دارت الدائرة على أبي الحكم بن هشام قائد جيش قريش الأول المدبر صاحب الرأي في أمر مكة، أرهقه الألم والتعب وتقدمه في العمر فسقط على الأرض ووجهه إلى السماء يطالع قليلًا وجوه القوم على الأرض وهم بين قتلى وجرحى، الدماء في كل مكان لكنه يريد أن يعرف المنتصر؟

كان ابن مسعود يجول بين الجثث بسيفه الصغير وقدميه الضعيفتين اللتين سخر الناس منهما يومًا حتى وجد فرعون هذه الأمة يصارع الموت وحيدًا وها هو رويعي الغنم يضع قدمه الضعيفة على صدر ابن الأكابر فيجز رأسه كالشاة المجهزة
للذبح!
قُتل أبو جهل وأمية وعتبة وشيبة، هلك أكابر القوم وهرع الباقون إلى الطرقات رجوعًا إلى مكة وأي رجوع؟

اللطيمة اللطيمة، الغوث الغوث، من يستطيع أن يضمد جروح غرور قريش وقد سمع العرب بما فعله المسلمون بهم دارت الدائرة عليهم وصاروا تاريخًا يروى.
فر أبو سفيان بالقافلة وجاءه خبر القوم صرعى وأسرى فغطى السواد مكة وباتت قريش في بؤس من عيش فقال أبو سفيان في القوم خطيبًا: الحرب سجال، والأيام دول. وإن انتصروا اليوم فلن نترك الثأر غدًا. كان أبو سفيان محقًا!

تراجع المسلمون في أحُد قُتل منهم سبعون وحاصرهم الأحزاب في نحو عشرة آلاف مقاتل لم تعرف العرب حشدًا مثله، ظل المسلمون خلف الخندق لا يأمن الرجل في أن يقضي حاجته، انفض الأحزاب ودارت الدائرة فأشعل المسلمون عشرة آلاف قنديل أضاء مكة ومُكّن للإسلام فيها فصارت دولة قوية تُجيش الجيوش إلى الشام لملاقاة الروم وإلى العراق لملاقاة الفرس، تقدم المسلمون مرات وتقهقروا مرات حتى استلم عمر مفاتيح بيت المقدس وعلق عمرو بن العاص الراية على أسوار الإسكندرية وتحرك جيش عقبة بن نافع إلى إفريقية فنشأ القيروان عروس المسلمين في الشمال.

خاطب هارون الرشيد السحاب أمطري حيث شئتِ سيأتيني خراجك يومًا ما، تمتد دولته من الصين إلى الأندلس ومن الأناضول إلى الحبشة، وفي الوسط بغداد المدينة العظيمة مدينة السلام حيث الأمان والجنة وفي وسطها مكتبة ضخمة تحوي ملايين ملايين الكتب، لم يكن العرب فاتحين فقط في الحرب بل في كل فصل علم كان العرب المسلمون رواده الأوائل في الطب والهندسة والفيزياء والفلك.
سقطت بغداد ودمرت الكتب وهاجم التتار بلادنا حتى لاقاهم المسلمون فهزموهم ويا للعجب تحولوا من الهمجية إلى الإسلام سريعًا.
كانت الحرب سجالًا والعلم سجالًا تارة لنا وتارة علينا، لم يعرف التاريخ قنوعًا باليأس والضعف والذل والهزيمة ولم تطل المدة التي نكون فيها بعيدًا عن الركب كالآن؟
خرج المسلمون من الأندلس فتنّصر من لم يستطع الخروج كُرهًا ومنعت اللغة العربية وجرّم الدين في محاكم التفتيش، فدخل المسلمون القسطنطينية عاصمة الشرق المسيحي لتخطب أوروبا ود الدولة العثمانية فتدفع نصف أـوروبا الجزية لها.

منذ ستمائة عام فقط سقطت الأندلس ومنذ أربعمائة عام فقط صلى المسلمون صلاة الفتح على أنقاض أسوار النمسا بعد أن مَّن الله عليهم بالنصر.

أثناء قوة الدولة العباسية وقبل ألف عام كان الإمام الجويني أمام الحرم المكي يدرس الفقه الشافعي في الكعبة ولديه طلاب علم كثيرون ذاع صيت الرجل بالعلم والفقه والورع والتصوف والزهد، كان واسع الاطلاع والمعرفة حتى إنه جلس  مكان أبيه عالًما وهو في العشرين لكنه افترض يومًا وهو وسط طلابه افتراضًا عجيبًا جعل الناس تنفر منه وتستاء؟ قال الرجل ماذا لو ضعف المسلمون وانهارت دولتهم؟ ماذا لو سقطت الخلافة ولم يعد للمسلمون خليفة؟ ماذا يفعل الناس في أقاصي الأرض وألف كتابًا في نحو خمسمائة صفحة تحت عنوان غياث الأمم في التياث الظُلَم.

قبل مائة عام فقط كان للمسلمين دولة متصلة الحدود وحاكم خليفة يدعو الخطباء له على المنابر، كانت أوروبا تقول رجل أوروبا المريض سيتقطعون من دولته الأمصار ويحتلون الأطراف ويضربون في قلب دولته، وكان المسلمون يقولون إن بعد الضعف قوة والحرب سجال، والأيام دول.
سقطت الخلافة وتقطعت الدولة إلى دول وممالك وجزر منعزلة بينها حدود وأسوار ومعارك وحروب ولم تعد الحرب سجالًا ولم تدر الدائرة؟

لقد طالت المدة على المسلمين وهم مقهورون بين أذناب الحروب ومآسي خيم اللاجئين وصار اليأس سلوك أجيال وانقطع الأمل بالناس فمتى تعود الدائرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد