحياة..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد