يعيش العالم ظروفًا استثنائية لجائحة تحبس الأنفاس في النفوس، إذ أصبح فيها الإنسان لا بد أن يتعود على الوحدة، حتى لا ينسى حقيقته الأولى التي ولد بها، ولا بد أن يرحل معها.

فيروس «كوفيد 19» الفيروس الذي ألزم كل سكان الأرض بتطبيق الحجر الصحي، وألزمهم حجر الجسد بالبيت، وحَجْر الروح داخله، ليتعرف كل منا على نفسه ويبحث عن احتياجاتها النفسية والإنسانية، الفيروس الذي رسم كل الحدود ليبقى كل فرد منا مسؤولًا وحريصًا على نفسه وأهله لينعم بالصحة والعافية.

حرب جديدة أصابت كوكبنا هذه المرة حرب بشرية مع كائنات مجهرية لا تُرى بالعين المجردة، الكل يريد أن ينجو منها. أمام هذا الفيروس اللعين، الذي اخترق الكون وأزهق الأرواح وفرق جمع الأهل والأحباب. أصبح اقتراب الواحد منا أشبه فيه بتناول جرعة سم قاتلة، لتكون فيها التحية والملامسة بالوجوه أو الأيادي عدوة صاحبها.

عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ قَالَ: «إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا».

وكان نبينا محمد ﷺ أول من اقترح الحجر الصحي، دعوة صادقة وجد مهمة من معلم البشرية ﷺ إلى البشرية جمعاء. فالعزلة أحيانًا تكون دواءً، وليس داءً. أوصى الرسول الأعظم محمد ﷺ بالالتزام بالنظافة، وضرورة الالتزام بعادات يومية من طهارة ووضوء وغسل… لأنه لا إيمان بدون طهور «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ». كما حث نبينا محمد ﷺ أثناء تفشي الأوبئة بممارسة العزل الاجتماعي عن الآخرين؛ للحيلولة دون انتشار الأمراض المُعدية، تدابير وقائية وفعالة لاحتواء تفشي الوباء، وكان ذلك منذ 1400 سنة، وهذا ما طبقته واستعانت به كل دول العالم أمام هذا الوباء القاتل والمعدي.

والتعاون فيما بيننا واجب علينا لضمان بقائنا سالمين، تعاون على حجر المرض ومنعه من الانتشار، تضامن مع الجميع من أجل الجميع، والجميع مسؤول عن الجميع، وهذا كله من أجل سلامة الجميع.

بقدر ما نريد أن نعيش حياتنا كأفراد معزولين، من خلال كوننا جزءًا من المجتمع، فإن سلوك فرد واحد فقط له تأثير كبير على الجميع.

الآن نعيش ظروفًا صعبة تتطلب منا أن نكون متضامنين مع أفعالنا حتى لا نؤذي الآخرين. ويجب أن ندرك ونعلم تمامًا أن كل فعل وتصرف غير مسؤول يؤثر على حياتنا وحياة غيرنا. عدم احترامنا للحجر الصحي يكون سببًا في هلاكنا، و«covid-19» مثالًا واضحًا على ما يعنيه أن نكون مسؤولين عن أفعالنا، وكيف يمكن أن يؤثر عمل يبدو غير ضار على الآخرين. ومع ذلك لم نكن بحاجة إلى فيروس لمعرفة هذه الحقيقة. كل عمل غير مسؤول وأناني له صدى كبير ويؤثر على أناس لا نعرفهم حتى. وبما أن وجودنا وجود اجتماعي، هناك قيمة إنسانية فينا وأمرنا بها الله سبحانه وتعالى، وهي سمة التعاون والتضامن. وتذكر بإمعان ما تحمله هذه الكلمة من معان نييلة تحفظ للمجتمع رابطته وسلامته.

ما هو التضامن؟

التضامن هو قيمة أساسية للمجتمعات، وهذا يعني أنه بدونها لا يمكننا الحديث عن مجتمعات صحية. والتضامن يعني «التمسك الظرفى بقضية أو بصحبة الآخرين»، لكن الكثيرين يعتبرون التضامن مفهومًا منخفض القيمة هذه الأيام.

التضامن سلوك إنساني وشعور داخلي في كل إنسان سويّ سليم يؤمن بأن الإنسان مخلوق ضعيف يحتاج في مرحلة ما إلى مساعدة الآخر، وهي قيمة إنسانية تضمن استقرار المجتمعات وتقدّمها وحمايتها. التضامن هو مسؤوليّة تقع على عاتق الأفراد والجماعات كلٌّ حسب قدرته وحسب موقعه ودوره، والتخلّي عن التضامن إنما هو تخلٍّ عن روح الإنسانية، قال الرسول – صلى الله عليه وسلّم – «مثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وغيرها من الأحاديث الدالة على هذا الخُلُق الإسلامي الحميد؛ فالتضامن والتعاون في الإسلام هو قيمة شاملة لكل الجوانب الحياتية، فهو يشمل الجانب الاجتماعي، والروحي، والمادي، والسياسي.

ومع ذلك فإن مواقف مثل التي نمر بها حاليًا تدعونا إلى أن نكون أكثر وعيًا ودعمًا لمجتمعنا ووطننا. من الواضح أن الكثيرين لا يجتازون الاختبار، ويصبحون أشخاصًا أكثر أنانية في حالات الضغط مثل هذه، لكن هناك آخرين يأخذون أغلى ما لديهم.

نحن نعيش في لحظة حاسمة حيث يختلف فيها التبن عن الأحجار الكريمة، حيث سيخرج العديد من الناس أسوأ وجوههم، ولكن سيخرج آخرون لزرع أفضل فضائلهم كنموذج يحتذى به. ما هي المجموعة التي تريد أن تنتمي إليها؟ الحقيقة هي أنه شيء لا يمكنك فيه مع المجتمع في هذه الظرفية الصعبة والملحة، وإنما لا يكون فيه العمل إلا كفرد من أجل المجتمع.

اسأل نفسك الآن، ما هو نوع المجتمع الذي تريد بناءه؟ لا تتوقع أن يكون مجتمعك مختلفًا عن أفعالك. إذا كنت تتصرف بشكل أناني، فمن الواضح أنك لن تكون الشخص الوحيد وسوف يحاكي الكثيرون سلوكك لتحويل مجتمعك أخيرًا إلى بيئة استبدادية وأنانية لقتل الحياة فيها. ولكن إذا كنت تريد أن تكون الأشياء مختلفة، فعليك أن تكون مختلفًا.

قبل التصرف الأناني، ضع نفسك مكان الآخرين، ابحث عما هو خير لمجتمعك ولمصلحة مجتمعك، وحاول ألا تؤذي الآخرين بتصرف متهور يؤذي بحياتك وحياة غيرك.

 فكلنا مسؤولون والأخذ بأسباب الوقاية والعلاج، ضروري وواجب وطني في حق وطنك وابناء شعبك، مع القناعة والإعتقاد بأننا نفر من أقدار الله إلى أقدار الله. ولنا في هذا المرض والبلاء أجر إن نحن صبرنا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، وإننا نحسب أن من مات بوباء الكورونا مثل من مات بالطاعون إذا كان المبتلى ذا نية على الشهادة وصبر على البلاء وشكر لله على كل حال.

عندما يضحي من اجلك الوطن، فماذا عنك كمواطن في ظل هذه الجائحة؟ من واجب كل مواطن تجنب أماكن العدوى والالتزام بقواعد الحجر الصحي التي تحددها الحكومات والقوانين، والتقيد بإرشادات وتوجيه الجهات الرسمية والهيئات الطبية؛ لأنها الأكثر معرفة ودراية بتفاصيل المرض وآثاره، وذلك في كل بلد، والتكافل مهم بين بني الإنسان للتغلب على هذا الوباء الخطير. فالوطنية هي ينبوع التضحية. عندما يكون الوطن في خطر فكل أبنائه جنود للتضحية في سبيلهِ.

وبهذه الطريقة المسؤولة، سوف تتعاون لبناء مجتمع أفضل وبلد أفضل. ضع في اعتبارك أن الدولة لا تتكون فقط من جودة حكوماتها، ولكن من مواطنيها، الذين يشكلون الأغلبية والذين يمكنهم إحداث فرق. لذا قبل الإشارة والقول إن السياسيين هم الملامون، تحقق من أفعالك ومعرفة ما إذا كنت تضر بالآخرين، ولنتعاون فيما بيننا على البر والتقوى وما فيه خدمة للصالح العام. ولا تكن من الذين يؤدون الناس. قال الله جلّ وعلا: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَـانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا» [الأحزاب: 58]. وكن من الذين قال فيهم الله تعالى: «… وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..» [المائدة: 32].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد