قبل أيام أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية تقريراً يدين جماعات المعارضة السورية بجرائم حرب، نتيجة استعمالهم للأسرى كدروع بشرية فيوجه القصف الهمجي الذي تستهدف به قوات الأسد مناطق تجمع المدنيين، وبغض النظر عن الموقف من فعل المعارضة، ولكن عند قراءتي للتقرير لمعت في ذهني ذكرى لأحد أيام الطفولة في المدرسة، حين ابتدأ أحد زملائي في الصف ضربي لخلافٍ طفولي، مما استدعى مني بالمقابل الدفاع عن نفسي وضربه كما فعل هو ابتداءً، يومها أسمعتنا المديرة كلاماً غليظاً لكلينا، رغم أنه المعتدي و”البادئ أظلم”، وأجابتني بعد اعتراضي على العقاب المساوي لكلينا في الإثم بأنه توجب عليّ أن أشكوه إليها بدلا من رد الضرب بمثله، وأنها –أي المدرسة – فيها نظام يختلف عن ذلك المقضي به في الغابات، استمررتُ في عنادي وأنهيت الحديث بقولي: “حسناً، وفي المرة القادمة سأحكمك بيننا قبل أخذي لحقي بيديّ، فإن لم تنصفيني فلا حجة لكِ بعدها”.

 

الكوكب ونظام الغابة

أتسائل الآن، إلا يحكم هذا الكوكب “نظام الغابات” علىحسب وصف المديرة؟

وتعود بي الذاكرة إلىالشهور الأولى من عام 2011، ما كان علينا كسوريين أن نفعل لنتجنب تأنيب منظمات الحقوق العالمية ومساواتها لنا بالقاتل واتهامنا بجرائم حرب؟

 

تعاملنا لشهور مع قاتلنا بسلميةٍ مطلقة، نواجه الرصاص بالهتافات، والمدرعات بأجسادنا، وحقدهم بحقنا في العيش، وتضليلهم بجهادنا لتصوير ونشر جرائمهم، أقصرنا في لعب دور الطالب المهذب الذي يشكو للمديرة المنصفة؟

 

ألم يشاهد العالم أجمع جرائم الأسد وجيشه و”شبيحته” على الشاشات وفي مواقع التواصل على الإنترنت – رغم خطورة اتصالنا بشبكة الإنترنت أصلاً تحت قيود المراقبة من مخابرات النظام – وهنا أجيبب نفسي، بالتأكيد شاهد، والدليل أن منظمة “هيومن رايتس ووتش” نفسها كانت معنا بفصول الثورة منذ أيامها الأولى، تتبعنا مجزرةً بتقرير، جريمةً باستنكار، اعتقالاً بمطالب إفراج عن المعتقلين.

 

فماذا حدث بعدها؟ ماذا فعل المسئولون عن قيادة هذا الكوكب – إن كان لهم سلطة – تجاه كارثية وضع القمع في سورية؟

 

لا شيء يُذكر، بل على العكس فـ(اللاشيء) يُفهم بالرضى، وأنا فعل ما تريد وكأننا لسنا هنا.

 

وخيبة أملٍ وراء خيبة، فهمنا أنه لايفترض بهم أن يفعلوا شيئاً، وأنه “ماحك ظهرك مثل ظفرك”، وأن نظام الغابات هوالحاكم لهذاالكوكب، فليكن ما يجب.

 

“سباق نحو القاع” ؟

 

وحيث لاوجود لعدالةٍ من الخارج، تسلّح الشعب، وقرر خوض الطريق الوعر، بدلا من الاستسلام والانتحار بنصف ثورة، نعم أُقرّ أن كثيراً من الصعوبات ظهرت وستظهر؛ بسبب هذا الخيار المصيري، ولكن بالطبع لن تكون أكثر ولا أشد إيلاماً من خياري الاستسلام للأسد وإعطائه فرصةالانتقام الدموي، أو خيار المتابعة بسذاجة السلمية أمام هذا الكم الوقح من القتل والتنكيل بالمتظاهرين”السلميين”، وكما يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرّين”.

بل كان على الجبهة الأخرى أيضاً،  قلق بانكيمون، وتلاعب أوباما، وصمت العرب، وسياسة النأي بالنفس عند لبنان والجزائر، ومتاجرة الدول بقضيتنا، وأيضاً – ويا للمفاجأة – تقارير”هيومن رايتس ووتش” التي فهمت حملنا للسلاح سباقاً نحو القاع! كما صرّح نائب المدير التنفيذي للشرق الأوسط في المنظمة: “لقد شهدنا سباقاً نحو القاع في سوريا إذ تحاكي الجماعات المسلحة قسوة القوات الحكومية بشكل تكون له عواقب مدمرة على المدنيين”.

وهنا أعود فأسأل: ما كان يجدر بنا أن نفعل؟ أمام كل هذا؟

جيشٌ دموي لعائلةٍ مستبدةٍ بالسلطة منذالسبعينات من القرن المنصرم، افتعلت من المجازر والجرائم عبر سنين حكمها ما يكفي لإدانتهم لقرون، ليس هذا فقط! بل أيضاً من ورائه دولٌ تدعم وترسل مرتزقةً لقتلنا، وعجز العالم عن أيةِ مساعدةٍ ذات نفع.

 

أكان يجدر بنا الاستسلام بدل من رفع السلاح؟ فقط لتجنب اتهامات العالم الصامت عن جرائم الأسد!

 

رعاية جرائم الحرب

وهكذا تشارك منظمات حقوق الإنسان في صناعة جرائم الحرب وانتهاكات الحقوق، فهي بشكلٍ أو بآخر تعطي الضوء الأخضر لأيٍ من منتهكي اللوائح الدولية – المنسية على أرض الواقع – لحفظ حقوق الإنسان على هذا الكوكب.

فغالباً ما يتبع مجرمي الحرب سياسة “جس النبض” قبل المضي في ارتكاب جرائمهم، حيث يفتعلون مجزرةً متواضعة – متواضعةً أمام طموحهم الإجرامي- وينظرون ما يفعل العالم وهو شاهد، يصغون السمع ويفتحون أعينهم، فإذا ما لمس أحدهم تواطؤاً ولوبالصمت، توكل على شيطانه واستكمل ماطمح له، وأعني بـ”الصمت”هنا صمت الأفعال لا الاستنكارات، فردود الأفعال تأتي موازيةً للأفعال، وإلا فلا قيمة لها، ولا معنى.

 

وجهد المنظمات الحقوقية لايُغض الطرف عنه، ولا يمكننا تجاهل أهميتها، ولكن عجزها أمام السلاح وسطوة المستبدين يساوي وجودها بعدمه، ففي أحد مقابلات مسئولي منظمة”هيومن رايتس ووتش”مع مؤسسةfrance24 الإعلامية، أجاب المسئول على أحد الأسئلة بـ “طلبنا إلى السلطات السورية أن تسمح لنا بالدخول إلى مناطق الأحداث؛ للقيام بالتحقيقات للتأكد مما يقوم به من يسميهم النظام السوري بالعصابات المسلحة، لكن لم يُسمَح لنا بذلك حتى الآن”.

“لم يُسمح لنا” وكأن النظام السوري هنا نفى المنظمة وعلة وجودها، وإلا فما فائدة وجود منظمة حقوقية إن انتظرت موافقة من يفترض إدانته على جرائمهم؟

ومن يتوقع – ومهما امتلك من سذاجة – أن يسمح مجرمٌ ما، لشاهدٍ أن يشهد عليه!

 

وهذا الشرط الأول لجدوى وجود منظمات مماثلة، إيجاد قوة سياسية كانت أم عسكرية، تجعل لهذه المنظمات وزناً حين تفاوض على دخولها وشهادتها على الأحداث.

أما الشرط الثاني، فهو أن يكون لها صوتٌ مسموع في أنحاء العالم، المنظمة المثل ذاتها، يقعُ مركزها في الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف إن لم تجد لها منفذاً إلى إسماع سلطة بلادها أن تسمع غيرهم من مجرمي هذا الكوكب؟

والإسماع هنا أيضاً، بمعنى: الإسماع الذي يتبعه عمل جدي مبني على شهادات الحقوقين.

وإلا ستظل منظمات حقوق الإنسان، راعيةً رسمية بل مشجعة للأنظمة المستبدة ومجرمي الحرب على المضي فيما يثّبت لهم حكمهم دون النظر إلى فاتورة الدماء والانتهاكات، طالما أنهم لن يدفعوا حسابها، ليس هذا فقط، بل سيشجع من يضمرون الشر على إظهاره ويخطو واثقاً بعد ثقته أن أحداً لن يحاسبه، وهو بعد لم يفعل ما اقترفه بشارالأسد، واستمرارية غض النظر عن الأسد ستطمعه بالمزيد من التجبر، وقيل لفرعون من فرعنك؟  قال: “ما لقيت مين يلمني”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد