من المعروف أنّ التحكم في قواعد الصراع الخفي لم يعد حكرًا على الاحتلال في الآونة الأخيرة، لكنّ الأهم هو معرفة أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية تعمل ليلَ نهار في سبيل استهداف أساسيّات العمل الأمني والعسكري والسياسي، واستهداف العقل الفلسطيني من خلال إسقاطهِ أمنيًا. باعتبار التجنيد جزء من الصراع، ذلك يُوقع على عاتق المقاومة الجهوزية الدائمة لمكافحة هذه الظاهرة في صراعٍ يتركزُ فيه الدور الأكبر على العنصر البشري مهما بلغت القدرات التقنية من التطور، وربّما يشكل ذلك العامل المساعد الأول للمقاومة التي أصبحت قادرة على إدارة الصراع بشكل أكثر تطورًا من السابق إذا ما قورن الأمر بالتفوق التقني للاحتلال.

إنّ عمليّة خلق جيل مثقّف أمنيًا، قادر على حمل الأمانة السياسية والأمنية والمجتمعية تستلزم تضافر جهود كافة فئات ومؤسسات ومنابر المجتمع، عدا ضرورة وجود جملة من الإجراءات السياسية والأسس القانونية، والمنابر الإعلامية القادرة على تفنيد الدعاية الاسرائيلية التي تحجّم ظاهرة التخابر بالشكل الذي تريد وفي الوقت الذي تريد وفقًا لما يحقّق أهدافها، وذلك كي نُشكِّل مناعة وحصانة من أي اختراق محتمل تحت أي ذريعة أو قبعة ترتديها أجهزة المخابرات الصهيونية.

الأمر الأكثر أهميّة هو معرفة الخطوة الأولى التي ينتهجها الاحتلال في رحلته لتجنيد شخص ما كعميل لمخابراته، وهي دراسة الشخص المطلوب في صفاته وآرائه وردود أفعاله وطموحاته وهمومه؛ الأمر الذي يجعل صفحات المستهدفين على مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة هدايا مجانيّة للضابط المكّلف بالمهمّة!

الشاباك ينفي تعرُّض الأشخاص خلال تجنيدهم كعملاء لديه لأي نوع من الضغط أو التهديد، مؤكدًا أنّ الشخص لا يمكن أن يكون متخابرًا، إلا إذا كانَ مخلصًا، رغم أنّ اعترافات المتورطين كلها تؤكد أن سقوطهم في هذا الوحل جاء بعد تعرضهم للتهديد والابتزاز، النفي هو بمثابة اعتراف بانحطاط معاييره الأخلاقية تحت مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، أي أنّه لا يستثني أي وسيلة في سبيل تجنيد الأشخاص كعملاء بِزعم حفظ أمن دولته.

تحت قاعدة إسقاط كل من يمكن إسقاطه، يظهر أنه في عمليات الإسقاط الأمني لا يوجد قيود وحدود، الأمر الذي يُخرج العملية عن كونها تهدف لجمع معلومات تمكن الاحتلال من توجيه ضربات خاطفة قاسية وبث الفرقة والفتن والفساد الأخلاقي في صفوف المواطنين، إلى كونها تهدف أيضًا لتحييد أكبر عدد ممكن من الأشخاص وضمان عدم مشاركتهم في أعمال المقاومة؛ إذ إنّ التجنيد في حد ذاته يعدُّ إنجازًا في العقيدة الإسرائيلية، ولتحقيق هذا الإنجاز يستغل الاحتلال الموروثات والمفاهيم السائدة التي يفترض أنها تستدعي التنازل من قبل الفلسطيني، عدا تحكّمه في شتّى مناحي الحياة للفلسطينيين بعد احتلال الضفّة والقطاع في العام 1967.

المقاومة الفلسطينية بلغت من القوة والتجذّر والاتّساع إلى الحد الذي لم تعد معه قدرة إسرائيل على تجنيد العملاء عاملًا حاسمًا في محاصرتها وإحباط مخططاتها هذا ما قاله رئيس جهاز الشاباك سابقًا، كارمي غيلون، والحقيقة أنّ ظاهرة التخابر تتراجع بصورة متزايدة وبعد جملة من الحملات الأمنيّة التوعويّة؛ التي أسهمت في دحض الرؤية الإسرائيلية المعتقدة بأنّ قدرة الاحتلال على تجنيد فلسطيني كعميل لمخابراته يسهم في زعزعة ثقة الفلسطينيين بقضّيتهم وثقتهم بها. الحقيقة إنّ قول غيلون يؤكد خسارة هذا الرهان.

وكان آخر هذه الحملات سلسلة المقاطع التي ينشُرها موقع المجد الأمني تحت اسم خفافيش الظلام، وتتضمن هذه المقاطع مجموعة اعترافات لعملاء، وذلك بعد كشف تورطهم في التخابر مع الاحتلال برسالةٍ مُفادها: كان بالإمكان إنقاذنا من قبل الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية بأي شكل من الأشكال.

نشر هذه الاعترافات، وتوضيح النتائج المترتبة على الأشخاص نفسيًا ومجتمعيًا يعد رادعًا ومرهبًا للأشخاص الذين تسول لهم أنفسهم بالتخابر مع الاحتلال، سواء كان ذلك بدافع الثأر والانتقام، أو بدوافع مادية، وحتى الأشخاص الذين يكونون مدفوعين بالخوف ممن يسعى الاحتلال لإسقاطهم من خلال تعريضهم للضغط والابتزاز واستخدام الأساليب الخبيثة، والتي من ضمنها إقناع الشخص المستهدف بأن غالبية أبناء مجتمعه من المتخابرين.

 كما تكمن أهمية هذه الإعترافات بكشف الحقائق أمام المتورطين الذين يتم خداعهم بالأساليب ذاتها، وذلك بإظهار أن كارثية المزيد من الاستمرار تفوق النتائج المترتبة على تسليمهم أنفسهم، بالإضافة إلى معرفتهم للمعاملة الإنسانية التّي يتلقّاها نظرائهم ممن امتلكوا الجرأة والشجاعة لتسليم أنفسهم لجهاز الأمن الداخلي الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات