بنهاية الحرب العالمية الثانية  في الثاني من سبتمبر عام 1945م، وجدت القارة الأوروبية نفسها عاجزة عن فرض وجودها على المسرح الدولي، وتحوّلت إلى دول من المرتبة الثانية والثالثة، لا سيما أن العملاقين الدوليين آنذاك (الاتحاد السوڤيتي والولايات المتحدة الأمريكية) قد خرجا من عزلتهما، ليفرضا وجودهما على عالم ما بعد الحرب، خاصة وأن تلك الدول وجدت نفسها مضطرة إلى الاعتماد على الحماية العسكرية لأحد العملاقين، وعلى عونه المادي الذي يستند إلى اقتصادها المنهار.

فقد بدأت حربًا أخرى عُرفت بـ«الحرب الباردة»، وهي تعد مواجهة سياسية وأيديولوجية وأحيانًا عسكرية بشكل مباشر وغير مباشر، دارت أحداثها من عام 1947م وحتى عام 1991م،  وهو العام الذي انهار فيه الاتحاد السوڤيتي، وقد ظل المعسكران في عداء وتنافس، في تلك الفترة اقترب أحيانًا من «حافة الهاوية»، وعبّر عنه اصطفافهما في مناطق الصراع المسلح عبر العالم (حرب الكوريتين، حركات التمرد في أمريكا اللاتينية، حرب الكونغو وناميبيا، الصراع العربي الإسرائيلي… إلخ)، بيد أن الأزمة الكوبية في عام 1962م كانت المواجهة الأهم وكادت تُلقي بالعالم في أتون حرب نووية مدمرة.

وترصد العديد من محاولات المؤرخين الذين حاولوا الوصول إلى جذور الحرب الباردة، أنها قد بدأت مع التحالف الأمريكي السوڤيتي خلال الحرب العالمية الثانية، وقد تصدع هذا التحالف أثناء تلك الحرب نتيجة العديد من المشكلات التي نشبت بين القوتين الكبيرتين سواء وقت الحرب أو بعد انتهائها.

فكانت أطماع الاتحاد السوڤيتي في الهيمنة على أوروبا الشرقية سببًا في تصريح الرئيس الأميركي ترومان عام 1947م بنيته التصدي للتمدد السوڤيتي، فأعلن مواجهته بإستراتيجية «الاحتواء»، والتي كانت تنص على «أنه حين يُهدد عدوان، مباشرًا كان أو غير مباشر، أمن الولايات المتحدة الأمريكية وسلامتها، فعندئذ يكون لزامًا على الحكومة الأمريكية أن تقوم بعمل ما لوقف هذا العدوان»، وتم تطبيق هذا المبدأ على اليونان وتركيا، تمكينًا لهما من مقاومة المد الشيوعي، ودخول الكتلة الشرقية.

وكان «مبدأ الاحتواء» يهدف إلى منع امتداد النفوذ السوڤيتي والأيديولوجية الشيوعية، وبناء نظام أمريكي في داخل العالم غير الشيوعي لوقف الزحف الشيوعي عند المناطق التي كان قد وصل إليها بالفعل.

ولمواجهة ذلك، قدّمت الولايات المتحدة الدعم الاقتصادي لبلدان أوروبا التي أرادت البقاء حرة خارج المظلة السوڤيتية، فقد ذكر رئيس الوزراء البريطاني «إرنست بيفن» – وقتها – أن المساعدات الأمريكية للدول الأوروبية وخاصة بريطانيا تشبه «طوق النجاة لشخص كاد أن يغرق».

من هذا المنطلق، أطلقت واشنطن «مشروع مارشال» الشهير، والذي بدأ في أبريل عام 1948م، عندما وافق الكونجرس الأمريكي على إنشاء إدارة التعاون الاقتصادي لتشرف على المساعدة الأجنبية، وأقامت سبع عشرة دولة منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي، لمساعدة إدارة التعاون الاقتصادي، ولتزيد من التعاون بين أعضائها، وقامت الولايات المتحدة بإرسال ما قيمته حوالي 13 مليار دولار من الأغذية والآلات والمنتجات الأخرى إلى أوروبا، وانتهت المساعدة في عام 1952م.

وفي عام 1961م حلّت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية محل إدارة التعاون الاقتصادي، حيث قامت عشرون دولة من بينها الولايات المتحدة وكندا بتكوين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لزيادة النمو الاقتصادي للأعضاء ولمساعدة تلك الدول.

وقد تباينت الآراء حول دوافع الولايات المتحدة وأغراضها من وراء هذا المشروع، وذلك خلافًا للهدف المعلن وهو مساعدة أوروبا في إعادة الإعمار، وانتهت غالبية تلك الآراء إلى أن الولايات المتحدة قامت بذلك لبسط هيمنتها على العالم كله، وقطع الطريق على التوسع السوڤيتي.

وامتد الصراع بين الكتلتين، ليصبح صراعًا من نوع آخر تَمثّل في الصراعات التقنية، وسباق التسلح، كما لم يدخر الطرفان جهدًا في للقيام بعمليات تجسس، واغتيال عملاء الطرف الثاني.

وكان من نتائج الحرب الباردة انهيار الاتحاد السوڤيتي، وميلاد نظام عالمي جديد، الذي نادى به الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، عقب نهاية حرب الخليج الأولى، وقد سمح النظام العالمي الجديد للولايات المتحدة الأمريكية؛ القطب الذي كسب الحرب الباردة، بالانفراد بالسياسة العالمية وتطويعها وفقًا لمصالحها ورغباتها، وفرض رؤيتها على الدول، والتدخل في شؤونها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد