في كتابه “حياة المسيح الشعبية”، يقول باترسون سمث: “بَاءَتْ الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ بِالفَشَلِ، لَكِنَّ حَادِثًا خَطِيرًا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، حِينَمَا بَعَثَتْ إِنْكْلِتْرَا بِحَمْلَتِهَا الصَّلِيبِيَّةُ الثَّامِنَةِ، فَفَازَتْ هَذِهِ المَرَّةَ، إِنَّ حَمْلَةَ اللَّنْبِى عَلَى القُدْسِ أَثْنَاءَ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى هِيَ الحَمْلَةُ الصَّلِيبِيَّةُ الثَّامِنَةُ، وَالأَخِيرَةُ”. وعليه فقد نشرت الصحف البريطانية صور الجنرال اللنبي وكتبت تحتها عبارته المشهورة التي قالها عندما احتل مدينة القدس في ديسمبر 1917م: “اليَوْمَ اِنْتَهَتْ الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ”.

والحقيقة التي يجب ألا يجهلها كل مسلم أن الحرب الصليبية الثامنة لم تنته باحتلال القدس، فلم يمر العام الثالث على ذلك المصاب الجلل حتى انتصر الجنرال الفرنسي غورو Gouraud في معركة مَيْسَلُونْ واحتل دمشق، ثم توجه فورًا إلى قبر القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الأموي، وركله بقدمه وقال له: “هَا قَدْ عُدْنَا يَا صَلاَحَ الدِّينِ!”.

والغريب أنه عندما دخلت قوات الكيان الصهيوني القدس عام 1967م تجمهر الجنود الصهاينة حول حائط البراق (يسمى لدى الصهاينة بحائط المبكى)، وأخذوا يهتفون مع موشى دايان: “هَذَا يَوْمٌ بِيَوْمِ خَيْبَرَ … يَا لِثَارَاتِ خَيْبَرَ”، وتابعوا هتافهم: حُطُّوا المِشْمِشْ عَ التُفَّاحْ، دِينُ مُحَمَّدْ وَلَّى وَرَاحْ ..”، وهتفوا أَيْضًا: “مُحَمَّدْ مَاتْ .. خَلِّفْ بَنَات!”. ونظرًا لأن الغرب لم ينس رسالته الصليبية فقد تبرع الفرنسيون بألف مليون فرنك خلال أربعة أيام فقط!

هذه هي الحقيقة التي أعلنها الصليبيون الجدد على فوهات صواريخهم ودباباتهم ومدافعهم الموجهة لإبادة المسلمين في بقاع الأرض. وإن الغريب أن الغرب يبني علاقاته معنا على أساس أن الحروب الصليبية لا تزال مستمرة بيننا وبينه، وهي الحقيقة التي – للأسف – يجهلها معظم المسلمين، والتي أعلنها أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط في عام 1967م حيث يقول: “يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الخِلاَفَاتِ القَائِمَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشُّعُوبِ العَرَبِيَّةِ لَيْسَتْ خِلاَفَاتٌ بَيْنَ دُوَلٍ أَوْ شُعُوبٍ، بَلْ هِيَ خِلاَفَاتٌ بَيْنَ الحَضَارَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ وَالحَضَارَةِ المَسِيحِيَّةِ”.

لقد أفرزت الحرب الصليبية الثامنة – خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين – ما كان يكمنه الغرب من عداوة ظاهرة للإسلام ومحاولة تدميره، وأنا أدعو القارئ الكريم ألا يتملكه العجب من ذلك التاريخ المشئوم، فقد كان نشيد جيوش الاستعمار البريطاني والفرنسي والأمريكي يقول: “أَنَا ذَاهِبٌ لِسَحْقِ الأُمَّةِ المَلْعُونَةِ، لأُحَارِبَ الدِّيَانَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَلأَمْحُو القُرْآنَ بِكُلِّ قُوَّتِي”!

 

 

وإنني هنا لست بحاجة كبيرة إلى إمعان النظر لنتبين الدور الخبيث الذي لعبته بريطانيا ثم أمريكا في تقسيم الدول العربية جغرافيًا وسياسيًا، ونهب ثرواتها، ومحاربة توجهاتها الوحدوية والنهضوية، ابتداءً من وعد بلفور ومعاهدة سايكس بيكو ومرورًا بحرب 48، 56، 67، 73، وحرب لبنان 82، حتى حرب الخليج، التي دُمِّرت خلالها القوة العسكرية والاقتصادية للأمة العربية، وفُرض عليها الجلوس على طاولة المفاوضات مع الكيان الصهيوني خاوية اليدين.

ويبدو أن أمريكا تريد أن تتوج حملتها الصليبية على العالم العربي والإسلامي بهذه الحرب الفاصلة، حيث اتخذت من أحداث 11 سبتمبر 2001م مبررًا لشن هذه الحملة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان بدعوى محاربة الإرهاب، والتي وصفها جورج بوش الابن في بدايتها بأنها “حرب صليبية”، وبرر الإعلام الأمريكي والغربي ذلك بأنها زلة لسان، والحقيقة أنها لم تكن كذلك، وإنما كانت تعبيرًا عن الثقافة الأمريكية في الموقف من الحرب، وعما تؤمن به الإدارة الأمريكية ممثلة في رئيسها.

 

وقد قام بوش الابن بترجمة تلك التصريحات إلى أفعال على الأرض، بعد أن نشر قواته الجوية والبحرية والبرية أولًا في أفغانستان (2001م) ثم العراق (2003م)، معلنًا بذلك بدء الحملة الصليبية التاسعة على العالم الإسلامي، والتي انتهت بانسحاب مذل للجيش الأمريكي من العراق بعد تسع سنوات (ديسمبر 2012م) أودت بحياة عشرات الآلاف من العراقيين، ونحو 4500 جندي أمريكي. وكذلك إعلان الهزيمة في أفغانستان (ديسمبر 2014م) بعد ثلاثة عشر سنة عجاف، وخسارة 200 مليار دولار، وأكثر من ثلاثة آلاف جندي قتيل، وأكثر من مائة ضعف من المدنيين.

ومنذ أسابيع عدة كانت الأنباء تتوارد عن التدخل الروسي في سوريا، وذلك بعد تبيُّن فشل التدخل الإيراني الرافضي وكذلك ميلشيات حزب الله هناك؛ لإنقاذ ما تبقى بيد حليفها بشار الأسد. والغريب أن هذا التدخل الروسي السافر جاء بمباركة أمريكية على غير المعتاد بينهما، إذ أن هذا التدخل الروسي سيوفر عن أمريكا عناء تدخلها البري أو الجوي هناك.

وكما شهد مطلع القرن العشرين الميلادي ذلك التوافق الاستعماري الصليبي في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م بين فرنسا وبريطانيا ومباركة روسية، والتي بموجبها تم تقسيم دول العالم العربي والإسلامي، فها نحن الآن في بدايات القرن الحادي والعشرين نشهد ذلك التوافق الاستعمار الصليبي الجديد بين كيري ولافروف، ليعلن ذلك الاتفاق بدء الحرب الصليبية العاشرة على بلاد الشام. فبعد مضي خمس سنوات على الثورة الإسلامية في سوريا، قررت روسيا التدخل بقوة بعد إعلان الكرملين منح الرئيس فلاديمير بوتين تفويضًا بنشر قوات عسكرية في سوريا، بعد طلب بشار الأسد مساعدة عاجلة من موسكو.

ولتأكيد تلك الحرب الصليبية، فقد أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية: أن “الحرب في سوريا حرب مقدسة”، ونقلت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء عن رئيس قسم الشؤون العامة “فسيفولود تشابلن” أن “القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأنشط في العالم التي تقاتله”. كما تناقلت الصحف العالمية صور قساوسة روس وهم يباركون الحرب على سوريا، ويرشون الطائرات الروسية المقاتلة ” سوخوي” المتجهة لقتل أهلنا في سوريا بالماء المقدس!

 

وكان اتفاق في مطلع أكتوبر 2015م قد وقع بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف على ضرورة إيجاد حل للأزمة السورية، مشددين على ضرورة أن يفضي الحل إلى أن تكون سوريا موحدة وديمقراطية وعلمانية!

إن الصليبيين الجدد لا يستفزون المسلمين بإعلانهم الحرب المقدسة، بل ويحددون مصير البلاد الإسلامية وهويتها! {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118]، وهكذا تبرز تلك التصريحات حقيقة الصراع وطبيعة المعركة، {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

إن تلك الحرب الصليبية ليس المقصود بها سوريا في حد ذاتها، بل يقصد بها تقويض دعائم الثورات العربية التي تنادي بالتغيير الجذري من تلك الأنظمة الفاسدة والمستبدة والتي تحتل شعوبها بالوكالة عن الاحتلال الخارجي. إنها محاولة عاجلة لإنقاذ الكيان الصهيوني من الزوال في حال نجاح الثورة ووصول الإسلاميين إلى الحكم في دمشق والقاهرة.

ولكن ونحن اليوم نرى ونشاهد دماء أطفال المسلمين تختلط بأرض الشام الطاهرة جراء الضربات الجوية من الصليبيين الروس، نتساءل: هل سيفيق المسلمون من غفلتهم أم سيظلون نيام؟! كيف تقرأ الفصائل المجاهدة في سوريا هذه الحرب؟ هل ستكون سوريا اليوم نسخة مكررة من أفغانستان الأمس؟ هل سيذبح الدب الروسي على أبواب دمشق كما ذُبح من قبل على أبواب كابول؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- جلال العالم: قادة الغرب يقولون "دمروا الإسلام أبيدوا أهله"، طرابلس، الطبعة الثانية، 1395هـ / 1974م.
- سالم البهنساوي: تهافت العلمانية في الصحافة العربية، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، الطبعة: الأولى، 1410هـ / 1990م.
- يوسف العاصي الطويل: الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور - الممارسة - سبل المواجهة)، الناشر: صوت القلم العربي، مصر، الطبعة: الثانية، 1431هـ / 2010م.
الجزيرة نت.
موقع روسيا اليوم.
عرض التعليقات
تحميل المزيد