بعد توقف دام عدة أشهر، أعود مرة أخرى إلى سلسلة مقالات إعدام الشرق والطريق الثالث. وقد تناولت في مقالتي الأخيرة ما توصل إليه أقوياء العالم، في فرساي ولوزان. وفي مقالتي هذه سوف أعود مرة أخرى لنقف على ما دار على أرض الجزيرة العربية من أحداث بعدما تخلص الثوار العرب من الحكم العثماني. وذلك من خلال ما دار من أحداث  وصراعات.

إعدام الشرق والطريق الثالث

وأبدأ الكلام بقولي: لعلّ العرب على أرض الجزيرة قد تعلموا شيئًا من الحروب التي دخلوها مع الأتراك، وخاصة بعد ذاك الذي ألَمَّ بهم وبجميع المسلمين في فرساي ولوزان، لعلهم فكروا في الوحدة فيما بينهم، لعلهم فكروا في أن يبقى كل ملكٍ أو أميرٍ سيدا على قومه وإقليمه الذي انفرد به مع تحقيق الوحدة تحت أي مسمَّى، لعلهم فكروا في تأسيس جيش موحد قوي لمواجهة الأطماع الغربية التي تم الكشف عنها من الجانب الروسي والتي تخص فلسطين، لعلهم وضعوا خطة (ولو بعيدة المدى) لتصنيع الأسلحة التي لم يكونوا قد رأوها، إلا على يد البريطانيين أثناء ثورتهم، وذلك لنقل أبناء الجزيرة من حروب البداوة إلى الحروب العسكرية المنظمة الحديثة، لعلهم علموا بالسِّر الذي يكمن في القوة.

فلنر ما الذي كان، بقدر ما تسمح به المساحة، وإلا فالقضية متشعبة متعددة الزوايا مزدحمة التفاصيل.

حرب الملوك على أرض الجزيرة العربية.

بعد ذهاب الحكم العثماني عنها، تكونت خمس دول جديدة بخمسة حكام، وهم: الملك حسين في مملكة الحجاز، والسلطان عبد العزيز بن سعود في سلطنة نجد، والإمام يحيى في إمارة اليمن، ومحمد الإدريسي في منطقة عسير، وابن الرشيد في إمارة شمر. وشملت هذه الدول الخمس كل المناطق المأهولة بالسكان وقتئذ، باستثناء الإمارات الصغيرة على ساحل خليج العرب والمحيط الهندي. وعلى إثر تَكوُّن هذه الدول، دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من مراحل الصراع. ولئن كانوا في الغالب قد اتفقوا على ضرورة التخلص من الأتراك، وارتضوا تنصيب الشريف حسين قائدا لثورة الصحراء، فهاهم بعد أن تحققت غايتهم قد اتفقوا على ألّا يتفقوا، وها هي الخلافات التي تشعل نار الصراع قد احتدمت، حيث كان النزاع بين آل الرشيد في إمارة شمر، وبين آل سعود في سلطنة نجد قد اشتد أكثر من ذي قبل. وكان الإمام يحيى في اليمن يرى أن حُكم الإدريسي لمنطقة عسير يُعد تدخلًا وتعديًا على مملكته. ثم لقد كانت الخلافات أيضًا ما بين الشريف حسين حاكم الحجاز، وما بين عبد العزيز آل سعود حاكم نجد حول منطقة حدودية.

وأقول: لو لم يكن على ظهر الأرض وقتئذ إلا هؤلاء الخمسة وأنصارهم، فإن الخلافات التي نشبت بينهم كانت كفيلة بأن يتحرك كل واحد منهم للقضاء على خصمه، ولكن حينما تجري الأحداث تحت سمع وبصر مراكز القوى العالمية فحتمًا سيتم ترتيب الأوراق واستخدامها بحيث تتحقق المصالح.

وإن الأحداث أثبتت وجود رجلين قد مثَّلا المحور الأهم، سواء كان ذلك على أرض الجزيرة أو خارجها، هذان الرجلان هما: الشريف حسين، ملك الحجاز، والمُلقّب بملك العرب، والسلطان عبد العزيز بن سعود حاكم نجد.

ولقد انقسمت بريطانيا من حيث الدعم والرغبة في نصرة حاكم دون الآخر، ( وربما كان ذلك مقصودًا، حتى يظفر أحدهما بخصمه، أو بخصومه)، فالسلطة البريطانية في الهند لم تكن تؤيد الشريف حسين، وكانت تتمنى انهياره السريع، وقد برروا موقفهم هذا بالخلاف الديني بين الشريف حسين وبين المسلمين من الهنود. وأما السلطة البريطانية في مصر فكانت تؤيد الشريف حسين وتتجاهل جميع الملوك، أو المرشحين، الآخرين.

إذًا علينا أن نتصور اللاعبين الخمسة وهم في الميدان وقتئذ، وكيف سيلعبون اللعبة، سواء العسكرية أو السياسية. مع الإشارة إلى أن عبد العزيز بن سعود كان معه جيش يتفوق على ما كان مع الشريف حسين.

في مايو (أيار) عام 1919 وقع أول صدام على مقربة من حد الحجاز الشرقي؛ إذِ انقض ابن سعود على كتيبة يقودها عبد الله بن الحسين، وكاد يقضي عليها، وذلك ما كان سيُعد نصرًا كبيرًا ينتج عنه السيطرة على الحجاز، كان من الممكن حدوث ذلك، لولا أن تدخلت الحكومة البريطانية لمساعدة حسين والتنبيه على ابن سعود بالتوقف، فاستجاب ابن سعود اعتبارًا لما يتلقاه من دعم بريطاني شأنه في ذلك شأن الشريف حسين.

تلك الواقعة كان لها أكبر الأثر في نفس ملك الحجاز الشريف حسين، وذلك ما دعاه إلى التحالف مع ابن الرشيد صاحب إمارة شمر، وهو العدو اللدود لابن سعود، كما حاول حسين التحالف مع بعض زعماء القبائل على أطراف نجد.

وكذلك محاولة إقامة صلات ودية مع الإمام يحيى صاحب اليمن، وكان الإمام يحيى لازال على نزاع مع الإدريسي صاحب عسير.

تسارعت وتيرة الصراع، ففي يناير (كانون الثاني) 1921، قامت بريطانيا بإخلاء ميناء الحديدة على البحر الأحمر، ولقد سمحوا للإدريسي أن يدخله وأن يضمه إلى مقاطعته.

ويستمر تسارع الأحدث حيث في خريف ذلك العام 1921، تغيرت موازين القوة على أرض الجزيرة حينما أنهى ابن سعود عداءه القديم مع آل الرشيد بمنطقة شمر، ليصير سيدًا عليها، فصارت حدود نجد تتاخم حدود العراق، وبذلك تنقطع آمال علقها الشريف حسين على أسرة اتخذها حليفًا سياسيًا ضد ابن سعود الذي ذاعت عبقريته في القيادة الحربية بعد ذلك، لما كان يحققه على أرض الواقع.

أثناء هذه الأحداث، وفي الوقت الذي توحش فيه دور ابن سعود تعرض الشريف حسين إلى الخذلان من الجانب البريطاني الذي دعمه وأيده، وأسهب في إعطائه الوعود الشفهية، حتى قرر الثورة ضد الأتراك، فلقد اكتشف أن وعودهم له ما كانت إلا سرابًا، ولقد اكتشف أن ثقته وُضِعت حيث لا ينبغي أن تُوضَع، على إثر ذلك أصيب حسين بالحزن الشديد، وخاصة فيما يتعلق بالمعاهدات الخاصة بفلسطين وأوضاع المسلمين واليهود فيها، والتي وقعت تحت الانتداب البريطاني بمباركة الدول الكبرى وعصبة الأمم.

في الرابع من يونيو (حزيران) 1924، انعقد مؤتمر عام في الرياض برئاسة الإمام عبد الرحمن والد عبد العزيز بن عبدالرحمن بن سعود، وكان قد حضر إلى هذا المؤتمر العلماء ورؤساء القبائل والسلطان عبد العزيز، ولقد ناقش المؤتمرون مسألة عدم تمكُّن أهل نجد من تأدية فريضة الحج، ثم اتفقوا جميعًا على ضرورة غزو الحجاز لتخليص البيت الحرام.

ومن ثم بدأ جيش ابن سعود الزحف إلى مدن الحجاز التي أخذت تتساقط الواحدة تلو الأخرى، وقد طلب الشريف حسين الدعم من بريطانيا، ولكنها لم تتدخل.

في أكتوبر (تشرين الأول) 924، اجتمع أعيان مكة وجدة ومن فرَّ من أعيان الطائف، في مدينة جدة، وقرروا أن يتنازل الشريف حسين لابنه علِي، وأن يصبح عليٌّ ملكا على الحجاز فقط. فانتقل حسين إلى العقبة، بعدما تنازل مضطرًا عن المُلْك لولده.

إلا أن علي بن الحسين بعد أنْ تولى زمام الأمور خلفًا لوالده، وجد الأوضاع العسكرية في مكة ميئوسًا منها، فتراجع إلى جدة لتنظيم دفاعاته. خلال تلك الأحداث كانت قوات ابن سعود تقترب من مكة، وبالفعل دخلتها في أكتوبر عام 1924. وبناء على هذه النتائج، فإن نفوذ الهاشميين، والذين كان يمثلهم الشريف حسين، أصبح قاصرًا على جيب صغير ضم جدة وبعض الأراضي المحيطة بها، بالإضافة إلى المدينة المنورة.

أُجْرِيَت مفاوضات بين الطرفين لحقن الدماء ورغبة في تسوية الأمور بطريقة سلمية، إلا أنها باءت جميعها بالفشل.

قرر عبد العزيز بن سعود أن يدخل معركة حاسمة مع الهاشميين للقضاء على نفوذهم فيما تبقى على الأرض، وبالفعل فقد سيطر على المدينة في نهاية 1925، وعلى إثر ذلك استسلمت جدة. وبذلك استطاع عبد العزيز بن سعود توحيد نجد والحجاز، وفي عام 1932 أُطلِق رسميًا على المنطقة التي يحكمها عبد العزيز آل سعود، اسم (المملكة العربية السعودية). وبذلك تدخل أرض الجزيرة في مرحلة جديدة تمامًا. هذه المرحلة تستحق أن تكون هناك عودة قريبة للحديث عنها وعن المملكة العربية الجديدة، المملكة العربية السعودية.

وأختم بما جاء في كتاب (صناع الملوك)، عن الشريف حسين وعن عبد العزيز بن سعود.

وهو أن الأحداث قد برهنت على أن الشريف حسين لم يكن بأي معيار صنوًا لمنافسه العربي الرئيس عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود، الذي تمكن من توحيد المملكة التي حملت اسمه، والذي أطاح بحكم حسين في الحجاز موطنه وموطن أجداده.

وأقول، وقولي منبثق عن الأحداث التي عاشتها الجزيرة العربية، والتي تعيشها بعض الدول العربية الآن: قد تنجح في القيام بثورة، ولكن لا يُشترط أن تنجح في قيادتها والحفاظ عليها. فالسياسي قد يَهزم الثائر، والقائد العسكري العبقري، بخطة قد يهزم جيشا من المقاتلين المغامرين الذين يخوضون المعارك بلا خطة عسكرية أو سياسية.

إعدام الشرق والطريق الثالث، أُكمِل ما تبقى في كتابات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الطريق إلى بيت المقدس، للدكتور جمال عبد الهادي
يقظة العرب، لجورج أنطونيوس
صناع الملوك، لكارل إي. ماير
ملوك شبه الجزيرة العربية، للضابط السابق بالجيش البريطاني هارولد ف. يعقوب
عرض التعليقات
تحميل المزيد