بين الحين والآخر يخرج إلينا أحد الساسة الإسرائيليين إما مُهَدِدًا أو مُحذِرًا من حرب قد تشنها إسرائيل على غزة، وسرعان ما نجد لهذا التصريح تفاعلاً من قِبَل بعض الإعلاميين دون أن يُكلفوا أنفسهم عناء البحث عن شخصية القائِل للتعرف على موقعه من صناعة القرار أو حتى تفاصيل الخبر ودقة ترجمته، وتتكرر هذه الحالية أيضًا حينما يتم الإعلان عن تدريبات أو نشر للقوات على الحدود والتي تأتي غالبًا في إطارها الطبيعي من استعدادات أو إعادة  نشر للقوات لتنفيذ مهام اعتيادية.

ولو افترضنا جدلاً بأن حكومة نتنياهو الآيلة للسقوط والتي تسودها الخلافات والانقسامات من كل حدب وصوب ستتمكن من اتخاذ قرار الحرب فما أهدافها؟ أو بالأحرى ما هي الأهداف القابلة للتحقيق لاسيما وأنها شنت ثلاثة حروب متتالية على غزة  دون أن يُحقق جيشها الأسطورة وترسانتها العسكرية أي إنجاز يُذكر عدا الدمار والقتل، الأمر الذي يؤكده عاموس يدلين رئيس مركز أبحاث الأمن القومي حينما قال بأن إسرائيل فشلت في تحقيق أبسط أهدافها وفي المقابل نجحت المقاومة في الصمود أمام أكبر جيش في الشرق الأوسط لأكثر من خمسين يومًا، بل إنها تمكنت من تنفيذ عمليات نوعية وواصلت إطلاق الصواريخ حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما دفع برئيس هيئة الأركان جادي آيزنكوت للقول بأن نظرية الحسم قد ولت بلا رجعة ولم يعد لها مكان أمام التنظيمات وإمكانياتها التي تتطور يومًا بعد يوم، بل إنه أشار إلى أن إسرائيل تسعى لزيادة الفرص التي تعزز استمرار الهدوء في غزة وفي المقابل ستعمل على تدمير الأنفاق الهجومية لكن دون الوصول إلى مرحلة التصعيد.

أضف إلى ذلك فإن عجز إسرائيل وأجهزتها الأمنية عن وضع حد للعمليات الفردية  باعتراف وزير الحرب موشيه يعالون وقادة الأجهزة الأمنية يُكبل يدها لاسيما وأنها تسعي لتهدئة الأوضاع لا تأجيجها؛ لأنها  تدرك  بأن الإقدام على مثل هذه الخطوة سيُمثل تربة خصبة لاستمرار العمليات وزيادتها والأخطر من ذلك هو انتقالها إلى المدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر وإمكانية تكرار عملية نشأت ملحم التي شلت مدينة تل أبيب  بأكملها.

كما أن العملية العسكرية بحاجة لغطاء سياسي وشرعية دولية لتجنب الانتقادات والملاحقات القانونية كما حدث خلال حرب الفرقان وهو ما لا يتوفر لها في هذه المرحلة، لاسيما وأنها تتعرض لحملة واسعة من الانتقادات الدولية بسبب سياستها القمعية والاستيطانية في مدن الضفة والتي كان أبرز تجلياتها تصريح الأمين العام لمجلس الأمن بان كي مون ووزيرة الخارجية السويدية، والأهم من ذلك سوء العلاقة بين حكومة نتنياهو والإدارة الأمريكية.

عدا ذلك فإن الإقدام على مثل هذه الخطوة يتعارض مع رؤيتها الاقتصادية ولا يتناسب مع الميزانية العامة التي صادقت عليها بصعوبة، لاسيما وأنها ستضطر لتقليص ميزانيات الوزارات الأخرى لمصلحة وزارة الدفاع لتغطية نفقات الحرب وهو ما سيُشكل عبئًا على المواطنين ويعزز الهجرة العكسية كما حدث بعد الحرب الأخيرة التي كبدت الاقتصاد الإسرائيلي ما يقارب من 20 مليار دولار.

إلا أن ما ذكرناه آنفـًا لا يعني عدم إمكانية انجرار المنطقة لحرب واسعة في إطار الفعل وردة الفعل أو في حال إطلاق عدد كبير من الصواريخ تجاه المدن الإسرائيلية، أو تنفيذ عملية تؤدي لوقوع قتلى أو أسرى إسرائيليين، لذلك يجب على المقاومة أن تكون على أهبة الاستعداد للرد على أي عدوان محتمل بالطريقة التي تتناسب معه لتُذكرهم بقتلاهم ومعاقيهم وصرخات جنودهم على أعتاب غزة.

كما يجب أن نشير إلى أن مفهوم الحرب لا يقتصر على العمليات القتالية فحسب؛ إذ إن إسرائيل وعلى مدار سنوات طويلة تشن حروبًا لا تقل فتكـًا وإيلامًا كالحرب النفسية والإعلامية والاقتصادية والقانونية، وهو ما يفرض علينا أن نعمل بحكمة وعقلانية وبرؤية ثاقبة وشاملة لمواجهتها وإفشالها قدر الإمكان؛ دون الدخول في متاهات أو الانسياق بدون قصد للدعاية الإسرائيلية التي تسعى لنشر البلبلة والخوف لترميم قوة ردعها المتآكلة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد