ليست المرة الأولى التي أحاول أن أكتب فيها عن الحرب، لكنني أتردد قليلًا؛ كون أن حروفي ستحمل من التشاؤم ما يزيد من آلامي، ويحطم النذر من التفاؤل إن بقى؛ فأترك الحرب وأحاول جاهدًا أن أبحث عن موضوع آخر، ثم لا أجد سوى الحرب مرة أخرى، أترك الكتابة وأتجه إلى قراءة الرواية، فإذا بها الحرب مرة أخرى.

تختلف نظريات نشأة البشر بين الملحدين والمتدينين، وتتضارب أقوالهم وتفسيراتهم العملية، غير أن ذلك الاختلاف كثر أو قل، لا يؤثر على الثابت الذي لا يتغير، وهو أنهم بشر، وأفضل المخلوقات على الأرض تشكيلًا وتفكيرًا، ويتميزون بعقل قادر على رفع طائرة تزن آلاف الأطنان عن الأرض بآلاف الأمتار، عقل صنع العجائب قديمًا وحديثًا، حتى أنه استطاع أن يتجاوز الخيال أو يحاول أحيانًا، ورغم ذلك العقل؛ يتقاتل البشر ككل الكائنات أو أشد.

هل الحرب سجية البشر؟

من الناحية الشرعية ذكر المفسرون أوجه قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون» (البقرة: 30).
الوجه الأول: إن الملائكة قالت ذلك بعد إعلام الله تعالى لهم بطبيعة ذرية آدم عليه السلام، وإنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وهذا مروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد وغيرهم، كما نقل ذلك القرطبي وابن كثير، فعن ابن عباس وابن مسعود أن الله تعالى قال للملائكة: «إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا».
وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق؛ أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء؛ فلذلك قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟.
الوجه الثاني: إنهم لما سمعوا لفظ «خليفة»؛ فهموا أن في بني آدم من يفسد إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، والفصل بين الناس فيما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم.
الوجه الثالث: ما نقله القرطبي – رحمه الله – وغيره أن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء؛ وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء.

إن الاطلاع على القليل من التاريخ في حقب زمنية مختلفة، والواقع المعاصر في دول وقارات مختلفة؛ جعل النظرية القائلة إن الحرب سجية البشر مرجحة على الأقل بنسبة كبيرة، غير أن الكثير من الدراسات أثبتت خطأ تلك النظرية.

حيث في عام 2005 نُشر كتاب لأحد أبرز الكتاب المهتمين بسيكولوجية البشر يكشف أن الحروب الدموية بدأت قبل 6000 سنة فقط؛ بسب ظهور التباينات والاختلافات الكبيرة بين المجتمعات.

في عام 2014 نشر الكاتبان: Fry and Soderberg مقالًا بيّنا فيه أن الحروب الدموية اختفت في المائة سنة الأخيرة، عدا بعض الحروب بين مجموعات في أستراليا تدعى «Tiwi». وجد الباحث «Ferguson» أن الحروب الدموية أصبحت شائعة منذ 3500 قبل الميلاد، في حين لم يكن قبل ذلك التاريخ سوى عمليات قتل لا ترتقي لحروب أو إبادة جماعية.

الحرب العالمية الثابتة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت معظم الكرة الأرضية استقرارًا نسبيًّا؛ حيث بدأت الدول ببناء نفسها علميًّا واقتصاديًّا، وكانت في كل مرة تريد أن تخوض حربًا عسكرية، تعود بها الذاكرة إلى الحروب العالمية، فلجأ الجميع إلى السياسة والعقل، وبما أن الحروب بين الدول لا تنتهي؛ فقد خاضت معظم تلك الدول حروبًا باردة إعلاميًّا واقتصاديًّا، لكن الحل العسكري كان دومًا الحل ما بعد الأخير؛ أي في قائمة المحظور.

لم يكن ذلك الكلام ينطبق على أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط، خصوصًا تلك التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية؛ إن الأمر في تلك الدول كان مختلفًا تمامًا، حيث إنها بقيت تتنقل من حرب لأخرى، كل واحدة كانت على استعداد لتأخذ لقب حرب عالمية ثالثة، غير أنه كان ينقصها قليل من الدماء؛ لذلك فإن تلك الدول ومنذ مائة عام تخوض حربًا عالمية ثابتة، إنها الحرب بالنيابة وهي حرب النفوذ، الحرب التي لا ينتصر فيها أحد .

بعد أن نهضت دول الحروب العالمية الماضية، وانتعشت اقتصاديًّا وعسكريًّا؛ لم يمت فيها حب التوسع والقتال، ولم يغب عنها أيضًا صور الدماء والدمار التي مرت بها؛ فوجدت من الشرق الأوسط بيئة جيدة، وساحة ملائمة تجتمع فيها بعض الفوارق الطفيفة بين العرب المسلمين والفرس من جهة، وبين المسلمين العرب أنفسهم من جهة أخرى؛ فدخلت تلك الدول في حرب عالمية ثابتة، تلك الحروب تختلف عن سابقتها، كونها قد تخسر اقتصاديًّا، لكنها تُجنب شعوبها الدمار والدماء.

هل من نهاية؟

أثبتت القرون المنصرمة أن الحروب لا تنتهي، إنما تنتقل فقط، وأنها قد تقل أو تكاد تكون معدومة أحيانًا، إلا أنها لا تختفي أبدًا؛ يعني ذلك أن نهاية الحرب التي نعيشها لن تنتهي إلّا بسيطرة نظام واحد وقوي على معظم تلك المنطقة، تكون تلك القوة قادرة على المنافسة عسكريًّا مع الدول الكبرى المسيطرة، أو أنها تكون أقوى من ذلك، بما يمكّنها من خوض حروب اقتصادية وأخرى باردة، أو تكون من القوة ما يمكّنها من نقل ساحة المعركة والخلاص من نهر الدماء الجاري منذ سنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد