يحاول «والتر وايت» في المسلسل الشهير «بريكينج باد» التحُدث إلي مَالك صناعة «الميث» ورئيسه «فرينج» في مكالمة هاتفية لأحد مساعديه؛ لاستعطافه ومحاولة كسب رضاه مرة أخرى مع بعض التبريرات؛ حتى لا يقتله، بالرغم من أخطائه المُتكررة، والكره المُتبادل، ولكن المالك يتجاهله تمامًا.
يحضر في ذاكرتي هذا المشهد، عندما أتذكر «الملك حسين ابن طلال»، ملك الأردن السابق. في الأغلب يبدو كذلك؛ لأن مواقف الملك حسين تتشابه كثيرًا مع موقف صديقنا «والتر» ولنفس الغاية، وهي النجاة برأسه أو الحفاظ على حكمه، حيث يُغازل حسين الإسرائيلين عدة مرات، وفي كل مرة يستعد لفعل أي شئ لاستعطافهم، حتى وإن كانت التخلي عن فلسطين والحروب العربية.
ولعلنا لا نحتاج الكثير من الباحثين والكتب؛ لقراءة مَشهد موقف الملك حسين. يذهب الملك قبيل كل حرب؛ لاسترضاء الإسرائيليين، والكشف عن مخطط العرب بالاستعداد لشن هجوم على إسرائيل، والرد دومًا يكون مُمزوجًا بالاستعلاء وإعلاء راية المصالح.

يجد الملك حسين نفسه قبل حرب 67 مُحاطًا بالفلسطينيين الثوريين، وأمريكا المستعدة لعمل أي شيء لحليفتها إسرائيل، ودول الخليج المُتجاهلين. وعلى عكس الدول العربية؛ فالأردن لا تتخذ من السوفيت حليفًا، فمن يختار الملك ليحقق انتصارًا، ويحافظ على عرشه من الزوال، فبوسع «جمال» بعد الانتصار أن يزحف إلي الأردن إن لم يشارك، وبوسع الإسرائيليين فعل ذلك أيضًا؛ إذا شارك. يُخبر الملك أمريكا وإسرائيل أن العرب يحتشدون لمواجهة عسكرية كبيرة مع الإسرائيليين، وأنه لا يرغب بالمشاركة. ويُقال إن إسرائيل طلبت منه المشاركة، حتى لا يُكشف أمره، وأن أمريكا تضمن الحفاظ على عرشه، فيدخل الحرب بمشاركة العرب، ويخسر نصف أرضه.

يمكننا أن نبدأ بعلاقة الملك حسين بالفلسطينيين، وهي الأكثر تأثيرًا على مواقفه، فكان يعيش آنذاك الكثير من الفلسطينيين في الأردن، بعد حرب 48، وكانوا يُشكلون نسبة كبيرة من شعب الأردن. تتدهور علاقة الملك حسين بالفلسطينيين، بعد معركة الكرامة، في مارس (آذار) 1968 بدأ الجيش الإسرائيلي عملية موسعة على طول خط نهر الأردن؛ للسيطرة على بعض المواقع الاستراتيجية الآخرى في الأردن، والمُعلن أنه كان ردًا، بعد عدة تحذيرات للأردن؛ بسبب عمليات بعض الثوار الفلسطينيين تجاه الجيش الإسرائيلي، ودون تنسيق مع السلطة الأردنية، وهنا تبدأ الخلافات، بل المعارك.

يستكمل الفدائيون الفلسطينيون المزيد من العمليات من داخل الأردن، دون التنسيق مع سلطة الأرض، بل يتطور الوضع أن الفلسطينيين يتعاملون مع الأراضي الأردنية على أنهم شركاء، وحتى وصل بهم الحال إلى إقامة نقاط تفتيش وغيرها، وحدوث مواجهات بينهم وبين الجيش الأردني، يخاف الملك حسين على مُلكه، وتخاف الولايات المتحدة وإسرائيل من إقامة الفلسطينيين لدولة جديدة داخل الأردن، يحاول الملك أن يكبح جماح الجيش الأردني؛ تحسبًا لمواجهة مع الدول العربية، ولكن دون فائدة من الطرفين، حتى إن الفلسطينيين طلبوا وجود حكومة مشتركة، حتى يصل الحال إلي سبتمبر (أيلول) الأسود.
يتم تشكيل حكومة عسكرية أردنية، والبدء في تنفيذ عملية «جوهر»، وهي قيام وحدات الجيش الأردني بقتال جميع المنظمات الفلسطينية وطردها خارج البلاد، وفي سبتمبر (أيلول) 1970 تبدأ العملية، وتحدث معارك ضاربة بعمان، والزرقاء، وإربد، إلي أن يطرد الجيش الأردني الفصائل الفلسطينية.

يقوم الجيش السوري بإرسال عدد من الألوية المدرعة وغيرها (حوالي200 دبابة)، بعد حدود الأردن بقليل؛ بدافع الإعلان عن دعم سوريا للفصائل الفلسطينية، يسيطر السوريون على مدينة إربد، ويطلب الملك حسين المساعدة من الأمريكان والإسرائيليين، وتكشف طائرات الاستطلاع الإسرائيلية حد السوريين لعدد كبير من الجيش، وتحدث المفاوضات بين واشنطن، وتل أبيب، في تدخل عسكري لإسرائيل، وتغطية دبلوماسية من الخارجية الأمريكية، ولكن الملك لا يمكنه القبول بتدخل إسرائيلي صريح، فلن يظهر أمام شعبه، إلا كملك خائن، ويهتز سلطانه، أما الاتحاد السوفيتي، والذي كان الداعم الأكبر لتلك الفصائل، فلم يحرك ساكنًا.
يكتب «باتريك سيل» في كتابه الصراع على الشرق الأسط على لسان حافظ الأسد.
«لقد كانت ورطة صعبة. كنت حزينًا لمقاتلة الأردنيين الذين لم نفكر فيهم على أنهم العدو، ولم أشرك سلاحنا الجوي، الأكثر قوة منهم؛ لأنني كنت أريد أن أتفادى التصعيد. وشعرت بأننا ما دمنا قادرين على تحقيق هدفنا بحماية الفدائيين، دون إشراك سلاحنا الجوي، فلا حاجة لإشراكه».

تنجح الدبلوماسية العربية بقيادة الرئيس «جمال عبد الناصر» في القاهرة، بالتوصل إلي اتفاق وقف إطلاق النار، والإعلان عن تسوية، في مواجهة الدبلوماسية الأمريكية الإسرائيلية، والتي لم تحقق مطالبها التي كانت تقضي بالحفاظ على عدم وحدة العرب، واستكمال الصراع العربي العربي.

وعندما نذهب إلي العلاقات المصرية، فسنجد منافسة غير موجودة بين الملك وجمال عبد الناصر؛ حيث كانت الأضواء دائمًا مُسلطة على الرئيس جمال؛ باعتباره زعيم الأمة العربية، وقاهر الإسرائيليين. ومن الجلي أن تلك كانت مُعضلة في نفسه.
في فبراير (شباط) 1970 قامت مجموعة من الضفادع البشرية المصرية بتفجير السفينتين «بات يم» و«بيت شيفع» على الميناء التجاري «إيلات»، وقد نجحوا في تلك المهمة السرية، وكان لدى منفذي العملية أوامر، إذا لم تلتقطهم الطائرة الهليكوبتر، أن يقوموا يتسليم أنفسهم إلي الأردن؛ لرفع الحرج عنهم في استخدام أراضيهم دون علمهم، ولكن تعامل الأردنيين كان على عكس المُتوقع؛ فقد تم احتجاز المنفذين، ويقول أحد المنفذين في إحدى البرامج التلفزيونية «لحسن الحظ كان يعقد فى اليوم ذاته مؤتمر الملوك والرؤساء فى القاهرة، وعقب انعقاده أبلغ الفريق (محمد فوزي) الرئيس جمال عبد الناصر بالأمر، لذا أوقف عبد الناصر المؤتمر نصف ساعة للراحة، وطلب العاهل الأردني (الملك حسين)، لاجتماع مغلق، وأبلغه أن هناك 4 أفراد من الضفادع المصرية محتجزين لدى المخابرات الأردنية، وقال له ستظل ضيفًا لدينا؛ حتى يتم الإفراج عنهم، ويعودوا لمصر»، وبالفعل قام الملك باتصالاته، وأمر بإعادتهم فورًا.

وبما ترتب على كل هذه الأحداث، فليس من الغريب أن نكتشف أن الملك حسين قد أبلغ إسرائيل بموعد هجوم مصر وسوريا على إسرائيل، في أكتوبر (تشرين الأول) 73، وأنهم في حالة حشد كبيرة، ويبلغهم بالخطة أيضًا، وكالعادة، خوفًا من زوال سلطانه، فيقول «إذا خسر السادات القاهرة يمكنه أن ينسحب إلى أسوان، إذا خسر الأسد دمشق يمكنه الانسحاب إلى حلب، أما أنا إذا خسرت عمان فإلى أين أذهب؟ إلى الصحراء؟».
وفي النهاية إذا كان الملك حسين خائنًا، فمعظم الرؤساء خونة؛ فما فعله الملك ليس أقل مما فعل السادات: عندما أبلغ السوريين بخطة مُزيفة؛ حتى يدخلون الحرب معه، وغيره..
فلا يجب أن نتحامل بشكل كبير عليه أو حتى على الفلسطينيين؛ ففي النهاية: الدبلوماسية ومصطلح «المصالح» يحكم كل شيء، ثم تأتي العروبة وغيرها من المصطلحات الثورية. وما خفي كان أعظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد