في الثالث عشر من مايو عام 1967، أبلغ الروس مصر عن تحريك أحد عشر لواءً إسرائيليًا إلى الحدود السورية. فما كان من عبد الناصر إلا أن أرسل الفريق (محمد فوزي) إلى دمشق، وقوات مصرية إلى سيناء بحجة مساندة سوريا، وطالب الأمم المتحدة بسحب قوات الطوارئ الدولية من منطقة الحدود المصرية الإسرائيلية.

ثم قراره المفاجئ بإغلاق مضيق (تيران) في وجه السفن الإسرائيلية, فاعتبرت إسرائيل خطوات عبد الناصر غير المبررة إعلانًا للحرب, كل هذه الخطوات المتسرعة ولم تكن قواتنا مستعدة لحروب بعد استنزافها بحرب اليمن، وانشغالها بمساعدة ما يعرف بحركات التحرر في دول عدة، فكانت الهزيمة.

من المفارقات أن الشعب المصري في (9/10) يونيو هلّلَ لرئيسه المهزوم, حينما خرج الملايين من المصريين إلى الشوارع، مطالبين – جمال عبد الناصر – بالتراجع عن قرار التنحي.

وبغض النظر عن كيفية خروج هذه التظاهرات وتنظيمها على مستوى القُطر بأكمله، بين من يرى كونها مدبرة من قبل أجهزة الدولة، وغيرهم الذي يعتبرها مظاهرات عفوية، فإن سلّمنا بعفوية تلك المظاهرات رغم مخالفته الواضحة لأدنى قواعد المنطق، إلا أنها تعكس دور وزارة الإرشاد ساعتها في صناعة شعورٍ ووعيٍ متراكمين عبر خمس عشرة سنة من حكم الضباط الأحرار لدى العقل الجمعي للمصريين، جعلتهم يبرئون ساحة المتهم الرئيس في هذه الهزيمة وغيرها، بل ويطالبونه بالاستمرار في منصبه، فإن كان البعض قد روّج ودعا لتحمل المشير عامر الهزيمة العسكرية، ورضاهم بقتله – أو انتحاره – في بيت أعز أصدقائه ناصر، إلا أنه لا أحد يستطيع تبرئة ناصر من المسؤولية السياسية عن الهزيمة.

هذا الحدث ينبغي النظر إليه في ظل أوضاعٍ سياسيةٍ وأيديولوجيةٍ متراكمةٍ شكّلت بالفعل أذهان الناس، وعواطفهم وتوجهاتهم باستخدام تعبئة أيديولوجية متواصلة، كانت نتيجتها تحرُك الناس على هذا النحو الفريد في تاريخ الهزائم الكبرى للدول.

ولعل من مفردات هذه الآلة استخدام المصطلح الخاطئ؛ فكان اسم النكسة هو البديل عن الهزيمة لترسيخ التفسير لدى الشارع بأنها كبوة لا غير، على الرغم من أنها حطمت كامل قدراتنا العسكرية وقتها وقتلت خير أجنادنا أو أصابت من نجا منهم بلوثة نفسية, واحتلت سيناء كاملة، وضيّعت قطاع غزة بأكمله، والضفة الغربية بمساحتها، وسقطت الجولان في يد اليهود، ومزارع شبعا بلبنان, وإغلاق كامل لقناة السويس، بل وأصبحت القاهرة نفسها في مرمى لطلعات العدو الجوية.

لقد لخص عبد الناصر في كتابه (فلسفة الثورة) – الذي حرره له هيكل – رؤية الحكومات العسكرية للشعب المرغوب فيه وصفاته المطلوبة، كونه شعبًا مفتتًا إلى عناصره الأولية، يسير أفراده ومؤسساته وراء الضباط كرجل واحد، كما هو الحال تمامًا في الاستعراضات العسكرية.

وعلى الرغم من كل ذلك كانت بارقة الأمل التي عمل النظام على محاولة قهرها وتشويه صورتها إعلاميا, تلك الحركات الواسعة التي قام بها الطلبة والعمال بعد أقل من عام على امتداد الجامعات المصرية، حينما صدرت الأحكام المخففة ضد المسئولين عن الهزيمة.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد شنت طائرات النظام المصري طلعات مركزة فجر الاثنين 16 فبراير على مدينة درنة الليبية، بزعم الثأر للمصريين المغدورين بليبيا، متجاهلة مليون ونصف مصري متواجدين في ليبيا، أصبحوا أهدافًا سهلةً للخطف أو القتل، وادعى بيان القوات المسلحة أنه دمر مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة لداعش, في حين قالت مصادر ليبية لقناة الجزيرة، إن القصف المصري لدرنة تسبب في مقتل سبعة أشخاصٍ،  بينهم ثلاثة أطفالٍ وامرأتان، وجرح 17 جميعهم مدنيون، وحالتهم حرجة.

جاء قرار الحرب المعلن على ليبيا سريعًا مخالفًا لعقيدة السياسة العسكرية المصرية والتي رسختها لدينا أجهزة إعلامه من كون الحلول الدبلوماسية هي الأفضل، فخالف رد الفعل ما انتهجته السياسة المصرية مع القتل المتكرر لجنودنا على الحدود الشرقية على يد الكيان الصهيوني، أيام كانت سياسة ضبط النفس هي الحاكمة, على الرغم من أن الولايات المتحدة – بجلالة قدرها – لم تأخذ قرارًا عسكريًا بهذه السرعة لا في ردها على (بيرل هاربر) ولا مع تحطيم برجي التجارة العالميين.

 

الحديث عن قتل المصريين المغدورين في ليبيا لابد أن يوضع في سياقه, فقبل المذبحة بأيام أعلنت إيطاليا على لسان وزير دفاعها (روبيرتا بينوتي) أنها ربما تتدخل عسكريا في ليبيا، وتذكر صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية أن إيطاليا قد تقود تحالفًا للتدخل عسكريا في ليبيا، على إثر المذبحة وأن مصر ربما تشارك بإرسال قوات برية, مدعومة بضربات جوية أوروبية، حتى لا تتدخل أوروبا بشكل مباشر في القتال المحتدم بليبيا.

قبيل ساعات من القصف المصري، دعا رئيس الحكومة الليبية المنبثقة من البرلمان المنحل في مدينة طبرق الموالي (لحفتر)؛ الغربَ لشن هجمات جوية في بلاده من أجل هزيمة غُرمائه الذين وصفهم بالمتشددين الإسلاميين، بينما أكد المؤتمر الوطني العام الليبي “البرلمان” المنعقد في طبرق – الذي استعاد شرعيته بعد حل المحكمة الدستورية – عدمَ التنسيق مع السلطات المصرية واعتبر الغارات المصرية تعدّيًا على سيادة الدولة الليبية، راح العميد الركن (صقر الجروشي) القيادي في قوات اللواء (خليفة حفتر) يعلن عن تنسيق مع الجانب المصري لشن طلعات جوية.

كل هذا الواقع على الأرض مع المستوى الفني العالي الذي خرج به فيديو إعدام المصريين على يد أفراد بنيانهم الجسماني غير معتاد, متمتعين بحرية في الحركة على أرضٍ مفتوحةٍ، تمكنوا من تصوير الفيديو بمعدات ضخمة دون أن ترصدَهم رواصد الناتو ولا المخابرات المصرية، التي اتضح بعد القتل امتلاكها معلومات دقيقة عن مواقع قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة دكتها طائرات النظام المصري كما ادَّعى بيان جيشها، فَلِمَ لمْ تتدخل القوات المصرية لإطلاق سراح المختطفين طالما أن لديها رصدًا ومعرفة بالخاطفين من داعش وأماكنهم؟

ليس هناك مستفيد من إشعال الساحة الليبية, وتعبئة الشعب المصري بقتل عدد من أبنائه مغدورين في ليبيا سوى مَنْ يسعى لتحقيق بطولات موهومة على الأرض مستغلاً إرادة دولية للعبث والتدخل في ليبيا .

فهناك تسريبات ظهرت انشغل الناس عنها بمذابح مصطنعة, أولها مذبحة إستاد الدفاع الجوي، ثم المذبحة البشعة للمصريين المغدورين في ليبيا، كل ذلك مع ما نُشر عن تدنٍ واضح في شعبية الزعيم الملهم، والفشل الذريع الذي تحقق في وهم مشروع قناة السويس؛ جعل القرار السريع للحرب في نظر البعض خطة ممنهجة لتحقيق بعضٍ من طموحات الزعيم ولو على حساب دماء أبناء شعبه.

وخرج الشعب المصري – كما وجهته آلة الإعلام – مهللاً بالتأييد لحرب في الاتجاه الخطأ لضرب دولة شقيقة, على الرغم من أن (درنة) المدينة التي ضُربت لم تكن مكانًا لا للخطف، ولا مقرًا لمذبحة المصريين المغدورين.

إن كانت كافة النظم الديكتاتورية تعتمد على الدعاية وقمع الرأي الآخر في إخضاع الناس واكتساب ولائهم، وتفشل هذه النظم في اكتساب الولاء ما لم يكن هناك أساسٌ على الأرض يمكن الاستناد إليه وإن كان وهميًا.

وهذا ما تقوم به أذرعها الإعلامية؛ فإن التضحيةَ بالأقباط الذين قتلوا غدرًا في ليبيا أو المليون ونصف مصري المتواجدين هناك؛ ثمنٌ لن يغفرَه التاريخ، وإن خرجت الملايين المغيبة مؤيدة ومفوضة. فالشعب المرغوب فيه شعب مفتت إلى عناصره الأولية، يسير أفراده ومؤسساته وراء الضباط كرجل واحد، كما هو الحال تمامًا في الاستعراضات العسكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد