أنا آسِفٌ يا أُمِي لأنّكِ جئْتِ بِي إلَى هَذَا العَاَلَمْ، هَذَا العَالَمْ الِذي لمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَسْتَوْعِبَنِي، ولا أنْ يستوعِبْ ما طمحتُ له من أحلامٍ وطموحات، أو يستوعب أحلامكِ أنتِ في أن ترينِي بخير، وحيًا أُرزق، أو حتى حيًا فقط!

أنا آسف يا أمي لكلِ وهم بنيته في مُخَيِّلَتِكْ، لكلِ حُلم أردتِ أن تحققيه بواسطتي، فكنتِ دومًا تخبرينَنِي بأنكِ تتنظرينَ أن أشُبَ وأصلُب بنيتي؛ كيْ أُجدد لكِ أثاثَ المنزل، وأن أساعد والدي في الإنفاق على البيت ومستلزماته، أو أن أساهم في الاحتفاظ ببعض النقود؛ لكي أجعلك تحققين حُلمك الأكبر، وتذهبينَ لزيارة بيت الله!

أنا آسف يا أمي لأن الحرب حلّت! هكذا رأيت قبل أن أودع الحياة، رأيت حربًا يا أمي ونحن في حالةِ سِلْم! لو كانو أخبروني يا أمي أنها حالة حرب لكنتُ استطعتُ أن أودعكِ وأودع إخوتي، وأعتذر منكم بأنني لن أستطيع أن أحقق ما كنتم قد طلبتموه مني!

تذكرين حين أخبرتينَي بأنكِ تتمنِين أن تمر الأيام سريعًا كي تحتفلي بي وأنا أُنهي سنواتي التعليمية وأتخرّج من الجامعة، ومرّت الأيام سريعًا يا أمي، علي أن أنهي سنواتي في الحياة! لكن، لتعلميِ يا أمي أن فُراق الحياة لم يكن أكثر ألمًا من فراقِكِ أنتِ!

أنا آسف يا أختي لأنني لن أتمكن من إحضار اللابتوب الجديد الذي طالما ألّححتِ في طلبك له، آسف لأنني وعدتك ولكن، هكذا القدر يبقي له اختيارات أخرى!

أنا آسف يا أبي لأنني كثيرًا ما عصيتُك، وكنت أستشيطُ غضبًا من حديثنا سويًا، ولكن أبدًا ما فقدت يومًا اعتزازي بكَ، أو حبِي لكَ، أو شعوري بأنك حمايتي وأماني في هذا العالم المستذئب.

تذكرون، حين أخبرتكُم بأنني أحلم أن أصير مشهورًا يومًا ما، وأنني أريد أن أفعل شيئًا يستحق ذكره للعالم! اليوم، ربما أستطيع أن أحقق هذا الحُلم وأكون مشهورًا حين يتحدث عني التليفزيون والأخبار، ويتناقلُون خبر وفاتي ضمن المئات الذين قُتلو معي! ولكن ربما يفشلون في العثور على جثتي! أو يُخطئون في إحصاء تعداد الموتى، وأضيع في تلك المتاهة، كورقةٍ أو عُلبةِ عصير انتهى صاحبها من شُربها، فألقي بها تُتدهس بين العربات، وتحت أقدامِ المُشاه!

اليوم ما تركت لكم شيئًا غير الأسى والحزن لفقدانِي بهذا الشكل الأليم، ولأنني كنت لم أزل في مقتبل العمر، فلم أستطع حتى أن أترك لكم مالًا أو اسمًا أو أي شيء تستندوُن عليه في تلك الحياة، بل ربما سوف تستدينون بثمن الدفن والعزاء!

أنا آسف يا أمي، لكلِ يوم سوف يمر عليكِ من كلِ عام، ستذكرينَ فيه حادث موتي، فربما كنت أقّلُ استحقاقًا لهذا، ولكن هذا من رحمةِ ربي؛ لأجد من يتذكرني دومًا من دعائهِ بإخلاص وبصدقِ نيةٍ غيرَ شائبة.

أنا آسف يا أمي، آسفٌ على ما حدث، آسفٌ على ما سوف يحدث، فأنا أشعر أن القادم غير مطمئن، وأخشى كل الخشيةِ عليكِ وعلى إخوتي وعلى أبي، أخشى عليكم أن تفقدوا الأمن والأمان في مستوطنِكَُم، في بيتِنا، في أهلنا، في شارعنا، وفي جيراننا، في كل ما استأمناه وأمناه!

لكم كنت أجهل ياأمي أن هناك أحداثًا لا تستغرق لحظات! أحداث قد يتغير بها مجرى الكون بين الثانية والثانية التي تلحقها، فقد كنت أتحدث مع صديقي الذي كان يقف بجواري لأجدني في لحظةٍ أصبحت من عداد الموتى!

ربما لا أعرف يا أمي إلي أين أنا ذاهب، ربما لا أعرف ماذا سيكون مصيري، لكنني متيقنٌ بأن الأمر لم يكن سيختلف كثيرًا لو قُدِر لي العيش أكثر من هذا!

متيقنٌ يا أمي بأن ما أنا ذاهبٌ إليه سوف يصطحبني برحمة الله كما اعتدتِ دومًا بالدعاء لي!

أنا آسف يا أمي لأنكِ طالما وصيتني بأنْ أُخلد اسمُكِ وأسمي ابنتي باسمُكِ إذا تزوجت,، لكن يبدو أننا سوف نتبادل الوصايا، وأطلب منكِ أن تخبري إخوتي بأنهم حالما يُنجبون، يُسمّون أيًّا من أبنائهم باسمي، ولكن كلا يا أمي لا تفعلي! فرُبما يُصبحون مثلي، وربما يجلب لهم الاسم كلُ حظٍ تعس!

أنا آسف يا أمي لصديقي الذي كنت أتحدث معه قُبيل انتهائي، فبلّغيه إن كان مازال حيًا بأنني كنت أحبه كثيرًا، وأنّني ما قصدت يومها أن أصطحبهُ معي، مثلما ما قصدت أن أتحول ذكرى له ولكم! ولكن إن كان قد توفاه الله معي! فأنا آسف يا أمي وآسف لذويه؛ لأنني أيضًا ما قصدت أن يموت معي! مطلقًا.

تذكرينَ يا أمي حين كنتِ تحدثينَنَا أنا وأخوتي عن الوطن وأهله؟ وأن لا شئ أبدًا يضاهي جمال العيش فيه؟ أو في لحظةِ اعتزازٍ وفخر بهِ؟ تذكرين كم كنتِ حريصةً كل الحرصِ أنتِ وأبي أن ترووا لنا الفارق بين الدول الخارجية والوطن؟ كنتِ تحاولين أن تبُثي فينَا أن الوطن مهما ساءت حالتهِ، فإنه سيظل الأفضل والأحقُ بنا!

ولكن لا أعلم يا أمي! لا أعلم أهذا كان الوطن الذي كنتِ تحدثينَنَا عنه! أهذا كان الوطن الذي لم يستوصِ بنا خيرًا! أهذا كان الوطن الذي جعلني أفقد الحياة، دون أدنَي أسبابٍ تستحق! فلا أعلم يا أمي ما الذي جعلني أستحق الموت وأنا ذاهبٌ لأتعبّد!

تعلمين يا أمي أنني ما كنت لأُمانع مطلقًا أن أموت في سبيلهِ، فربما حينها كنتِ تفاخرتِ بي، وَتذكّرْتِينَي بأنني ابنك الشهيد البطل الذي مات من أجل الدفاع عن وطنه!

يبدو يا أمي أنّ الوطن أصبح قاسيًا، أو ربما أصبحنا نحن أكثر رفاهيةًّ! أو ربما اعتدنا على الأسود، فلم نعُد نميّز الأبيض! أو ربما اختلطت علينا الأحداث والحياة فجعلتنَا أكثر هشاشةً من الداخل وأكثر تفريطًا في حقوق أنفسنا وفي حقوق الوطن!

إنّني أخشى يا أمي أن يمر الزمن، لتأتي أجيالٌ أخرى تصطنع معنى آخر للوطن من كثرة ما ذاقه آباؤهم، وكثرة ما تركوه لهم من واقعٍ أليم ومستقبلٍ غيرَ ملموس ملامحه وغير مُستبشَر آماله! أخشى يا أمي أن تكونوا أنتم أول نموذج لكلامي! لذلك أُوصيكِ خيرًا بأن تظلي دومًا المرأة التي تبعث معنى الوطن وتغِرسُهُ غَرْسًا لا تهزّهُ أيّ ريَاح، ولا تطُاولُهُ أيّ نفس ممن افتقدوا معنى الوطن في داخلهم.

أنا آسف يا أمي، لأنني لن أستطيع أن أتحدث إليكِ مرة أخرى، ولن أملك من الآن فصاعدًا غير أن ترينِي في حُلمكِ، إذا أراد الله! ولن أستطيع أن أضمّك ثانيةً أو أن أُقبل جبينِكِ كيفما اعتدت، لن تستطيعي يا أمي- بكل أسف – إلا أن تذكريني في قولك، وتتبعيِن بدعاء الموتى: رحِمَك الله يا ولدي!

أنا آسف يا أمي، أسفٌ أسفًا كثيرًا! ربما لن تصدقينَنَي لو أخبرتُكِ بأنَنَي سوف أفتقدك هناك، وربما تتمنيِن بأن يجمعنا الله عاجلًا وليس آجلًا، وإلى أن ألقاكِ يا أمي لكِ مني كلّ الحبِ والأسف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد