ظلت المساجد وأئمتها في تونس مشكلة عويصة، صعب على الحكومات المتعاقبة بعد 14 يناير حلها لحساسية الموضوع وتولي المسئولين الجدد هدم الإجراءات التي بدأ بها أسلافهم.

ففي فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، كانت وزارة الشؤون الدينية وزارة هامشية لا دور لها سوى التنسيق والتنظيم بينها وبين الأئمة الخطباء، وكانت أغلب الخطب التي يلقيها هؤلاء على منبر رسول الله (ص) متشابهة في بنيتها وفي مواضيعها التي لم تخرج أساسًا على بعض المسائل الفقهية الروتينية، بالإضافة إلى بعض المواعظ والرقائق كالإحسان إلى الجار وغيرها من القصص الموضوعة والمختلقة التي حفظناها عن ظهر قلب، وكان من أشهرها قصة الرسول مع جاره اليهودي الذي ألقى قمامته على بيت الرسول فلم يمسسه بسوء وأحسن إليه بعدها.

إن محاولة بسيطة لتذكر الكم الهائل من القصص التي قصها علينا أئمة النظام السابق في أيام الجمعة المتتابعة وفي المواسم الدينية التي كانت بالمئات، يوصلنا بما لا يدع مجالا للشك إلى نتيجة مفادها أن النظام السابق أفسد البلاد والعباد ولم يترك قطاعًا لم يدخل فيه زمرة مجرمة قضت على أجيال وأجيال.

لقد كانت وزارة الشؤون الدينية وقتها إدارة تابعة لوزارة الداخلية التي تصلها التقارير الأسبوعية عن فحاوى الخطب التي ألقاها أحفاد أسد بن الفرات وسحنون وأبو الحسن القابسي والإمام اللخمي وعبد الرحمن بن خلدون، وصولا إلى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أمام جامع الزيتونة الأعظم، والتي خطتها أنامل ثلة من المجرمين الذين تلاعبوا بالدين وجففوا منابعه.

لكن وبعد أن زال الظلام وبدا للناس النهار، ظن التونسيون أن تونس الزيتونة بلد العلم والعلماء ستعود كما كانت من قبل، وستفتح المساجد مستقبلة العالم للتعليم والجاهل ليتعلم ما يصلح حال دينه ودنياه، بعد أن كان مغيبًا عن ذلك طيلة 5 عقود من الزمان بعد إغلاق الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة لجامع الزيتونة المعمور وإحالة أوقافه إلى أملاك للدولة، مغلقًا بذلك أبواب طلب العلم وفاتحًا أبواب الجهل والتطرف والحرب مع الإسلاميين على مصراعيها.

كم كان التونسيون طيبين عندما أحسنوا الظن بحكامهم الجدد، وظنوا أن ما حدث كان ثورة حقيقية على كل أشكال الظلم والتمييز والعنف والطبقية، وغيرها من المشاكل التي طالب بحلها مَن خرج في المظاهرات التي امتدت من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 يناير 2011 والتي انتهت بسقوط أكبر طغاة البلاد ومحارب الله والعباد.

ورغم زوال الظلم المسلط على التونسيين، والارتياح من سوط الجلاد وقتّات السلطان، ظهرت وجوه جديدة تربت في أحضان بن علي وشربت من معينه ومعين من سبقه، وبدؤوا في إعادة الأمور إلى نصابها من خلال إغلاق المساجد وتنصيب أئمة ضالين مضلين، وتعويض أغلب الخطباء المعينين في فترة حكم “الإسلاميين” بآخرين لبسوا جلباب الدين وأبطنوا نفاقهم زاعمين، ولكن الاطمئنان لهؤلاء ضرب من المستحيل والمؤمن لا يلدغ من نفس الجحر مرتين.

ظن الوزير الحالي لوزارة الشؤون الدينية، التي أصبحت وفق بعض الحقوقيين تابعة لوزارة الداخلية؛ أن ما يقوم به ما هو إلا إصلاحات لتنظيم قطاع المساجد الذي خرج على سيطرة الدولة، بعد أن اعتلى المنابر مَن لا أهلية ولا زاد علمي يشهد له، فبدأ بتنصيب آخرين جدد ولم يراع في تنصيبه وعزله شرعًا ولا عرفًا، زاعمًا بذلك قيامه بعمليات إصلاح شاملة لتحييد المساجد.

لسنا بصدد الدفاع عن الأئمة المعزولين الذين ثبت عن جزء كبير منهم تحريض على العنف ومساندة علنية لبعض الأحزاب، وقد كان من المنتظر أن تنتهي فترة صلاحيتهم خلال مدة وجيزة لأنهم كانوا أوراقًا تستخدم وتستبدل في يد بعض السياسيين بصفة مباشرة أو بأخرى غير مباشرة، ولكننا ننقد ما آل إليه الوضع في تونس من إغلاق متكرر للمساجد بدعوى محاربة الإرهاب والتطرف، وخروجها على السيطرة والمحاولات المتكررة من وزارة الشؤون الدينية لإلجام كل خارج عن سلطتها.

إن الأوضاع التي تشهدها تونس على الساحة السياسية والاقتصادية والتي تنبئ بالأسوأ، دفعت البعض إلى لعب ورقة المساجد والتطرف ومحاربة الإرهاب وتحييد المساجد لكي ينالوا رضا بعض الدول العربية والأوروبية، من أجل أن تقف معنا وتزودنا ببعض الأسلحة لمقاومة الإرهابيين، أو ببعض القروض والمنح لمحاولة امتصاص غضب المحتجين المطالبين بالتنمية وتحسين أوضاعهم الاحتجاجية.

لم يدخر المفتي السابق في نظام بن علي جهدًا في خدمة مصالح بعض القوى التي لا تريد الخير لتونس. فرغم أنهم يشجعون على تجفيف المنابع فيها، إلا أنهم ما فتئوا يقيمون المنتديات والندوات البحثية وتشجيع بعض الفرق الإسلامية من صوفية وسلفية مدخلية وعلمية، وغيرها من الفرق، على القيام بأنشطتها داخل بلدانهم وخارجها وتمكينهم من المساجد الكبيرة فيها ليخطبوا ويدرّسوا الناس لكي لا يطالبوا بحقوقهم. حتى إن أحد أراذل القوم وقف خاطبًا في الأردن داعيًا الفلسطينيين للكف عن إرهاب الإسرائيليين بعد اندلاع موجة الطعن غير المسبوقة داخل الأراضي الفلسطينية.

سياسة محاربة الإرهاب أمنيًا وتجفيف المنابع دينيًا لن تؤتي أكلها، ولن تنجح في أي بلد كان. ولكم في ما كتبته مراكز البحوث الغربية من دراسات في هذا الشأن العشرات إن لم نقل المئات، والتي أجمعت كلها على أن محاربة الفكر لا تكون إلا بالفكر، ولهذا شجع مركز راند للدراسات الاستشرافية في الولايات المتحدة الأمريكية الدول التي تعاني من خطر الإرهاب أن تقوم بدعم بعض الفرق الإسلامية ماديا ومعنويا، لكي تكون لهم سندًا في مقاومة التطرف.

وزير الشؤون الدينية الحالي يقود البلاد إلى المجهول، فها هي مدينة صفاقس بالجنوب التونسي تشهد يوم الجمعة 13 نوفمبر الحالي جمعة بلا خطبة جمعة في أحد أكبر مساجد المدينة “جامع اللخمي”، بعد أن قرر الوزير عثمان بطيخ أن يلغي صلاة الجمعة في هذا المسجد والاكتفاء بأداء الصلوات الخمس إلى حين هدوء الأوضاع، التي عقبت قرار عزله لإمام هذا المسجد رضا الجوادي الذي رفض مناصروه أن يؤمهم غيره لأسابيع متتالية.

الوضع العام في تونس لا يسرّ بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها البلاد، بعد توالي السّقطات السياسية والهجمات الإرهابية التي قضت على القطاع السياحي الذي يمثل دخلًا هامًا للدولة من العملة الصعبة، التي صعب على الدولة التونسية الحصول عليها إلا عن طريق الاقتراض والتوجه إلى السفارات بهدف الحصول على الهبات.

فهل يعي سياسيو البلاد في أي اتجاه يسيرون؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد