فى ظل صراع الحضارات من قديم الأزل حتى يومنا هذا, تغزو الدول القوية الدول المستضعفة, لأسباب كثيرة من ضمنها بسط سيطرتها على إقتصادها ومن أجل التوسعه فى بعض الأحيان.

 

فى كل زمان يوجد أمة قوية مهيمنة على العالم أجمع “وَالرُّومُ ذَاتُ الْقُرُونِ كُلَّمَا هَلَكَ قَرْنٌ خَلَّفَ مَكَانَهُ قَرْنَ” ففى القرن الحديث ظهرت “أمريكا” كوريثة للأمبراطوريات “البريطانية والفرنسية والألمانية” الذين هيمنوا على العالم ردحاً من الزمن, فصار العالم كله ذليلاً لها, متمنين رضي أمريكا عنهم.

 

وفى ظل صراع الحضارات كما بين دولتى فارس والروم قديماً.. صار الصراع الحالى بين دولتى أمريكا وروسيا على حكم العالم .. فأمريكا تريد غزو العالم وبسط فكرة الليبرالية على العالم والتحكم فى إقتصاد دول العالم وبالأخص دول الشرق الأوسط “بلاد المسلمين” الغنية بالنفط, كما بشر الفيلسوف الأمريكي (فرانسيس فوكوياما): حيث دعا إلى “عولمة” الثقافة الأمريكية ؛ لكونها أرقى تجليات الفكر الليبرالى المنتصر وأن عصر منافستها قد انتهى.

 

وروسيا تريد توسعة مملكتها والسيطرة على دول شرق أسيا الغنية بالنفط ومحاربة التمدد الأمريكى إما بغزو دول النفط التى لا غنى لإقتصاد أمريكا عنها, وإما بمحاربة التمدد الليبرالى لأمريكا بالتمدد الشيوعى لروسيا, فظلت الحرب بينهم قائمة, ليست حرباً عسكرية ولكنها حرب باردة.

 

دعمت أمريكا “مجاهدى أفغانستان” وأعترفت بأنه “جهاد” ضد السوفييت, حتى أنتصر “المجاهدين” على روسيا وإنهار الإتحاد السوفييتى وتم حل “حلف وارسو” وبنى المجاهدين دولتهم الإسلامية “طالبان” فى أفغانستان على أنقاض “الإتحاد الشيوعى” المهزوم, وأعترف العالم كله بحكومة طالبان.

 

فظن الأمريكان لوهلة بأنهم صاروا القوة العظمى بعد سقوط الشيوعية ولكنهم عادوا يجروا أذيال الخيبة والحسرة عندما علموا أن صراعهم القادم بعد سقوط الشيوعية مع (الإسلام), الذى حركت أمريكا بدون وعى (الصحوة الإسلامية) من مرقدها, وهو ما أنكره المستشرق اليهودى (برنارد لويس) حين رأى أن الصراع لم ينتهِ, لأنه مازالت هناك قوة لم يتم الإنتصار عليها ولم تُهزم حضارياُ, وهى الإسلام.

 

ففطن المسلمون لحجم الخطر المحيط بهم من أمريكا, ومن سيطرتها على مقدراتها ومن وجود لقواعدها العسكرية الأمريكية في بلاد المسلمين وهو الأمر المخالف شرعاً لديننا, فأبتدوا بضرب أمريكا من الداخل ومن الخارج, عن طريق عمليات داخل أمريكا نفسها وكذلك خارجها عن طريق ضرب إقتصادها وعملائها فى المنطقة, وهو الأمر الذى أرعب أمريكا ورأت أنها تحارب خصم ليس كروسيا ولكنها تحارب عقيدة.

 

فتغيرت أسلوب الحرب الأمريكية على بلاد الإسلام عامة وعلى المسلمين خاصة, فبعد ما كانت الحرب عسكرية خالصة عن طريق الغزو وإنتصار الدولة الغنية بالسلاح والتكتيك والإستراتيجية العسكرية, رأت أنها لا تصلح مع “المسلمين” لأن حربهم ليس حرب ساحة مفتوحة يظهر كل خصم قوته, ولكنها حرب عصابات يضرب الخصم فى أماكن متفرقة فى الجسد حتى ينهكها فتقع فيسهل صيدها, فهذا يصعب على أمريكا إنشاء مشروع (القرن الأمريكي الجديد) والذي يعنى إخضاع العالم كرهاً على الإنصياع لمصالح أمريكا.

 

فتغيرت الحرب الأمريكية على بلاد الإسلام من (حرب عسكرية) إلى (حرب الأفكار) لتشتيت المسلمين وإبعادهم عن دينهم, بعدما حاربت أمريكا المسلمين فى أفغانستان لإسقاط حكومة طالبان والقضاء عليها, فلم تستطع القضاء عليها, وأعلنت بعد 13 عام من قتالها فى طالبان أنها لم تحقق الأهداف المحددة لدخولها وأنها ستخرج من المنطقة, وكذلك فى العراق إحتلتها عسكريا فهب المسلمون للدفاع عن أرضهم ضد المحتل الأجنبى معلنين “راية الجهاد”, فخرجوا كذلك ولم يحققوا أى جزء بسيط من أهدافهم.

 

فاتجهوا لإستراتيجية جديدة وهى تشكيك المسلمين فى دينهم, عن طريق اللعب فى ثوابت دينهم, كما قال “دونالد رامسفيلد” فى عام 2003 مـ فى تصريح صحفى للواشنطن بوست :”نخوض حرب أفكار مثلما نخوض حربا عسكرية, ونؤمن إيمان قويا بأن أفكارنا لا مثيل لها”.

 

الاستراتيجية تسير بخطوات مدروسة وينفذها عملائها فى بلاد المسلمين بدقة من الحكام إلى الإعلاميين مروراً بعلماء السلاطين, حتى تصل إلى من هو منبهر بالحضارة الأمريكية.

 

فابتدأوا أولاً بفتح البلاد الإسلامية لدخول الغازى الأمريكي كحليف لهم للقضاء على من يهدد اقتصاد أمريكا .. كدخول الأمريكان لدول الخليج عقب هجوم العراق على الكويت (حرب الخليج) وقد بارك علماء السلطان الاستعانة بالكافر على المسلم ، كما أفتى ابن باز بجواز الاستعانة بالكفار لدفع المعتدى ولحماية الدين والدولة من شره.

 

بعد ذلك تغيرت الاستراجية لإدراج أى جماعة مسلمة تحت مسمي الإرهاب وهو ما فعله بوش الإبن فى أفغانستان بعد ما أطلق شرارة الحرب ضد طالبان تحت مسمي (الحرب على الإرهاب) وقد قال بصراحة “من لم يكن معنا فهو ضدنا” فتسارع الحكام والإعلام وعلماء السلطان والمغيبون لمباركة الحرب على أفغانستان.

 

لم يجنوا من هذه الحرب إلا الخسارة  فاتجهوا إلى استراتيجية جديدة وهى (غزو العقول) فابتدأوا تارة بالمساعدة على انتشار المذاهب الباطلة تارة كالعلمانية والليبرالية والإلحادية وتارة بالتشكيك فى ثوابت الدين, فأتت هذه الحرب الفكرية بعض من ثمارها المرجوة, فابتدأوا باستراتيجية جيل جارف من المعلومات المغلوطة حتى يردوا المسلمين عن دينهم, وكما قال د. عبدالعزيز مصطفى كامل :”إن الصراع الدائر الآن ، ليس على احتلال الأراضى ومصادرة المقدرات فقط , بل هو صائر إلى إحتلال العقول والاستيلاء على القلوب.

 

فهذا تمهيد سريع لاستراتيجية جديدة فى احتلال النظام العالمى لدول الشرق الأوسط (العالم التالت) بعد استراتيجية الحرب العسكرية وهى الاستراتيجية الفكرية, المتمثلة فى التغنى بالليبرالية والعلمانية والإنسانية, فيجب علينا التفرغ وبشدة لهذه المصطلحات الشاذة التى لا يريدون منها إلا التشكيك فى (الإسلام), فيجب علينا محاربة هذه الأفكار الضالة بالقلم تارة وبالسيف تارة أخرى.

 

كما فعل الرسول ﷺ  فى حربه ضد أفكار قومه, فكانوا يتخذون الأصنام آلهة من دون الله, وكانت الأصنام منتشرة فى أنحاء متفرقة من الكعبة, فكان يطوف بالكعبة والأصنام موجودة, فقد حرص على الإطاحة بأوثان الشعور, قبل الإطاحة بأوثان الصخور, فكان عمله وقتها هو إزالة أصولها القلبية وجذورها النفسية.

 

فحارب الفكر الشاذ بالفكر السليم (العقيدة الإسلامية) فيجب الوقوف حالياً ضد الهجمة الشرسة على ديار الإسلام خارجياً من الدولة المسيطرة على العالم (أمريكا) وداخليا من عملاء أمريكا فى المنطقة من حكام لإعلام لعلماء يحلون ويحرمون ما يرونه فى صالح النظام العالمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد