تعصف التساؤلات حول ردود الأفعال والتداعيات المحتملة لإسقاط تركيا للطائرة الروسية بوكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي، ولعل أهم سؤالين هما هل ستكون هناك حرب؟ وما هي تداعيات هذا الحادث على الثورة السورية؟

من المسلم به أن تركيا لم تكن لتقدم على هذا الفعل لولا استنادها على ركائز هامة، منها الدعم الشعبي والنجاح الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، والدعم الإقليمي شعبيا ومن بعض الحكومات مثل السعودية وقطر لموقفها من الأزمة السورية ودعمها لللاجئين، والغضب الذي يعم المنطقة من الدورين الروسي والإيراني في هذه الأزمة.

لكن من أهم الركائز أيضا التي شجعت تركيا على الإقدام على هذا الفعل – إن لم يكن أهمها – هو عضويتها في حلف الناتو والتي تضمن لها المساعدة والحماية العسكرية حال الاعتداء على أراضيها، ما يشكل رادعا للروس يمنعهم من القيام بفعل عدائي ضدها.

لكن السؤال يصبح هل سيلتزم الحلف فعليا بحماية تركيا حال تعرضها لاعتداء؟ خاصة في ظل تراجع الدور الأمريكي وفي ظل حالة الفتور الواضحة بين العواصم الغربية وبين أنقرة، والخلافات في الشأن السوري خاصة ملف دعم فصائل معينة من المعارضة السورية، والحديث عن غض تركيا الطرف عن تدفق اللاجئين إلى أوروبا والعديد من القضايا التي لا يتسع المقام لسردها.

لقد تعاملت تركيا مع الموقف بذكاء، فقد نددت تركيا من قبل بانتهاك روسيا لمجالها الجوي عدة مرات واستدعت السفير الروسي وحذرت روسيا أكثر من مرة وعلى لسان رئيس الوزراء أنها ستطبق قواعد الاشتباك في حال تكرار روسيا لهذه الانتهاكات، وقد حرصت تركيا أن تحظى هذه التصريحات بأكبر تغطية إعلامية ممكنة. وقد أدى تكرار الحادث إلى تنديد حلف الناتو والبنتاجون الأمريكي بالانتهاكات الروسية للأجواء التركية، بل وقد اعتذر الروس عن ذلك من قبل وهو ما سيستند إليه الأتراك بإعتباره إقرارا بالخطأ من جانب الروس وتأكيدا على سلامة نيتهم وأنهم قد أعذروا بما أنذروا من قبل.
وقد حرصت تركيا على التأكيد أنها لم تهاجم المقاتلة الروسية إلا بعد أن أثبتت تحذيرها لها عدة مرات واختراقها لمجالها الجوي، كما أكدت ذلك أيضًا تصريحات البنتاجون التي قال فيها ما يدعم ويؤكد صدق الرواية التركية. وبهذا يكون قد رسخ لدى الرأي العام العالمي أن تركيا لم تكن في موقف المُعتدي، وأن ما قامت به يأتي في إطار القانون الدولي الذي يكفل للدول حق الدفاع عن أرضيها وأجوائها والتصدي لأي قوات أجنبية تنتهك هذه السيادة. كما أنها أثبتت بصبرها على الاختراقات الروسية المتكررة من قبل أنها ليست مسعرة حرب ولا تقتنص العثرات لافتعال أزمة على الساحة الدولية، ما سيقوي موقفها القانوني والأخلاقي ويجبر حلفاءها في الناتو على مساندتها.

يبقى الشق الآخر من السؤال والخاص بتراجع الدور الأمريكي، فهل من الممكن أن يؤدي هذا التراجع إلى تخلي الحلف عن تركيا؟ يصعب تصور سيناريو مثل هذا، لأن الحلف إن تخلى اليوم عن تركيا ستفقد كل الدول الأعضاء الثقة فيه وستنهار مصداقيته المهترئة أصلا منذ مجيء أوباما، خاصة بعد أحداث جورجيا وأوكرانيا اللتان أرادتا الانضمام للحلف والاحتماء به من الروس فكان مصيرهما احتلال أجزاء من بلادهما، ثم تقسيمها بعد أن أدار لهم الحلف ظهر المجن وتركهما لقمة سائغة للدب الروسي.

وقد كانت الحجة الغربية دوما والتي يتم التصريح بها همهمة وعلى استحياء، أن هاتين الدولتين لم تكونا بالفعل أعضاء في الحلف وبالتالي فإنه لا يوجد لزام قانوني على الحلف اتجاههم. أما في تركيا فالوضع مختلف. فتركيا عضو قديم في الحلف وكانت لها أدوار في الحرب الباردة حينما جعلت من أراضيها مركزا لقواعد الصواريخ النووية الأمريكية والتي تم سحبها في الصفقة التي تلت أزمة الصواريخ الكوبية مقابل سحب السوفييت لصواريخهم من كوبا. وبالتالي فإن الحلف لا يستطيع اليوم وبعد هذا الانهيار الكبير في سمعته أن يتخلى عن تركيا، فحينها سيفقد الحلف والولايات المتحدة ثقلهم أمام الروس والصينين بل والعالم كله.

هل معنى هذا أنه لن يكون هناك رد روسي؟ بالطبع ولا شك، ولكنه لن يكون ردا بالمعنى العسكري المباشر المتعارف عليه في السياسة الدولية، وإنما سيكون حزمة من الردود السياسية والاقتصادية، والتي قد تشمل عمليات إرهابية، مناوشات، دعم حركات انفصالية مثل حزب العمال الكردستاني، وتصعيد ملف مذابح الأرمن في المحافل الدولية… إلخ.

 

أما تداعيات هذه الحادثة على الملف السوري – إذا أحُسن استغلالها – فستكون هامة جدا، فبعد أحداث فرنسا تصاعد الحديث عن الحرب على تنظيم الدولة (داعش) وأصبح التعامل معه باعتباره ملفا قائما بذاته ومنفصلا عن الأزمة السورية وبدأ العالم كله في الحديث عن سبل مواجهة التنظيم والقضاء عليه، وتراجع الحديث عن الحل السياسي، وعن معاناة ملايين السوريين الذين تلاحقهم براميل الأسد ومليشيات إيران وصواريخ الروس وحراب خفر السواحل اليوناني.

فبهذه الاقتناصة المدروسة جيدا أعادت تركيا مركز الثقل في الملف السوري إلى التركيز على إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وبعثت برسالة مهمة للغرب ولروسيا، مفادها أنه في سوريا إما سيكون هناك حل شامل أو حرب شاملة، ولا أحد في الشرق أو الغرب يريد تلك الأخيرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد