ما تزال شعوبنا العربية فريسة لأنظمة قمعية لم تتوقف عن الهتك بها بشتى السبل، وفي ظل استسلام وصمت دام لعشرات السنوات، تقريبًا منذ رحيل الاستعمار، لم تجد هذه الشعوب سوى السير دون تفكير خلف أحلام وردية رسمها لها قادتها العسكريون حينا، وخدعوهم بها حينا آخر.

وبعد سنوات من الفقر والجوع والبطش والهزائم كان لابد لهذه الشعوب من التمرد على الواقع المزري الذي تعيشه، لكن الأزمة الحقيقية كانت في اتفاق الجميع على ضرورة تغيير النظام دون معرفة البديل الذي سيحل محله للأسف الشديد.

في هذه اللحظة، وقعت الشعوب العربية في أزمة حقيقية؛ فقد قاموا بهدم نصف النظام، وتركوه دون أن يستبدلوه بآخر، ببساطة لأنهم لم يعرفوا بديلا، فكانت النتيجة أسوأ من ذي قبل، فلا أحد يستطيع أن يتخيل رد فعل نظام كان متسلطًا متجبرًا باطشًا كُسرت أنفه وأتيحت له الفرصة لاسترداد كرامته، لقد كادت الحياة أن تفارق النظام، بعد أن ظن لوهلة أنها قد فارقته حقا، فكان طبيعيا أن يشن النظام هجمات ثأرية على كل من شارك في إسقاطه، لإثبات أنه ما زال قويًا بعكس الحقيقة.

طالت حملة البطش تلك الجميع تقريبا، وتنوعت أشكال البطش لتصل إلى كل الزوايا والأركان، فلم ترحم مفكرًا أو معارضًا أو حتى مشجعا، وكانت النتيجة تكوم جميع المبطوش بهم في المعسكر الآخر الذي ما زال متمسكا بإسقاط النظام، وإن زاد عليه نظرة أكثر قتامة وسوداوية تجاه النظام والمجتمع معًا، وبات الشعب منقسمًا إلى ثلاثة أقسام:

قسم أول يمثل الدولة يقوم بعمليات تصفية واعتقالات لكل معارضيه للحفاظ على وجوده وما يطلق عليه هيبة الدولة ظنا منه أن البطش والدماء يحافظان له على تواجده!

قسم ثانٍ كان جزءًا لا يتجزأ من القوى التي أسقطت النظام، ولم يعد أمامها سوى الاستمرار فيما بدأت به، ومع تزايد بطش النظام وتطرفه، تزداد الهوة بين الطرفين ويزداد كل طرف في تشدده وردود أفعاله – بحسب ما يمتلكه من قوة – ومهاجمته للمعسكر الآخر.

قسم ثالث لا ناقة له أو جمل، كان يتمنى التغيير السريع والسلمي فوجد أن الأمور قد أصبحت أكثر تأزما من ذي قبل، وأصبح استسلامه للنظام يضعه في خطر حقيقي ربما أكثر من معارضته له، بعد أن وصلت نيران الغضب وصراع البقاء إلى جميع المستويات حتى مباريات كرة القدم، فلم يعد للأسف الشديد أمام معظم هذا التيار إلا الانضمام إلى أحد المعسكرين السابقين، ليس دائما عن اقتناع تام أو جزئي، ولكن بحسب ما تفرضه عليه مصلحته وسلامته وأمنه.

وبين هذا وذلك يزداد كل يوم حجم الدماء المُسال، ويزداد الغضب، وتزداد الانحيازات، فيتم القتل أحيانا دون هدف واضح، بينما تزداد الشعارات وحالة الاستقطاب، وبالطبع التصريحات العنترية، والدعوات لخوض حروب خيالية في داخل وخارج القُطر، لندخل في نهاية الأمر في صراع لا ينتهي ربما يستمر لألف عام إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

في النهاية نستخلص رسالتين نوجهها لكلا الطرفين حكومة ومعارضة، فبالنسبة للأنظمة: إن من يريد القضاء على الإرهاب وتثبيت أركان حكمه، عليه أولا أن يكف عن العنف لأن العنف لا يولد إلا عنفا أشد، فيجب أن يكون أكثر تعقلا وقدرة على تقديم نفسه للجميع على أنه نموذج انفتاحي يسمح للجميع بمشاركته، أما في ظل السياسة الإقصائية فستجد نفسك وحيدا أمام أعداء ينضم إليهم كل يوم أعداء جدد لك ولنظامك.

أما بالنسبة للمعارضة، فلا بد أن تدرك أن الشعوب قد اختارت الثورة في المقام الأول لإيجاد حياة أفضل، وأن فيديوهات تقطيع الرقاب والعبوات المفخخة لن تضم إليك المزيد من المعارضين، بل على العكس ستحولهم بالتأكيد إلى مؤيدين للنظام، وإن مهمتك الأولى هي إيجاد الحلول لا للتخلص من النظام فقط، وإنما لإقناع الناس بمستقبل أفضل إذا ما نجحوا بالفعل في ذلك، من خلال تقديمك نموذج للحياة لا للموت.

وبين هذا وذاك، ودماء تراق هنا وهناك، يزداد النفور من الأنظمة تارة، ومن المعارضة تارة أخرى، ويزداد الاستقطاب وشلالات الدماء التي لن تتوقف بالطبع إلا إذا تخلى أحدهم عن سياسته، وهذا أمر غير وارد على الأقل على المدى القصير، ولن تكون هناك نهاية لهذه الحرب إلا بظهور نموذج ثالث أكثر انفتاحا، يسمح للجميع بالعيش في سلام تحت حكمه حتى ولو كان من أشد معارضيه. فيما عدا ذلك فستدوم هذه المعركة دون هدف لألف عام وربما أكثر من ذلك للأسف الشديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد