هي الحرب القديمة ذاتها، حتى وإن تغيرت الأسماء، وارتدت حلة عصرية تلائم صرعات وتقنيات القرن الحادي والعشرين.. فهي حروب ومكائد لا تنتهي من دولة الفرس والروم ومن يمالئهم من عمائم عربية ارتدت الإسلام عباءة تتستر به أمام شعوبها المقهورة الـمُبعدة عن حقيقة ما يجري من وراء الكواليس، عمائم اتخذت من الروم والفرس حلفاء وأولياء لنعمتها، كيف لا وهم السبب في بقاء تلك العمائم وتثبيت ركائزها ضد الإسلام والمسلمين، وضد كل حُر يقف في وجوهها ويُعلي صوته ببغضها؟

في الماضي كانت الصراعات تدور بين الفرس والروم والعرب واليهود والوثنيين، وكان الصراع في الغالب يمتد في المنطقة الواقعة بين العراق، والشام، ومصر، والجزيرة العربية، ونرى التنافس والتنازع نفسه يحدث الآن، حتى وإن اختلفت الأسماء والأسلحة المستخدمة والأسباب والأهداف المعلنة، ونجد أيضًا تنافسًا محمومًا فيما بين تلك القوى لحشد المتحالفين لكل من تلك الأطراف.

بالرغم من أن علاقة الروم والفرس كانت ولا تزال علاقة بُغض وكراهية لبعضهما، لتنافسهما في المصالح وتنازعهما في فرض السيطرة والهيمنة على المنطقة، إلا أنهما يشتركان في النظرة الدونية التي يملأها الاحتقار للعرب. وهذه الكراهية ممتدة عبر التاريخ للعرب، امتزجت دائمًا بالبغض العنصري والعقائدي، فالفرس مثلًا قبل دخولهم الإسلام كانوا يحتقرون العرب ويزدرونهم، وبعد دخولهم الإسلام أصبحوا يتعالون عليهم مذهبيًا ودينيًا، وجعلوا من أنفسهم حماة للإسلام الذي شكلوه بطريقتهم الخاصة واختزلوه في حب آل البيت والتشيع والتعصب لهم.. والحال ذاته يتكرر لدى الروم الذين يرون في أنفسهم أكثر حضارةً وتطورًا ورقيًا من العرب الهمج البدائيين.

أما فما يتعلق باليهود، فهم يبغضون من يؤمن بالله، من أي الأطراف، وفي أي الأوقات، سواء كان عربيًا، أو روميًا، أو فارسيًا، بالرغم من بغضهم الأكبر للعرب، وقد اتخذوا من الفرس والروم مطية يركبونها ليصلوا بها إلى مآربهم، بالرغم من التقارب التاريخي الذي كان موجودًا دائمًا بين الفرس واليهود بسبب إعادة الفرس ليهود السبي البابلي لفلسطين. وكان هناك عامل مشترك بين الفرس الذين أظهروا الإسلام وهم يضمرون له الحقد والكراهية واليهود، وهو بغضهم للعرب لعروبتهم، وبغضهم للسنة كمذهب.

وحتى من التقت مصالحهم من الروم والفرس مع قادة العرب الحاليين، ومهما شكلوا معهم التحالفات، فإن عامل الكِبر والعداوة تغلَّب على نظرتهم لهؤلاء العرب، وعلى التعامل معهم. فيكون الوضع الغالب هو عدم إنصافهم للعرب مهما التقت المصالح والأمور المشتركة، ونرى في أماكن شتى في العالم العربي وبشكل جلي لا لُبس فيه، كيف يطعنون العرب في ظهورهم في الوقت الذي يرسمون على وجوههم ابتسامة عريضة مخادعة لهم.

عندما أرسلت روسيا قواتها وأدخلتها الحرب الدائرة في سوريا، خرجت تلك الجيوش تحت راية الصليب ومباركة من الكنيسة الكاثوليكية، واعتبرت الكنيسة تلك الحملة أنها حملة مقدسة مثل تلك الحملات التي كانت تُرسل في الحروب الصليبية لتنصير الناس أو لتطهير الأرض منهم.

وتطور مصانع الأسلحة الأمريكية الأسلحة، ويرجون لها ليتم تجربة مدى فاعليتها في إحداث الفتك والتدمير في بلاد المسلمين وعلى أجسادهم وأنقاض أوطانهم. وتُدفع أمول المسلمين لشراء تلك الأسلحة وإيصالها لمن يفتك بأرواحهم بها.

الحرب الدائرة اليوم يغلب عليها الخداع والمكر والجنون والنهم لإيقاع الدمار وإبادة مدن وقرى ومناطق بأكملها حتى تختفي من خارطة المكان، والفتك بأكبر ممكن عدد من الأرواح، ولا يهم من يكون هؤلاء القتلى، ولا يهم إن كان هؤلاء جزء من القتال أن لم يكونوا، يكفي أنهم عرب ومسلمون.

أما آن الوقت أن نستيقظ من سباتنا؟ أما آن لنا أن نوحد صفوفنا ونميز الصديق من العدو، والأخ من الغريب؟ دماء المسلمين تُراق، وأعراضهم تنتهك، وبيوتهم تقوض فوق رؤوسهم، وأطفالهم يُشردون، ونسائهم تُرمَّل وشبابهم يسجنون ويُعذبون وما من ثائر لدمائهم وأعراضهم، وما من مجيب لصرخاتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد