​خمس سنوات .. الميليشيات تلتهم الدولة والشعب.

قد يبدو استمرار الفوضى في اليمن أمرًا لا محيد عنه، وذلك في خضم النظام الإقليمي الآيل للانهيار في سياق حافل بالعديد من الصراعات الداخلية، والنزاعات بين الدول، ومضاعفات انخفاض أسعار النفط، وآثار التغيرات المناخية، وشحّ الموارد المائية في المدى البعيد، ناهيك عن تفشي جائحة كورونا. إن الهواجس الشائعة بخصوص مآلات فوضى الحرب في اليمن، وكلفتها البشرية والتنموية، والأخطار المرافقة لها لم تعد ضمن إطار محدود لفهم كيف تتفاعل هذه الانهيارات مع بعضها البعض داخل كل مشهد، وكيف يمكن لأن تبدأ دولة مثل اليمن في معالجتها، وكيف تعالج كل هذه الأعطال التي تشهدها اليمن.

بشكل أعم، فقد انصرف اليمنيون من حماية التنمية والاستثمار والسياحة في اليمن، وحماية مصالح الدولة اليمنية، وكيفية النهوض بها إلى السير في ركب وأجندات الدول المعادية لليمن، ومعها غرقت اليمن في عزلة دولية وأذية اقتصادية. كذلك عندما نتحدث عن جعل الآخرين يمتثلون لأهداف الدولة اليمنية فذلك يجعلنا نكون كلنا في اليمن كتلة واحدة، لكن مع الأسف الشديد، فبالرغم من أفضلية موقع اليمن الاستراتيجي، لكن المجتمع اليمني منقسم على مختلف الأصعدة.

على أي حال، ففهم خطط الأعداء يجعلنا على دراية بطرق حماية اليمن، فالأعداء يركزون على تخريب المجتمع اليمني المتماسك من بوابة استقطاب المجرمين البسطاء، وهناك من هم على خلاف أيديولوجي مع سياسة الدولة، وهناك معدومو الضمير، والشخصيات المضطربة نفسيا، والتي تعادي كل شيء، فضلا عن مجموعة صغيرة من عملاء الدول الأجنبية، ففي اللحظة التي يتم تحريك هذه الحركات باتجاه واحد، ينهار المجتمع اليمني بالكامل، وهذا هو الحاصل في اليمن اليوم، فنحن لا نوقف العدو؛ بل نسمح له أن يذهب، وأيضًا نساعده للذهاب إلى الاتجاه الذي نريده أن يذهب إليه.

https://www.youtube.com/watch?v=69T-Tn97aCw

 

على وجه الإجمال لحماية اليمن من الانزلاق إلى متاهة الفوضى المستمرة، فيتوجب علينا معرفة أهم المجالات التي تم، أو سوف يتم تخريبها في اليمن على المدى الاستراتيجي.

 

1- الدين: تدمير الدين الإسلامي في اليمن، والذي يختصر «بأن المسلم من سلم الناس من لسانه ويديه»، واستبداله بمختلف الطوائف والعبادات والمعتقدات السياسية، بشكل يلهي الناس، وينشر الأذية بالقول والفعل، ويتسبب في تآكل عقيدتهم، واستبدال المنظمات الدينية المقبولة والمحترمة بمنظمات وهمية تصرف انتباه الشعب، لجذبهم إلى أجندات القتل ونشر ثقافة الموت والثأر والتطرف والإرهاب.

2- التعليم: صرف الناس عن تعلم شيء بناء واقعي، وفعال تنموي يخدم موقع اليمن الاستراتيجي، ويندرج ضمن خطة تنمية اليمن الطرفية والساحلية، والجبلية، إلى تعليم بعيد عن التعليم الواقعي يهدف إلى تغييب الوعي، وتمرير أجندة فقهاء مسيسين لا يعلمون سوى الجهل بالتنمية، وعدم تطوير البلدان بينما يفقهون تخريب البلدان، ونشر ثقافة الموت والثأر والإرهاب الديني.

3-الزراعــــــــــة: القات نبات مخدر ينمو، ويزرع في اليمن على حساب الحبوب والفواكة والخضروات والثروة المائية، بل يفرغ جيوب اليمنيين، ويلهي ويضيع أوقاتهم، وانتشرت أسواقه، وخبرات زراعته، وتسويقه، والترويج والدعاية له.

4- التنمية والاستثمار: تقوية المركز والتي تأخذ شكلا طائفيا، وتهميش المجتمعات الطرفية، وتعليق التنمية الساحلية في 2500 كم ساحلي، فبدلًا من التوجه نحو الفيدرالية، وأبجديات التنمية الطرفية الساحلية، فالمخطط جعل اليمن ذا حواف هشة، ومرتع لظهور وتقوية الإرهاب، وغير قابلة للاستثمار والتنمية على المدى الاستراتيجي.

5- الجريمة المنظمة العابرة للحدود: بيئة الفقر وانعدام فرص العمل، وعسكرة المجتمع تجعل من الانحراف الاجتماعي وسيلة لﺘﺠﺎﺭﺓ ﺍﻟحشيش ﻭﺍﻟﺴﻼﺡ ﻭﺍﻵﺛﺎﺭ، ﻭﺍﻟﺘﺤﻒ ﻭﺍﻻﺗﺠﺎﺭ ﺑﺎﻷﺷﺨﺎﺹ ﻭﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻭﻏﺴﻴﻞ ﺍﻷﻣﻮﺍﻝ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ. ثم تقوﻡ ﻋﺼﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺔ ﺑﺘﻮﻇﻴﻒ ﺍﻷﻣﻮﺍﻝ ﺍﻟﻄﺎﺋﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻘﻘﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﻗﻄﺎﻉ ﻣﻨـﻪ، ﻭﺗﺨﻔﻲ ﺃﻧﺸﻄﺘﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﻪ ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺬﻭﻱ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﻓﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ ﻛﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺳﺒﺔ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺆﺩﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻓـﻲ ﺍﻟيمن، ﻭﺯﻋﺰﻋﺔ ﺍﻷﻣﻦ ﻭﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ.

لا يمكن إعادة بناء يمن جديد مستقر شامل تعكس فيه إرادة الشعب اليمني الحر المستقل، وتنأى بنفسها عن الاستقطاب، وعن القضاء على الرأي المخالف وعن الدكتاتورية، إلا بالتخلّي عن جميع المواقف التي تسهم في تخريب المجتمع اليمني، وكذلك تصويب المواقف تجاه الخصوم السياسيين، من أجل الوصول إلى المنافسة السياسية السليمة، والتعددية والتعاون في يناء يمن بعقد اجتماعي جديد..

لقد جعلت اليمن في حالة موت سريري، فبدل الانتقال إلى مرتبة أعلى في تصنيفات التنمية البشرية والاقتصادية، نجدها وقد وقعت في فخ فوضى حرب أهلية في كل الاتجاهات الديموغرافية، لنغرق في فوضى الهجرة الداخلية، والهروب الى خارج اليمن بوصفها حلًّا للفوضى، بدلاً من أن يتوفر في اليمن مناخ وأجواء سنوات مقبلة إلى الازدهار.

​خمس سنوات.. الميليشيات تلتهم الدولة والشعب

اليمن مطلقًا لم تعرف واقع الديمقراطية والرخاء منذ خمس سنوات ماضية، بل واقع الأمر في اليمن يعبر عنه بأن البلد تحترق بنار الميليشيات والفوضى، والجزء الأساسي من مشكلة اليمنيين في السنوات الخمس الأخيرة، جاء على خلفية الرغبة الشعبية بتخليص الدولة من سطوة الميليشيات المملؤة بشهوة سفك الدم اليمني، وتختصر كواليس المشهد اليمني، بأن اليمن واقعة تحت سطوة خاطفي الدولة في اليمن من أحزاب، وميليشيات ومن خلفهم منظومة الثورة في إيران، وبالتالي يتوجب إيضاح كيف تلتهم الميليشيات الدولة، والشعب في ذات الوقت. كما أنه، وبالمقابل الدمار والخسائر في الأرواح والثروات اليمنية، هذا ما تعرضت له «الدولة» في اليمن من التهام، وما فعلته النخبة السياسية التي تحكم أو تعارض منذ 2011، وكل هذه الحرائق الطائفية، والقبلية، والمناطقية التي توشك أن تلتهم الأخضر واليابس. وتقضي على الثور الأبيض والأحمر والأخضر معًا، وتنذر باختفاء دولة موحدة كان اسمها الجمهورية اليمنية.

لقد تهاوت أحلام الوحدة أو الاتحاد، وتفككت روابط المصالح المشتركة، واندثرت الوحدة اليمنية التى كانت وعدا بالتلاقى، فتحولت إلى منصة لهجوم البعض على البعض الآخر، ونشأ نادى الميليشاويين والفاسدين من اليمنيين، جامعا منابع النفط والغاز والمنافذ الجمركية، والجبايات والإتاوات، وصار مركز القرار للشعب مصادرًا، بينما الإرادة الشعبية أصبحت عدمًا. لذلك قد نجد نفسنا نحن اليمنيين تحت سطوة الميليشيات الانقلابية الخارجة عن النظام والقانون، لكنها ملتزمة بقوانين عالم الجريمة الميليشاوية في طريقة سيطرتها على الأحياء في المدن، والقرى في الريف في استراتيجية عصابات الشوارع، وعلى نحو أمن وجيش الدولة التابع للعصابة الحوثية، وما تتم ملاحظته في اليمن أنه بعد خمس سنوات من الحرب فقد تنامت وبسياسة مدروسة الأمور التالية:

1-المقابر الجماعية ومعارض الشهداء.

2.السوق السوداء وتجارة الحشيش.

3.جبايات وإتاوات غير قانونية.

4.زراعة وتعاطي التبغ والقات.

وما يتم التأكيد عليه في هذا السياق، هو أن اليمن طيلة السنوات التي أعقبت اندلاع الأزمة في البلاد سنة 2014، أصرت ميليشيات الحوثي على التمترس فى العاصمة صنعاء، حيث دخلت في صراعات متواصلة على النفوذ والسيطرة في غياب جيش أو شرطة نظاميين، وفي ظل عجز حكومي متواصل عن وضع حد لسيطرة الميليشاويين، وفرض سلطة القانون. وفي المقابل فاليمن اليوم تشهد موجة نمو في زراعة التبغ والقات لتلتهم المحاصيل الزراعية وأشجار البن والنخيل، وتعاضمت إمبراطورية القات ألف مرة ولا عزاء لليمنيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد