منذ انطلاق قصة الإنسان على المعمورة وبداية أول معركة حقدٍ بين إبليس ضد آدم، عليه السلام، ثم قابيل ضد أخيه هابيل، ثم من بعدها حروب الحق والباطل، وقانون البشرية السائد أن القوة عاملٌ رئيسي أولي في الهيمنة والسيطرة يستعملها الإنسان ويقودها ضميره أو إيمانه بالله، فإما أن تساهم في البناء وإما أن تحرض على التدمير. كان لحركة العقل البشري والثورة الصناعية بعد عصور الظلام الأوروبي الدور الكبير في سباق التسلح نحو قيادة العالم. ثم بعد الحرب العالمية الثانية واكتشاف القنبلة الذرية والهيدروجينية، فهمت الدول العظمى أن الهيمنة على العالم قد تكون بوسائل أقل تكلفة، ما يستلزم تدميرًا أقل للبنية التحتية. بعد اتفاقية Bretton Woods في سنة 1944، وبروز الدولار الأمريكي، ظهرت الحروب الاقتصادية المتسلحة بسلاح القروض المالية والمساعدات، والهيمنة على المال العالمي والبنوك، وإجبار الدول التابعة على تكبيل سيادتها واستقلالها بالقروض المالية، حتى تَثبت وصاية القوي من الدول المتقدمة على الضعيف من الدول النامية. وكلما زاد العقل البشري فضولًا زادت السُّبل والوسائل التي يعذب بها الإنسان أخاه الإنسان. فمن الحروب العسكرية المادية، إلى الحروب الاقتصادية المالية، فالحروب البيولوجية العلمية، وفي كلها شرٌ، نار وقوده الطمع والجشع، وحب الريادة.

لقد برز في كل مراحل وسائل الحروب المذكورة دور المسلم كمتفرجٍ مفعولٍ به. فيظهر فشل الإنسان المسلم في لعبِ الدَّور الذي لأجله خلق، وهو أن يقود البشرية إلى تحقيق قول الخالق سبحانه: رحمة للعالمين. فلم يدرك المسلم أنه وُجد ليقود البشرية لأمنها وأمانها واستقرارها، ليكون القائد في حربها على فيروس كورونا لا أن ينتظر خطابات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ومستجدات أبحاث مختبراتهم العلمية، والجديد حول اكتشافاتهم التي نأمل أن تنقذ البشرية.

تعددت النظريات حول فيروس كورونا، فمن نظرية بريئة أُولى حول أن الفيروس وُجد صدفة في سوق ووهان الصيني، حيث يأكل الإنسان كل ما دب على الأرض، وأنه انتقل من خفاش إلى بشري استطعم ذوقه، إلى نظرية أمريكية أنه فيروس أوجدته المختبرات الصينية لضرب الاقتصاد العالمي وإجباره على الرضوخ للاقتصاد الصيني، فنظرية صينية تنفي ما قال الأمريكان وتثبت التهمة عليهم في أنه سلاح أمريكي بيولوجي لضرب القوة الصينية الاقتصادية الصاعدة والمهددة للاقتصاد الأمريكي. ومن النظريات أيضًا أنه عقاب رباني جاء من السماء ليوقف جبروت الإنسان وظلمه للجماد والحيوان ولأخيه الإنسان.

في الوقت الذي اشتدت فيه معركة الإنسان مع عدوه الخفي الصامت فيروس كورونا، الصغير حجمًا، الكبير أثرًا وضراوة وشدة. وتحت حيرة البشرية في تعدد النظريات وأيها أصح، يبقى حال المسلم ودوره بين القوى المتصارعة واحدًا، فهو متفرج منتظر لما ستؤول إليه الحرب التي يقودها الأقوياء، ومثله دائمًا كمثل جنديٍ على رقعة شطرنجٍ تقوده القوى العظمى وقتما وكيفها وحيثما تشاء.

نظرية الفيروس الذي وُجد صدفة في ووهان وموقع المسلم منها

في ديسمبر (كانون الأول) 2019 شارك طبيب صيني زملاءه على مواقع التواصل الاجتماعي احتمالية ظهور فيروس معدٍ قد أصاب مريضًا كان قد عاينه، لم تتعامل السلطات الصينية بجدية مع الأمر؛ فاستدعت الطبيب وحذرته من نشر هكذا إشاعات. بعد فترة وجيزة من الزمن ثبت ظن الطبيب وصدقت تحاليله. ليبدأ شبح فيروس كورونا في الانتشار بشكل أبهر العالم، وجعل من ووهان بؤرته الأولى. كانت سرعة العدوى هي الميزة التي تباين بها هذا الفيروس عن غيره من الفيروسات التي تعاملت معها البشرية من قبل. ففي غضون أشهر معدودة تمكن الفيروس من اختراق قارات العالم دون أي اعتبار لأجناسها وألوانها ولغاتها، ولا ميَّز بين فقيرها وغنيها، وكبيرها وصغيرها، وذكرها وأنثاها، بل راح يحصد الأرواح ويسقط الضحايا بشكل جعل البشرية جمعاء تتوحد في خندق واحد لمجابهته.

في تلك المرحلة الحرجة من عمر البشرية، ركنت المؤسسات والشخصيات الفنية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية جانبًا، وجاء دور العلم والعلماء والمختبرات. أدركت البشرية خطيئتها عندما أعطت ملايين الدولارات للاعب كرة وأهملت المختبرات البحثية وسكانها. لكن الضمير المهني أوجب على علماء البحث في مجال الفيروسات والأطباء وكل عمال المستشفيات أن يكونوا في الجبهة الأولى من الحرب على كورونا. فخرجت القوى العالمية تتنافس في سباقها نحو من ينال شرف القضاء على الفيروس أولًا. وراحت الشعوب المسلمة تتفرج كعادتها منتظرة من الغرب إثبات وجوده كسيدٍ على البشرية بإنقاذه للجنس البشري من الانقراض.

وفي ذهنية من يعتقد أن المسلم خُلق ليَقود لا ليُقاد، يزعجه التساؤل الحازم الجاد الذي مفاده: وأين موقع المسلم من حرب البشرية على فيروس كورونا؟ هنا يجدر التنبيه إلى ضرورة التفريق بين العقل المسلم وقدراته البحثية، وما يمكن أن يتوصل إليه من نتائج مبهرة، وبين الأنظمة التي ساهمت في إبعاد أبنائها إلى ما وراء البحار، حيث احتضنهم العالم المتقدم واستعملهم في إثبات هيمنته وسيطرته ووصايته على بلدانهم. لقد فرضت أنظمتنا علينا حالة المتفرج هاته عندما لم توفر في عقود مضت من اللوازم والمتطلبات المادية والمعنوية ما يُبقي على علمائنا عمالًا خدمًا لأوطانهم. فحاربتهم وطردتهم وأبعدتهم، وانتهجت معهم سياسات متعمدة تهدف إلى إبادة كل الآمال والطموحات في العيش في الوطن وخدمته.

ففي الجزائر مثلًا، أعلن العالم الجزائري لوط بوناطيرو رئيس منظمة المبدعين والباحثين العلميين عن مشروع دواء اكتشفته نخبة من الباحثين الجزائريين والعراقيين، والذي يؤكد بوناطيرو نجاعته وقدرته على قتل الفيروس. في المقابل تماطلت السلطات الجزائرية، ولم تتعامل مع المشروع بثقة ومسؤولية. كان الواجب على المسؤولين الجزائريين التواصل مع الباحثين الذي عرضوا إمكانية اكتشاف الدواء ودعمهم معنويًّا وماديًّا، ويا ليت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أمر بدعم مادي يوفر المستلزمات والمعدات البحثية اللازمة لاستكمال الأبحاث؛ حتى يُشعرنا الرئيس بأن لنا دولة تثق في أبنائها، فإن نجحوا كان للجزائر السبق في إنقاذ البشرية، وإن فشلوا كان لتبون ومسؤوليه السبق والتميز في دعم العلم والعلماء والمختبر والأبحاث في الجزائر. ما زال بوناطيرو يعمل على إقناع السلطات وما زلنا نأمل أن يجد آذانًا صاغية. أما الانهزاميون المثبطون المشككون ممن ضحك على بوناطيرو والفريق البحثي تحت إدارته، فمكانهم طوابير انتظار اللقاح الذي سيكتشفه الغرب، وقد تكون العقول المكتشفة عقول إخوانهم من بني جلدتهم.

نظرية حرب الكبار البيولوجية وموقع المسلم منها

لقد عمل العقل البشري على تطوير الأنظمة الحربية بغرض تقليص الكلفة المادية والبشرية إلى أدنى مستوياتها. فمن حرب الدبابات، إلى الحرب النووية، إلى الحرب الاقتصادية، إلى الحرب الإعلامية، فالحرب البيولوجية. كل هذا في سبيل أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان ويثبت هيمنته على مقدراته المعنوية والمادية. لا شك أن الواقع والماضي القريب والمستقبل على لسان مراكز الاستشراف العالمية، يثبتون أن حلبة الصراع حول ريادة العالم في هذا القرن لا تتسع لغير أمريكا والصين. فقد ذكر المفكر الأمريكي صموئيل هانتغتون قبل عقود من الزمن الصراع الأمريكي الصيني المحتمل فقال: «إذا استمر النمو الاقتصادي الصيني، فإن ذلك سيكون القضية الأمنية الوحيدة والأشد خطرًا، التي يواجهها صانعو السياسة الأمريكية في أوائل القرن الحادي والعشرين».

استمر النمو الاقتصادي الصيني، وبلغت الصين مستويات عالية جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تحسب لها ألف حساب، وتخاف على مكانتها العالمية المهيمنة. ومن الغباء السياسي أن ننتظر حربًا عسكرية بين دولتين نوويتين تمتلكان أذرعًا أخطبوطية تحتضن المعمورة. بل الحرب الذكية البيولوجية هي الاحتمال الوحيد الذي قد تلجأ إليه القوى العظمى. اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان الولايات المتحدة الأمريكية بافتعال الفيروس وأنه حرب بيولوجية ضد الصين، ليجيبه الرئيس الأمريكي بوصف الفيروس بأنه فيروس صيني. فتزايدت احتمالات الصراع على أنه صراع بيولوجي القاتل والمقتول فيه الإنسان.

بحثنا عن المسلم وموقعه من حرب الكبار، فوجدناه خلف تلفزته قسمان، قسم يشجع الصين وينتظر انتصارها، وقسم يشجع أمريكا ويأمل فوزها. وفي يد كليهما فشار كُتب على علبته صنع في الصين، أو صنع في أمريكا.

نظرية العقاب الرباني وموقع المسلم منها

إن عقيدة المسلم وإيمانه بكلام الله تعالى تثبت أن الله سبحانه قد عاقب أُمما كثيرة من قبلنا بأشد العقوبات، عندما حادت عن الجادة وحاربت الفطرة الإنسانية. فالعودة والإنابة والتوبة والتضرع لله سبحانه في هكذا ظروف مطلب عقائدي وواجب ديني. خاصة وأننا نشهد انتكاسة رهيبة وبعدًا شديدًا عن الله وتعاليمه المنصوصة في الكتاب والسنة، قال سبحانه: «فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» صدق الله العظيم. فلا بد للمسلم من مراجعة علاقته بالله وبنفسه ومحيطه الأسري، والتعامل مع الحجر الصحي الذي فرضه الفيروس على أنه محطة زمنية لمراجعة الماضي والتخطيط للمستقبل.

لقد تنبأ الخبراء والمحللون السياسيون ببروز نظام عالمي جديد يقوم على أنقاض الإمبريالية الأمريكية بعد أزمة كورونا، كما رشحوا الصين خليفة له. خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يشهد أكبر زلزال ثقة سببته أزمة الفيروس، وأن روسيا ما زالت تفقد من القدرات الاقتصادية ما يؤهلها لقيادة العالم. ومن القوى الصاعدة في الدول المسلمة نجد تركيا بقيادة رجب طيب أردغان، وهو يسعى لاستعادة أمجاد أجداده الأتراك، والجزائر بقيادة مؤسسة عسكرية قوية طموحة لها من التجربة ما يؤهلها لبناء دولة إقليمية قوية. فبعد ثبات المؤسسة العسكرية فترة الحراك الجزائري وانتخاب الرئيس تبون بدأت الجزائر تستعيد هيبتها الدبلوماسية وتنفك تدريجيًّا عن الوصاية الفرنسية. ما يؤهلها لأن تلعب دورًا بارزًا في قيادة العالم العربي والإسلامي في مرحلة ما بعد كورونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حرب, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد