(ضربة صهيون) هو الاسم الرمزي أو الكودي الذي أطلقته إسرائيل على حرب الخامس من يونيو (حزيران) عام 1967، وإذا كان لكل حرب هدف، فما هو هدف إسرائيل الحقيقي والأساسي من هذه الحرب؟ لقد أجمل دافيد بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل هذه الأسباب في مذكراته وكان أهمها:
1- إن إسرائيل لا يكتمل كيانها إلا بضم الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى الدولة الصهيونية وضمن حدودها. وصحيح أنها توسعت بمعركة سنة 19488 إلى أكبر مما نص عليه قرار التقسيم الصادر سنة 1947. ولكن الدولة الصهيونية تظل ناقصة عن حدودها التاريخية طالما بقيت ( يهودا والسامرة) وخارج إطارها.
2- إن احتلال الضفة الغربية في ظروف 1948 كان سوف يطرح  مشكلة القدس عالميًا في وقت لم يتهيأ فيه الرأي العام العالمي. وبخاصة  الرأي العام المسيحي لقبول واقع أن القدس أصبحت عاصمة إسرائيل.
3- إن مستقبل الأيام قد يوفر هذه العوامل كلها ويتيح الظروف التي تجعل ضم الضفة الغربية والقدس ممكنًا شرط أن يكون المناخ العالمي مهيأ وعوامل القوة العسكرية والمالية متاحة.
والحقيقة أن أي استقراء للشواهد قبل الحرب، كان يظهر ان هدف اسرائيل الاساسي هو ضم الضفة الغربية بما فيها القدس، وأن الهدف في مصر كان مقدمة ضرورية له!
كان أول هذه الشواهد هو المبالغة الإسرائيلية في تصوير خطر الحشود المصرية في سيناء وقرار إغلاق خليج العقبة. فالحشود المصرية لم تكن حشود أوضاع هجومية، وكان هذا ظاهرا للإسرائيليين وللأمريكيين على السواء، وقد تأكد منه، أبا إبيان وزير الخارجية الإسرائيلي في ذاك الوقت، ومائير آميت مدير الموساد، أثناء اجتماعاتهما في البنتاجون. ثم إن البواخر التي تحمل العلم الإسرائيلي والتي تعمل على خط خليج العقبة إلى إيلات لم تزد عن باخرتين اثنتين. وليس هذا هو الضغط الذي يؤدي إلى خنق إسرائيل كما راحت تصور للعالم.
ويمكن أن يكون التفسير المنطقي لهذه المبالغة الإسرائيلية هو الرغبة في الحصول بسرعة على الضوء الأخضر للانطلاق (سياسة Unleash Israel) سياسة إطلاق العنان لإسرائيل، وظاهر من الإشارات الواردة في ملخص تقرير مائير آميت، أن
 المؤسسة العسكرية الإسرائيلية غيرت رأيها الظاهر وأصبحت ترغب في بدء الحركة قبل أن يتمكن جونسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في ذاك الوقت، من ترتيب موقفه الدستوري والسياسي مما يتيح لها مجالًا أوسع للمناورة، ومن اللافت للنظر عبارة وردت في ملخص تقرير آميت، جاء فيها قوله: «إن روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأمريكي أخبره أن إسرائيل الآن لا تمانع في أن تبدأ هي على مسؤوليتها مادامت مطمئنة إلى أن الولايات المتحدة سوف تكون وراءها».
 وكان ثاني هذه الشواهد أن وجود مجموعة ضباط (البالماخ) القديمة، ممثلة في: موشي ديان، وإسحاق رابين، وبيجال اللون، ودورهم البارز في الدفع إلى العمل يعني أن هذه المجموعة عائدة بتصميم إلى تنفيذ الحلم القديم الذي أفلت أكثر من مرة من قبل في الاستيلاء على كل أرض إسرائيل التاريخية.
ويرتبط بذلك مباشرة شاهد ثالث وهو اشتراك كتلة (جحل) برئاسة مناحم بيجن، في وزارة وحدة وطنية، فكتلة جحل، كانت واضحة في موقفها طول الوقت، وكان مطلبها الدائم هو كامل أرض إسرائيل، ودخولها في وزارة وحدة وطنية الآن بطلب وضغط من مجموعة ( البالماخ) كان لا بد له أن يعني شيئًا أوسع من مجرد رد خطر ماثل على الخطوط المصرية أو في خليج العقبة.
وشاهد رابع ينله د. دونالد نيف، في دراسته عن حرب 1967 وهو يروي أن الجنرال. أوزي ناركيس قائد وحدات قوات الدفاع الإسرائيلية، والجنرال واموس هوريف، (وكان وقتها رئيسًا لمعهد التخنيون)، وهو معهد إسرائيل التكنولوجي، قابلا عزرا وايزمان نائب رئيس الأركان الإسرائيلي وقالا له: «إن أمام إسرائيل فرصة ضخمة لتنجز عملًا هائلًا على الجبهة الأردنية، ولا يجب أن تفلت هذه الفرصة، ثم أضاف الجنرال راموس هوريف، قوله: «إن الحل الوحيد لفتح المضايق هو تحرير القدس والضفة الغربية».
وكان هناك أيضًا ما قاله وايزمان لرئيس وزراء إسرائيل في ذاك الوقت ليفي أشكول: إنني مندهش لأمرك فإن معك أقوى جيش إسرائيلي منذ عهد داود وأنت تتردد في أن تعطيه إشارة البدء في الحرب كي نستعيد القدس والضفة الغربية أعط الإشارة وستدخل التاريخ!
كانت طبقًا لمخططات القادة الإسرائيليين مصر هي هدف الثقل الذي ينبغي ضربه، والضفة الغربية والقدس هي الجائزة التي لابد من الحصول عليها!
وبالفعل في 6 يونيو، سارعت وحدات من الجيش الإسرائيلي لدخول الضفة الغربية، وعندما علم ديان أن مجلس الأمن الدولي قد توصل لشبه اتفاق حول فرض وقف إطلاق النار، أمر قواته بدخول القدس الشرقية ودون موافقة من مجلس الوزراء، دخلت وحدات من الجيش البلدة القديمة عبر بوابة الأسد واستولت على جبل الزيتون والمسجد الأقصى وحائط المبكى، كانت المعارك للسيطرة على المدينة ضارية وغالبًا ما تنقلت شارعًا تلو الآخر، وتزامنًا سيطر الجيش الإسرائيلي على الخليل دون مقاومة، وشرع لواء هرئيل بالزحف شرقًا نحو نهر الأردن، وفي الوقت نفسه هاجمت قوات إسرائيلية بيت لحم مدعومة بالدبابات، وتم الاستيلاء على المدينة بعد معركة قصيرة سقط بموجبها 40 قتيلًا أردنيًا.
وبعد أيام قليلة من احتلال إسرائيل للقدس، صرح آبا إيبان وزير خارجية اسرائيل في 14 يونيو بأنه «لا يمكن لأحد أن يتصور أن توحيد القدس الذي تحقق مؤخرًا يمكن أن يلغى»، وفي 27 يونيو صوّت الكنيست على قانون ضم القدس وتم إقراره بالإجماع.
واختم مقالي والرواية فيه لتقرير دونالد نيف أيضًا: عن شهادة سمعها بنفسه من (مريام أشكول) زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول والتي أفضت إليه بأنها لاحظت ذات ليلة في هذه الفترة أن زوجها ليفي أشكول، غير قادر على النوم، وأنه راح يتقلب في فراشه الساعات طويلة، ولما سألته عما به أجابها بقوله بالحرف (إنني قلق لأننا قريبًا جدًا سوف نجد أنفسنا أمام أرامل وأيتام نتحمل مسؤوليتهم، ثم أردف قائلًا لزوجته مريام: وعزاؤنا الوحيد أننا سوف نستعيدها وعندما سألته مريام عما يقصده بهذه التي سوف نستعيدها؟ كان رده: (القدس) سوف نأخذها كاملة!
كانت الضفة الغربية بما فيها القدس هي الهدف الإسرائيلي الأصيل لحرب 1967، ويلفت النظر أن الاسم الرمزي للهجوم الإسرائيلي على سيناء سنة 1956 كان (قادش) وهو عنوان الدعاء الذي يتلى في المعابد اليهودية لطلب السلامة، وأما الاسم الرمزي للعملية الإسرائيلية سنة 1967، فقد كان هو (ضربة صهيون) إشارة إلى الحلم الصهيوني بأرض إسرائيل، أي بالضفة الغربية والقدس، وليس بسيناء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد