“الحرب هي امتداد للسياسة، ولكن بوسائل أخرى”

كارل فون كلاوزفيتز

فن الحرب

 

من الأسئلة المهم تناولها قبل الخوض في تحليل الحرب والسياسة في سوريا، هو سؤال “لماذا تقوم الحروب؟” ما الذي يجعل دولة تقرر أن تخوض حربا بدلا من اتباع السبل الدبلوماسية الأقل كلفة؟

للدول كيانات اعتبارية مثل البشر تماما!  وفي حالات معينة، حين تجد عدوا يقترب من مصالحها، ويتجاوز خطوطا حمراء لديها، فإنها تلجأ للدفاع عن نفسها وعن مصالحها بكل السبل، ومن بينها إعلان الحرب!

 

ما الخطوط الحمراء لدى تركيا؟

وأتحدث عن تركيا تحديدا؛ لأن ردود أفعالها على التطورات في سوريا هي مربط الفرس في توجيه الأزمة السورية؛ إما نحو توسيع رقعة الحرب فيها لتشمل دولا عديدة من بينها تركيا نفسها، أو الانكفاء وإيجاد حل دبلومسي للأزمة السورية.

لدى تركيا خط أحمر رئيس في سوريا، وهو سيطرة الأكراد السوريين (الممثلين بشكل رئيس في وحدات حماية الشعب الكردية، وبشكل أقل في قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الأكراد) على المناطق الحدودية شمال سوريا، وخاصة المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات من بلدة جرابلس شرقا حتى إعزاز غربا. (انظر الخريطة)

 

وخطورة هذه المنطقة تكمن في سببين:

  • بمجرد سيطرة الأكراد على هذه المنطقة، فإنهم سيقومون بضمها إلى مدن كردية أخرى شرقي نهر الفرات، وأهمها كوباني، مما يجعل الأكراد في سوريا مسيطرين على أهم المناطق الحدودية في الشمال السوري على الحدود مع تركيا.
  • التدخل التركي سيهدف إلى منع الأكراد من فتح الحدود بين أكراد سوريا وأكراد تركيا. فتركيا تعلم علم اليقين أن الأكراد بمجرد سيطرتهم على مناطق شمال سوريا، فسيكون من السهل عليهم فتح الحدود بين الشمال السوري والجنوب التركي الذي يمثل الأكراد الأغلبية فيه، مما يهدد بتفتت الدولة التركية!

وقد دفعت كل من روسيا وإيران والنظام السوري الأكراد، وليس غيرهم  إلى التقدم في شمال سوريا؛ لسببين: أولا، أن النظام يعاني من مشكلات بشرية كبيرة، عبر عنها بشار الأسد بنفسه من قبل في أحد خطاباته، والسبب الثاني، أن تقدم الأكراد في شمال سوريا هو وحده الكفيل باستفزاز تركيا ودفعها للتدخل عسكريا هناك، لمنع سيطرة الأكراد على المنطقة!

 

لا يمكن أن تسمح تركيا بسيطرة الأكراد على شمال سوريا، وخاصة المنطقة الواقعة غرب الفرات، من جرابلس شرقا  إلى إعزاز غربا. وأمامها في منع ذلك خيارين:

 

الحل السياسي: إقامة منطقة عازلة في هذه المنطقة:

المنطقة الآمنة تعني منطقة حظر طيران No Fly Zone ، وهي منطقة تحقق ثلاثة أهداف:

  1. هذه المنطقة  تستوعب ملايين اللاجئين داخل سوريا ولا تدفعهم للموت عبر البحر، أو الضغط على أوروبا، وهي الورقة التي لعبت بها تركيا لإقناع الأوربيين بالفكرة.
  2. هذه المنطقة تحرم النظام من نقطة تفوقه الوحيدة: وهي البراميل المتفجرة والطيران الحربي، مما سيكون له دور حاسم في إنهاء المعركة ضده، بالضبط كما كان حاسما ضد القذافي في ليبيا.
  3. تمنع الأكراد من السيطرة على شمال سوريا، ومن ثم منع إقامة كانتونات كردية على حدود تركيا، تهدد بتفتت الدولة التركية، أو تقسيم سوريا على أساس عرقي (بإعلان إقامة دولة كردية في الشمال، ودولة علوية للنظام في الساحل ودمشق) وهو الخيار الذي تعارضه تركيا وحدها حتى الآن.

والحقيقة أن طلب إقامة منطقة عازلة في شمال سوريا هو موقف تركيا منذ اليوم الأول للحرب، لكن الغرب، وتحديدا أميركا، كانت ترى أن وجود منطقة آمنة سيعجل بإنهاء الحرب في سوريا، وهو ما كانت تعارضه واشنطن بشدة!

مؤخرا نجحت تركيا في جر الدولة الأوروبية الأبرز “ألمانيا” إلى موقفها بخصوص الأزمة السورية؛ فأعلنت ميركل تأييدها إقامة منطقة آمنة شمال سوريا.

لكن ماذا لو تأخرت المنطقة الآمنة، واستمر الأكراد في تقدمهم في ريف حلب الشمالي، باتجاه الحدود التركية؟

للأسف لا تستطيع تركيا وحدها إقامة منطقة آمنة، وهذه النقطة تحديدا هي التي يمكن أن تمنع تطور الأمر على الأرض في سوريا إلى توسيع رقعة الحرب.

 

الحل العسكري: التدخل بعملية برية في شمال سوريا

وهو ما أعلنت عنه تركيا؛ بأنها ستقوم بالفعل بالتعاون مع السعودية، التي كانت ترغب في انضمام مصر إلى هذا التحالف، لكنها فوجئت بردود مخذلة من الحليف العسكري في مصر!

التدخل في عملية برية في سوريا ليس نزهة، فحتى روسيا تكتفي بالضربات الجوية، والبحرية، وتتحفظ على إرسال قوات لها على الأرض.

في المقابل فإن تركيا ستجد نفسها بدون دعم من سلاحها الجوي؛ نظرا لنشر روسيا صواريخ الدفاع الجوي إس 400 الأكثر تطورا في العالم، وهو ما يعني أن روسيا ستكون على أحر من الجمر؛ لإسقاط طائرة أو عدة طائرات تركية؛ انتقاما من إسقاط تركيا مقاتلة روسية من نوع (سوخوي 24) في نوفمبر الماضي.

فهل تركيا مستعدة للتدخل بريا في سوريا دون مساعدة من سلاحها الجوي؟
وهل تركيا مستعدة لسقوط مقاتلة أو أكثر بصواريخ الدفاع الجوي الروسية، ومواجهة العواقب؟
وهل سيقدم الناتو على حماية تركيا إذا تعرضت لاعتداء أم سيتركونها تواجه روسيا وإيران والنظام والأكراد وحدها؟

 

الحليف السعودي:

 إعلان السعودية تدخلها عسكريا في سوريا يعطي ثراء للتحرك التركي بلا شك، لكن لهذا التدخل ملاحظات مهمة يجب عدم إغفالها في هذا السياق:

  • حتى أكثر الدول قوة عسكرية هزمت حين فتحت جبهتين! ولا أفهم كيف تتدخل السعودية في سوريا، وجرحها في اليمن لم يندمل بعد. وهل اقتصادها يسمح بذلك؟
  • ماذا عن النظام السوري؟ ألا ترى السعودية في النظام عدوا يستوجب محاربته؟ أم أن إعلان الحرب على داعش هو واجهة لقتال النظام وحلفائه؟
  • وإذا كان الحال كذلك فعلا؛ هل السعودية على استعداد لمواجهة القوات الإيرانية على الأرض، والقوات الروسية في البحر والجو؟ هل تعي الرياض التصريحات الروسية أن أي تدخل عسكري في سوريا سيحولها إلى حرب عالمية؟ هل وضعت في حسابها رد الفعل الروسي والإيراني؟
  • أم أنه قد أصبح العدو في سوريا هو داعش فقط، وأن النظام والمعارضة سيعملان معا لقتال التنظيم؟ هل نجحت الاستراتيجية الأميركية في صرف العرب من أن النظام هو العدو إلى أن داعش “فقط” هي العدو؟
  • هل يحتاج الثوار على الأرض القوات السعودية أصلا؟ لماذا لا تمدهم السعودية بأسلحة نوعية وصواريخ مضادة للطائرات، فهذا أفضل للجميع؟ هل السعودية مخلصة حقا في وقف معاناة الشعب السوري؟ أم أنها ترى كما ترى أمريكا وإسرائيل أن النظام أفضل من التنظيمات الإسلامية التي قد تسيطر على الأوضاع إذا سقط بشار الأسد؟

 

الخلاصة:

تقف المنطقة بأسرها على مفترق طرق، إما أن تحل الأزمة السورية بالسبل الدبلوماسية، أو تتجه نحو مزيد من الحرب.

الوقائع تشير إلى رغبة النظام وحلفائه في الحسم عسكريا على الأرض، وخاصة بعد فشل مفاوضات جينيف، باستعادة المناطق التي ربحتها المعارضة في الشمال العام الماضي.

لكن تركيا لن تسكت إزاء التقدم الكردي في الشمال السوري. لا شك أنها سترد عسكريا. لكن هل يكون ذلك الحل للتهديدات التي تواجهها في تركيا، أم أنه فخ منصوب بإحكام لتركيا، للانتقام منها، وكذلك لحليفتها السعودية، آخر دولة عربية سنية كبيرة لم تتعرض لمشكلات كبرى بعد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد