الحرب هي صراع بين طرفي النزاع، لكل طرف منها مصالح وشروط يريد أن يفرضها على الطرف الآخر. يمكن أن تكون خفية أو معلنة، وللحروب أنواعها كالحروب الاقتصادية والسياسية والدينية، وأشهرها الحروب العسكرية التي سنحاول في هذه المقالة أن نسلط الضوء على أثر من آثارها.

والحرب والصراعات هي ظاهرة بشرية قديمة قدم الحياة، وموجودة منذ الأزل، كما أن الحروب كانت في أولها محدودة وبسيطة في دوافعها وأدواتها وآثارها المادية والمعنوية، لكنها أخذت طابعًا متصاعدًا في شدة عنفها والمشاركين فيها، ففي القدم كانت الحروب في الغالب بين قبيلتين على مصدر ماء أو مكان صيد، ولكنها تطورت الآن لتكون حروبًا بين كبرى الدول أو بالوكالة أو حتى إقليمية وعالمية مكلفة، ولها نتائج كارثية بحيث المنتصر فيها يكون متضررًا قبل المهزوم، ففي الحرب العالمية الثانية دُمرت مدن بل دول بأكملها، وبحسب بعض التقديرات وصل عدد القتلى إلى حوالي 80 مليون قتيل من المدنيين والعسكريين، وأضعافهم من الجرحى والمشردين، وخرج الناس بإعاقات لازمتهم طيلة حياتهم.

الملفت للنظر أن كل هذه النتائج المادية يمكن إحصاؤها وتقييمها، وفيما بعد دراسة طرق علاجها، أو على الأقل إعادة استيعاب المتضررين في المجتمع. ولكن في المقابل هناك آثارًا خطيرة للحروب لا يمكن إحصاؤها ودراستها بسهولة، فهي غير مكشوفة للجميع، وهي الآثار النفسية للحروب التي لا يلاحظها ولا يتفطن لها إلا الدارسون والناظرون بعين البصيرة إلى الحروب وآثارها.

أسهبت في هذه المقدمة حتى يتم فهم الموضوع بشكل سهل ومبسط، فمقالتنا هذه هي جزء من سلسة مقالات تتناول الحروب والصراعات وآثارها، ونحللها من مختلف الزوايا، ونسلط الضوء على الخطيرة منها، ونضع طرق العلاج والاستيعاب لكل أثر من تلك الآثار في كل مقالة قدر المستطاع.

مع أن الكل متضرر في الصراعات، كل بحسب حالته، لكن من المعلوم للجميع أن الأيدي العاملة وخاصة الذكور هم الوقود الأساسي في كل الحروب، فبانشغالهم بالحروب واكتوائهم بنارها ينتج عنها انحلالًا عميقًا في الحياة العائلية والنسيج الاجتماعي لكل الشعوب، ولكن في الجانب الآخر هناك فئتين تتضرران بشكل خاص، وهما فئة النساء والأطفال وذلك لخصوصيتهما، ففي كل الحروب تستباح الحرمات، وتتجاوز الأطراف المتصارعة كل الخطوط الحمر، ويرتكب من الجرائم الجسدية والجنسية وما إلى ذلك ما يشيب له الولدان، وتقشعر منها الأبدان.

كما تبرز المشاكل والأمراض النفسية بعد كل حرب بسبب ما نسميه الصدمات النفسية:

وهي حالة من الضغط النفسي ذات مصدر خارجي، تتجاوز قدرة الإنسان على التحمل والعودة إلى حالة التوازن الدائم بعدها، وهي في الغالب نتيجة تعرض الإنسان لخطر مفاجئ، أو رؤية مشهد مفزع، أو سماع خبر مفجع «ولهذا السبب يمنع مشاهدة المقاطع الصادمة في الأفلام كالقتل ومشاهد التفجير… وإلخ، فكيف بمن رآها ماثلة أمام عينيه؟».

أو كما يقول مايكنبوم في تعريفه لصدمة النفسية بعد الحوادث: «حوادث شديدة قوية ومؤذية ومهددة للحياة تحتاج إلى مجهود غير عادي لمواجهتها والتغلب عليها».

ويكون أثرها على الأطفال أكثر من غيرهم، كما أن النساء أكثر عرضة لها ولمضاعفاتها بسبب:

1- طبيعة المرأة البعيدة نسبيًّا عن العنف مقارنة بالرجل، فهن أقل مشاركة في الحروب، وأكثر دفعًا لضرائبها.

2- حالات خاصة تتعرض لها المرأة «كحوادث الاستغلال والاعتداء الجنسي»، فلا تخلو أي حرب أو صراع من الحوادث الآنفة الذكر.

ويمكن أن نرى أعراضها بشكل عضوي كالموت، أو جلطات القلب أو الدماغ، أو خفقان وغثيان وهذيان… وهلم جرا، أو تكون أعراضها نفسية بحتة.

يمكن أن تكون الصدمة النفسية:

1- تهديد على الحياة «الشخص أو أحد أقربائه، أو حادثة لشخص آخر ولكن بالقرب منه».

2- خوف ورعب قوي.

وأعراض الصدمة النفسية يمكن أن يظهر مباشرة بعد الصدمة، أو متأخرًا «بحاجة إلى التركيز والمتابعة من المصاب أو من المقربين منه»، وتتفاوت نتائج وأعراض الصدمة النفسية من شخص لآخر، ويعتمد على:

1- الحالة النفسية للمصاب قبل الصدمة: الأشخاص الذين لديهم مشاكل وأعراض نفسية مسبقة أو أصحاب الشخصيات الضعيفة أكثر عرضة للصدمة النفسية من غيرهم.

2- مساعدة المحيطين: كلما كانت البيئة اجتماعية وزاد دعم المحيطين قبل وأثناء وبعد الصدمة، كانت قدرة الشخص على استيعاب الحادثة أكبر.

3- نوعية وشدة الصدمة التي تلقاها الشخص، واحتمالية تكرارها «كلما كانت الصدمة أشد، زادت أعراضها ومضاعفاتها».

4- قرب الشخص من الحادث الصادم (كلما كانت الحادثة أقرب زادت شدة الأعراض».

5- خلفية الشخص المصاب الاجتماعية والدينية والفكرية: الأشخاص المتدينون الذين يرجعون ما يحدث لهم إلى القضاء والقدر أقل عرضة للصدمة النفسية، وأكثر تأقلمًا مع الحالة الجديدة كفقد الأحباب، والخسارة المادية و… إلخ.

فبناءً على هذه الأسباب يمكن أن يتعرض شخصان لنفس الحدث فيكون الحدث صادمًا لأحدهما، بينما الآخر يتكيف ويتأقلم مع الحدث.

تشير الدراسات إلى أن 100 ألف من أصل 700 ألف من الجنود المشاركين في حرب الخليج «الكويت»، يعانون من اضطرابات كالتوتر والعصبية واآام وتشنجات متكررة، وبات يعرف بمتلازمة حرب الخليج.

حدة الآثار:

كما أسلفنا يمكن أن تكون آثار الصدمة مؤقتة ومرحلية، ويمكن أيضًا أن تبقى لمدة طويلة على مستوى الفرد والمجتمع (في بعض المجتمعات التي شهدت صراعات دموية وشديدة غالبية أفراد المجتمع عندهم أعراض نفسية نتيجة أحداث مضت).

ففي دراسة أعدتها جمعية الإدراك «مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي» أظهرت أن ربع اللبنانيين 25.8%عانوا اضطرابًا نفسيًّا واحدًا على الأقل خلال مرحلة من مراحل حياتهم، وأكدت العلاقة الوثيقة بين التعرض لأحداث الحرب والإصابة باضطرابات نفسية، ومعلوم للجميع أن الحرب الأهلية اللبنانية انتهت منذ زمن، هذا بالنسبة للبنان، فكيف بنا الآن ودول الشرق الأوسط كلها إما في حالة حرب، أو مكتوية بنيرانها، أو مختنقة بدخانها.

ولكم أن تتصوروا نفسية الطفل «عمران» وهول ما رآه وآثاره عليه «إن كان باقيًا على قيد الحياة أصلًا» ومن على شاكلته كثر، ولكم أن تتصورا نفسية ملايين الأشخاص الذين يتعرضون يوميًّا لحوادث وحشية صادمة لا يتصورها العقل البشري.

ولست هنا بصدد تخطئة أو تصحيح، والانتصار لتلك الجهة أو ذاك، فغالبية المتصارعين وجماهيرهم لا يقرؤون أو لا يستمعون للغة العقل والمنطق، وإلا لما وصلنا إلى يومنا هذا.

أعراض الصدمة النفسية:

1- الأعراض الجسمية: كالخفقان والغثيان والتعرق البارد والارتجاف وضيق النفس، خاصة ما يمكن أن يذكرهم بالحادث الصادم، كزيارة نفس المكان، أو رؤية العسكر ومقتنياتهم، أو الإيحاءات والصور الجنسية «بالنسبة للذين تعرضوا لحوادث التحرش والاعتداء الجنسي والاغتصاب».

2- صعوبة التكيف مع الحياة العادية ونقص الإنتاجية: كعدم القدرة على العيش مع العائلة، أو الاستمرار في العمل، أو نقص الإنتاجية في العمل مقارنة بإنتاجية الشخص قبل الحادثة. (25% من المشردين في أمريكا هم من المحاربين القدامى).

3- الإصابة بالأمراض: نسبة أمراض القلب والجهاز الهضمي بين المصابين بالصدمة النفسية أعلى مقارنة بالأشخاص العاديين.

4- الوفيات: نسبة الوفيات أعلى من الأشخاص العاديين، وذلك نتيجة جلطات الدماغ والقلب وأمراض أخرى (نسبة المتوفين من المصابين بأمراض السل بين أسرى المفرج عنهم في الحرب العالمية الثانية كانت 9 مرات أكثر من المدنيين فولف 1960) أو بشكل غير مباشر نتيجة لحوادث أو تعاطي جرعات زائدة.

طرق العلاج:

1- قطع السبب والابتعاد عنه: وهي مهمة وضرورية أو كما يقال الوقاية خير من العلاج، وأيضًا بإبعاد الشخص عن الحادث الصادم إن كان مستمرًا؛ فقديمًا قالوا:

متى يبلغ البنيان يومًا تمامه .. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

فلا يمكن علاج ومساعدة أي شخص مع تعرض هذا الشخص إلى الحوادث الصادمة باستمرار.

2- تقوية الجانب الفكري والديني ورفع قدرة الشخص على الاستيعاب.

3- العلاج النفسي: وهذا يقرره ويختاره الطبيب النفسي المختص، كالجلسات النفسية والعلاج السلوكي المعرفي cognitive behavioral therapy، أو علاج المواجهة exposure therapy، وبشكل خاص psychodynamic imaginative trauma therapy العلاج النفسي التخيلي لعلاج الصدمات المعقدة، والذي طور في ألمانيا من قبل لويزردمان.

4- العلاج الدوائي: وهو عدة مجموعات منها benzodiazepines –SSRI selective serotonin reuptake inhibitor – amitriptyline s ولها تفاصيل علمية معقدة يختارها الطبيب المختص بعناية وبجرعات محددة، إذ إن غالبيتها لديها أعراض جانبية خطيرة من أشهرها وأهمها الإدمان.

5- الطرق العلاجية الأخرى: كالاجتماع الدوري مع الضحايا في المخيمات أو مراكز الإيواء وأعادتهم للمجتمع بشكل سلس وتدريجي.

بشكل عام من بين الاشخاص المصابين بالصدمة النفسية:

30 % من الحالات يتعافون كليًّا.

40 % من الحالات يتعايشون مع الأعراض «حدة بسيطة».

20 % من الحالات يتعايشون مع الأعراض «حدة متوسطة».

10 % من الحالات لديهم أعراض معقدة ومزعجة ومستمرة.

ولكن في الغالب كلما ظهرت واختفت الأعراض بشكل أسرع، كانت الحالة أبسط والتحسن أكثر، والعكس صحيح.

كما أسلفنا منذ البداية فهذه المقالة هي جزء من سلسلة مقالات، ودراسة تحليلية «للحروب وآثارها» سينشر تباعًا حسب ما يتيح الوقت والفرصة.

ونختم بالقول: يجب أن تعالج المشكلة من جذورها؛ لأنه طالما استمرت الصراعات التي غالبًا ما يكون وقودها الأبرياء سوف تستمر النتائج النفسية الكارثية للحروب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد