مع بداية الأزمة العالمية الصحية والمتمثلة في انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، والتي مست كل دول العالم اتضح أن هذا الفيروس لم يعط فرصة للأنظمة الصحية العالمية أن ترتب أوراقها وأنظمتها لمواجهة هذا الفيروس الذي يتميز بسرعة انتشاره وعدم وجود أي علاج أو لقاح له في الوقت الراهن.

من جانب وأمام هذا العجز لم تقدر دول العالم أن تواجه التحديات والطلب المتزايد على المستلزمات الطبية والغرف الخاصة بالإنعاش والأدوات الخاصة بالوقاية، وعلى رأسها الكمامات الطبية التي تعتبر الخط الدفاع الذاتي الأول لمنع انتشار الوباء لدى العامة، أو الجهاز الطبي؛ لأنها تمنع انتشار العدوى بين الناس وتحمي الأطقم الطبية من تلقي الفيروس خلال معالجة المرضى، ومن جهة أخرى تتميز هذه الكمامات بأنها لا تعيش طويلًا، أي مدة صلاحياتها لا تتعدي اليومين حسب بعض النوعيات، وبالتالي أصبح الطلب عليها أساسيًا وضروريًا لمواجهة – والتقليل من – انتشار العدوى بين الناس، وتقليل عدد الوفيات.

المشكلة الأن أصبحت أن كل دول العالم تواجه نقصًا، حتى المتقدمة منها؛ لأنها لم تتوقع هذا التطور السريع في عدد الضحايا؛ مما جعلها تحاول أن تلبي حاجياتها عبر الإنتاج، لكن ما تصنعه غير كاف لتغطية حاجياتها، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت سباق الإصابات وتصدرت قائمة الدول التي تعاني، إلى جانب إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا وفي المقابل نجد الصين هي الوحيدة التي تتمتع بقدرة إنتاجية كبيرة، وهذا لسببين هما:

الأول أن الصين كانت الأولى من حيث انتشار الفيروس؛ وبالتالي لها الأسبقية والخبرة في مواجهة هذا الفيروس عبر إنتاج الكمامات.

ثانيًا وهي أن الصين تتميز بقدرة إنتاجية عالية من خلال تجربتها الصناعية التي تتميز بالكثافة والسرعة، وفعالية اليد العاملة.

من خلال العاملين السابقين نجد أن الصين أصبحت الأولى في إنتاج الكمامات الطبية والتي تستطيع الاستجابة للطلب العالمي الآني والمتزايد، وبالتالي تصدر المشهد العالمي صناعيًا، وسياسيًا، وإعلاميًا.

من جهة أخرى بدأت دول العالم في التعاون ولو بشكل نسبي، خاصة مع الحالة الإيطالية التي عرفت تزايد في عدد الإصابات والوفيات، حيث بدأت بعض الدول ترسل كميات متوسطة من المساعدات الطبية، وعلى رأسها الكمامات الطبية، وهنا بدأ الصراع مع تسارع انتشار الوباء، خاصة في أوروبا ودخول دول الاتحاد الأوروبي في سباق نحو الانغلاق على نفسها، بدلًا عن التعاون؛ مما أحدث هزة في العلاقات في ما بينها، وهنا بدأت الأمور تنحرف عن مسارها من التعاون إلى القرصنة أي قرصنة هذه الكمامات الطبية.

فنجد مثلًا ما قامت به فرنسا عندما صادرت الشحنة التي كانت قادمت من السويد نحو إسبانيا وإيطاليا، وتمت مصادرتها، وهذه الشحنة استوردتها أحد الشركات السويدية من الصين لتغطية العجز في إيطاليا، وكانت قد أفرجت السلطات الفرنسية نصف الشحنة، لكن هذا التصرف اعتبر غير مقبول لا أخلاقيًا ولا دبلوماسيًا.

من جهة أخرى قامت فرنسا باتهام الولايات المتحدة الأمريكية بأنها قامت بالسطو على طلبيتها من الأقنعة الطبية التي كانت متوجهة من الصين إلى فرنسا، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية دفعت أضعاف السعر ثلاث مرات حسب المصادر الفرنسية للجهة المصنعة في الصين؛ مما جعل الشحنة تغير مسارها نحو الولايات المتحدة الأمريكية، ونفس الموقف حدث مع ألمانيا التي اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها استولت على طلبيتها من تايلاند، بالرغم من نفي الولايات المتحدة الأمريكية ذلك.

وبالتالي نجد أن هذه القرصنة التي تقوم على مبدأ أساسي ألا وهو من يدفع أكثر ومن يملك المال نقدًا يستطيع أن يحسم الصفقة مع الطرف الصيني وجانب آخر، وهو من يملك القوة؛ خاصة سلاح الجو الذي يمكن من مواجهة أي اعتداء، كما فعلت الجزائر عبر إرسال طائرتين عسكريتين لجلب الشحنة من الصين أو الاعتماد على الأسطول الجوي المدني وعلاقات دبلوماسية قوية لحسم صفقات الشراء، وإلا فإن الدول الضعيفة تعتمد على ما تنتجه محليًا، وهذا غير كاف مع انتشار الفيروس حاليًا.

ما يمكن التوصل إليه هو ان الأزمة التي يمر بها العالم الأن أثبتت أن المعطيات التي بني عليها النظام الدولي الحالي لم تعد قائمة مثل العدالة الدولية والتكامل والاندماج، وهذا ما سيجعل المبادئ الحالية تتغير إلى أطر جديدة تقوم على القوة، والتصارع، والمصلحة، وتراجع استخدام القانون الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد