طبول التصعيد بدأت تدوي بعنف في أرجاء المنطقة، والأحداث المتسارعة – تسارعًا غير مسبوق- تلطخ الآفاق بغيوم الحرب التي طال الحديث عنها والوعيد بها، منذ وصول الرئيس الأمريكي الحالي إلى سدة السلطة. وبغضّ النظر عن جدية كل هذا التصعيد من الجانبين في الأسبوع الأخير، وبغضّ النظر عن دلالته وأهدافه ونواياه ومدى عمقه، بل بغضّ النظر عن حقيقة هذه الحرب وجدواها أساسًا، فإن الأزمة التي ثارت لدينا على الساحة العربية بشكل خاص حيال التصعيد الأمريكي الأخير ضد إيران ودلالاته وما يزخم به من حرارة الحرب. هذه الأزمة هي ما يهمنا الآن بعيدًا عن أي شيء آخر، ولكن لا بد من تمهيد يضعنا في حالة تقدير موقف، قبل الدخول إلى تفاصيل أزمتنا الخاصة نحن العرب حيال الحرب – المحتملة- على إيران.

تشابكت الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج العربي بشكل لم يعد يخفى معه على أحد، أن الولايات المتحدة لم تتخذ ضد إيران – منذ قيام الثورة الإيرانية حتى اليوم- إجراءات صارمة وباترة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، كما فعلت في الأشهر الأخيرة الماضية، وتحديدًا في الأسبوع الأخير المنصرم! فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في مايو (أيار) من العام الماضي، وبعد سلسلة متتالية من العقوبات الاقتصادية الخانقة التي أجهزت على آخر الأنفاس المتهالكة للاقتصاد الإيراني.

وبعد إجماع الكونغرس الأمريكي على اعتبار «الحرس الثوري» الإيراني منظمة إرهابية، بدأت الولايات المتحدة بالتحشيد العسكري الفعلي بمحاذاة المياه الإقليمية الإيرانية في الخليج العربي، وذلك بإرسال واحدة من أضخم قطع أسطولها الحربي: حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» مع حشد من القطع الحربية البحرية الأخرى. طبعًا مع وضع جميع قواعدها الجوية على أراضي دول الخليج العربي ضمن الجاهزية القصوى، وضخ المزيد من بطاريات صواريخ «باتريوت» إلى تلك القواعد. ترافق ذلك كله مع جوقة التهديد والوعيد التي باتت سمة مميزة لشخصية الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، وتأكيده على أن الولايات المتحدة لن تتسامح هذه المرة مع أي اعتداء أو تصعيد إيراني في المنطقة، الأمر الذي وضع النظام الحاكم الإيراني ضمن اختبار حقيقي للّعبة السياسية التي لطالما تبجح ببراعته فيها.

ومع جدلية البراعة السياسية الإيرانية، اعتادت إيران، منذ أن بدأت بمد نفوذها الأخطبوطي في أرجاء الأقطار العربية، بتحريك أدواتها من ميليشيات، وعملاء، وأجهزة إعلامية، بل حتى أنظمة وظيفية لإثارة زوابع محلية في المناطق الملتهبة بالصراعات والأزمات – وما أكثرها اليوم في عالمنا العربي للأسف- لصرف أنظار العالم والدول المستهدفة عن إيران نفسها، أو لإيصال رسائل معينة إلى المجتمع الدولي ودول المنطقة.

واليوم بعد أن بات نير الخطر يضيق على رقبة النظام الإيراني، بدأ هذا النظام الأفعواني ببث سمومه بشكل فج ومباشر، بل بعيدًا عن حنكة ودهاء السياسة الإيرانية المزعومة! وشاهد العالم أجمع قبل أيام كيف هوجمت السفن – المتعددة الجنسيات- بالقرب من سواحل «الفجيرة» من قبل جماعات تشير التحقيقات الأولية لارتباطها المباشر بإيران.

وشاهدنا اليوم كيف هاجمت الجماعة الانقلابية الحوثية في اليمن المنشآت النفطية السعودية للمرة الأولى منذ اشتعال حرب اليمن الأخيرة، في سياق تصعيد خطير يشير بشكل واضح للأيادي الإيرانية المتغلغلة حتى النخاع في جماعة الحوثي ومشتقاتها. والسيناريوهات المحتملة في هذا الصدد كثيرة، فإيران للأسف باتت تملك أذرعًا في معظم الدول العربية، وهي قادرة على تحريكها في أي وقت لخدمة مصالحها البعيدة، فما بالك وقد بات الخطر مترصدًا على سواحلها كما لم يحدث من قبل؟

إيران هذه المرة ستتوحش وستستميت في الإيذاء والتخريب أضعافًا مضاعفة عن كل ما فعلته منذ وصول الملالي إلى الحكم، ولا أتحدث هنا عن صواريخها الكرتونية ولا عن قدراتها العسكرية الهزلية، إنما سيكون الرد والإيذاء عن طريق أدواتها الوظيفية، وميليشياتها المشحونة طائفيًّا والمتغلغلة في مفاصل الدول العربية، وهي قادرة فعلًا على القيام بأبشع مهام الأذى، وأيما أذى!

بعيدًا عن كل ذلك، تثور اليوم في الأوساط العربية بكل أقطابها جدلية الاصطفاف حيال الحرب القادمة ضد إيران، والتي تتوزع بشكل رئيسي كالتالي ضمن أربع فرق أساسية:

الفريق الأول «أذرع الأخطبوط»: يرفض الحرب على إيران رفضًا قاطعًا، ويستنكرها بل يدعو للتحشيد ضدها، مدفوعًا بولائه المطلق لولاية الفقيه، أو لما يسمى بمحور أو مشروع «المقاومة والممانعة» الذي يؤمن – أو يتوهم- بأن إيران هي التي تقوده وتدعمه بكل الطرق عسكريًّا وماديًّا وإعلاميًّا. هذا الفريق يرى الحرب على إيران قضية كبرى بحد ذاتها من منطلق عقائدي قومي أو طائفي، ويرى أن أي حرب على إيران – الأم الروحية- مسألة وجود بحد ذاتها، وينادي بوجوب الحشد لهذه الحرب بما يناسبها من قوة والرد بشدة على أي اعتداء يطال إيران مهما كان مصدره.

وهم يعتقدون طبعًا -وربما يتوهمون- بأن لدى إيران فعلًا قدرة عسكرية حقيقية لمجابهة أي قوة أخرى، حتى ولو كانت الولايات المتحدة الأمريكية! طبعًا هذا الفريق يشمل الأدوات الوظيفية الإيرانية في الدول العربية التي تحدثنا عنها آنفًا، بما فيها من أجهزة إعلام وميليشيات مسلحة وجماعات دينية، بل حتى أنظمة حاكمة كاملة باتت تخضع للسلطة المطلقة لنظام الولي الفقيه، ولا يخلو الأمر من بضعة أفراد متناثرين هنا وهناك باتوا أبواقًا حقيقية للدعاية الإيرانية تحت أغطية شتى، قومية أو طائفية، أو تابعة لمحورهم المقدس المقاوم الممانع!

الفريق الثاني «العالم الوردي»: يرفض الحرب على إيران، ولكنه ليس هذا الرفض الشرس العدواني المنادي بحتمية المواجهة ووجوب الرد، وإنما يرفضها من المنطلق الذي يعتقد بأنه عقلاني ومتزن، بعيدًا عن أي تحيزات طائفية، أو قومية، أو عقائدية. فهذا الفريق يرى بزعمه أن تلك الحرب ستزيد من التوتر في المنطقة – وكأننا لم نصل فعلًا إلى أعلى درجات «الجحيم» وليس التوتر- وأن هذه الحرب ستجر الويلات على العالم العربي والمنطقة -وكأن إيران ليست هي أم هذه الويلات وأسّها- ويدعو هذا الفريق إلى عدم بث بارود الفتنة في أجواء التوتر الحالي، وإلى تهدئة التصعيد بكل السبل الممكنة بدلًا من الدفع به قدمًا إلى الحرب.

هذا الفريق الذي ينظر إلى العالم بمنظاره الوردي – إما لسذاجة أو عمالة أو مصلحة- كان نائمًا في العسل طوال السنوات الأخيرة المظلمة لتاريخ نظام ولاية الفقيه، ودوره التخريبي الدموي في العالم العربي، هذا الفريق هو الفريق نفسه الذي أدان ثورات الربيع العربي بحجة أنها خربت البلاد وأفسدت المجتمعات، ولم ير فيها أنها كانت شرارة الانفجار لكبت احتشد على امتداد نصف قرن من حكم الأنظمة العربية القمعية الدموية الشرسة! هذا الفريق هو الفريق نفسه الذي كان يقول لنا في سوريا: «كنا عايشين!» أي إنه يرضى بالواقع الحالي مهما كان شديد الوطء، ما دام الروتين مستمرًّا والعصافير تزقزق! لذلك لا يرى هذا الفريق في الحرب المحتملة على إيران إلا مزيدًا من التوتر والخراب والدم، لكيلا تتحرك عجلة الحياة الرتيبة التي ربطوا أنفسهم إلى نير عبوديتها طواعية. طبعًا يندرج تحت هذا الفريق أيضًا المرتبطون بمصالح اقتصادية أو إقليمية مع إيران.

الفريق الثالث «نظرية المؤامرة»: هذا الفريق يؤيد الحرب على إيران من حيث المبدأ، إلا أنه يشكك فعليًّا بجدية حدوثها على أرض الواقع. فالغالبية العظمى من ثوار الربيع العربي، وبالأخص المكتوون بنار الأذى الإيراني لبلدانهم وثوراتهم، باتوا يحلمون حقًّا بزوال شبح السواد الإيراني الجاثم على مصائر أوطانهم وشعوبهم بأي طريقة كانت، إلا أن تخلي المجتمع الدولي عنهم في أشد لحظات محنتهم، وتواطؤ وتعامي الكثير من الدول إزاء التغول الإيراني في دمائهم وخراب بلدانهم طوال أربعة عقود من الزمن، كل تلك الأمور جعلتهم يشككون في جدية أي تحرك دولي ضد إيران، ولا يرون فيه إلا زوبعة في فنجان، ومجرد تحريك لأحجار الشطرنج الجيوسياسي في المنطقة، والذي أثبتت إيران بسياساتها الخبيثة، أنها ركن مهم فيه.

هذا الفريق يعتقد ويؤمن بأن إيران ليست إلا شريكًا استراتيجيًّا لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن إيران كانت وستبقى الشرطي المفضل للنظام العالمي في منطقة الخليج العربي، سواءً حكمها الشاه أو الولي الفقيه، كل ما في الأمر أن تلك الشراكة الاستراتيجية انتقلت بعد الثورة الإيرانية من فوق الطاولة إلى أسفلها! لذلك يؤمن هذا الفريق بألا جدوى فعلًا من أي تصعيد أمريكي ضد إيران؛ لأن هذا التصعيد لن يخرج عن كونه تمثيلية أمام الرأي العام العالمي والمحلي، وإيران كانت وستبقى الحليف الأقوى والفزاعة المثالية التي تستخدمها الولايات المتحدة لدر الحليب، وتكديس «الرز» من حلفائها «الأعزاء» على الضفة الأخرى من الخليج العربي!

الفريق الرابع «نكون أو لا نكون»: هذا الفريق لا يؤيد الحرب على إيران فقط، ولا يهتف لها ويؤمن بها ويبشر بحتميتها فقط، وإنما يرى الحرب على إيران مسألة منتهية وحتمية وقادمة، بل يراها مسألة وجود في الاتجاه المعاكس! أي كما يعد أنصار الفريق الأول مسألة مجابهة الحرب مسألة وجود لهم، فإن هذا الفريق يرى الوقوف ضد إيران وتأييد الحرب عليها مسألة وجود كعرب وكأمة عربية.

هذا الفريق يضم طبعًا ثوار الربيع العربي، وكارهي التغول الإيراني والأطماع الفارسية التاريخية ضد الأمة العربية، ولكنه يختلف عن الفريق السابق بمقدار شحنة الأمل والتفاؤل بهذه الحرب، ويرى أن التصعيد الأخير غير مسبوق وفريد من نوعه، وأنه يحمل في طياته الأمل، بإسقاط ولاية الفقيه وأخطبوطها الشيطاني في العالم العربي. بل يرون أن الاصطفاف مع هذه الحرب هو الاختبار الأخير والفاصل للانتماء العربي، فإما أن تنحاز انحيازًا مطلقًا لهذه الحرب، حتى ولو كان الشيطان نفسه هو من يقودها، وأن تغض النظر عن أي خلاف أو اعتبار آخر مع من يشنها ويؤيدها، وإما أن تترد، أو تشكك، أو تنحاز إلى الطرف الآخر، ما يسقطك فورًا عن أي انتماء لعروبتك وثورتك وحرب الوجود الشرسة التي تخوضها الأمة الفارسية ضد الأمة العربية منذ 1500 عام حتى اليوم! أي إن هذا الفريق يعطي بعدًا تاريخيًّا وقوميًّا وعقائديًّا لهذه الحرب بالحدة نفسها التي يشنها الفريق الأول، ولكن في الاتجاه المضاد.

وبصورة إجمالية، يمكن لنا أن نقسم المواقف من الحرب على إيران من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بمعسكرين متضادين: معسكر يضم كلًّا من الفريقين الأول والثاني، ومعسكر يضم كلًّا من الفريقين الثالث والرابع. وكما يجري التحشيد والتصعيد في مياه الخليج من قبل طرفي الحرب بما يشي باحتمال حرب خليج ثالثة، تشتعل بالمقابل حرب أخرى على امتداد الوطن العربي بين جميع تلك الفرق الآنفة الذكر، إعلاميًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، بل حتى عسكريًّا في بعض الأقطار العربية كسوريا مثلًا، سوريا التي دفعت الثمن الأكبر لفاتورة مجابهة المد الإيراني، محاولة مقاومته في سياق الثورة المستميتة من شعبها لانتزاع حريته واستقلاله وحلمه بالنهضة، والتي أبى الأخطبوط الإيراني برأسه وكل أذرعه إلا أن يخنقها بشتى الوسائل، وما يزال يحاول ويحاول حتى اليوم، في الوقت الذي أصبح الخيط الفاصل بين نجاحه أو عدم نجاحه في ذلك، واهيًا جدًا.

فهل تنجح تلك الحرب المزمعة في إظهار هذا الخط الواهي، وشده باتجاه ثوار سوريا، بل باتجاه كل ثوار البلدان العربية المقهورة المقموعة الجريحة؟ دعونا ننتظر ونرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد