بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على بداية الحراك الشعبي بالجزائر، أصبح لزامًا على المهتمين إجراء عملية محاسبة وتقييم عام لمسار الحراك ومآلاته، خاصة مع ظهور عدة متغيرات مؤثرة على مجرى الأحداث، وهو ما يدفعنا إلى التنبيه على ضرورة الحذر من العواقب غير المرغوبة التي قد تعقب أي ثورة أو حراك لم تحسب جيدًا كافة أبعاده ومدخلاته والأطراف المتحكمة فيه، إذ لا يخفى على المختصين تجارب إجهاض الثورات الشعبية منذ القديم، بما فيها الثورات التحريرية الكبرى التي خاضتها الشعوب ضد المحتلين، فقد عرف التاريخ عدة سيناريوهات للالتفاف على المطالب الشعبية وإجهاض أي مسعى نهضوي، حيث إن هناك استراتيجيات متبعة في ذلك وإن اختلفت آلياتها بحسب السياق والأنساق، وعليه لا بد من التفطن للمكائد المحاكة ضد الخيارات الاستراتيجية للحراك الشعبي كي لا ينزلق في متاهتين خطيرتين هما:

الأولى/ المنزلق الثوري الراديكالي العنيف الذي يفضي إلى تدمير مؤسسات الدولة كما حصل في بعض الدول العربية.

ثانيًا/ تحقيق أنصاف الحلول أو أشباه الحلول التي قد تغري بوميضها ضعاف البصيرة الذين لا يتفطنون لمآلات الأمور، فتسبب في إخماد العزيمة الشعبية وكسر شوكة الحراك وكتلته الصلبة.

وعليه سنحاول ذكر بعض محاذير إجهاض الحراك الشعبي قصد تلافيها والحيطة والحذر منها، وهي كالآتي:

1- الدفع من قوى معادية Des Forces hostiles للاتجاه نحو المنحى العنفي سلوكًا أو لفظًا، والدخول في صدام مع قوات الجيش أو الأمن، مما يبرر لإعلان حالة الطوارئ L ‘état d’urgence واستعمال القوة.

2- اختراق الحراك من طرف قوى الموالاة باستغلال أجهزة الدولة لتفكيك الحراك من الداخل وإعادة توجيهه نحو مسارات مغايرة، إما بإفراغه من محتواه أو تحريفه عن وجهته، أو محاولة تبنيه من طرف ممثلين دخلاء، وهذا ما سعت إليه السلطة المتغلبة من خلال طرح فكرة «تمثيل الحراك» في بدايته.

3- إحداث شرخ في القاعدة الصلبة للحراك الشعبي من خلال إثارة الحساسيات الأيديولوجية والاستفزازية للتشويش على مطالب الجماهير وإضعاف آصرتهم وقوتهم، كالدعوة إلى الجهوية Régionalisme، أو الطعن في رموز الهوية كالإسلام والعربية والأمازيغية، أو هزلية المطالب وعبثية طرق الاحتجاج.

4- اقتراح السلطة الحالية لأنصاف الحلول Demi-solutions التي لا يراد بها حل الأزمة بقدر ما يراد بها الالتفات على المطالب وخلق اختلافات حادة بين المجتمع، مما يؤدي إلى تراجع الكثير عن المطالب والاكتفاء بما قدم، وهو ما سيؤدي تدريجيًّا إلى انطفاء جذوة الحراك دون تحقيق أي مطلب حقيقي.

5- إرهاق واستنزاف الحراك الشعبي بإطالة أمد الأزمة والاستجابة المجزوءة واتباع سياسة التقطير، لأجل تحضير بديل ملائم للنظام الفاسد وتهيئة البيئة المستقبلية المساعدة على إعادة التموقع من جديد.

6- تظاهر قوى النظام الفاسد بالاستسلام والاستجابة الخادعة لمطالب المجتمع لربح الوقت والحفاظ على بعض مراكز القرار، لاستعادة الأنفاس وترتيب الأوراق، وهنا لا ننسى التجربة المصرية حين تم القبض على كل أزلام نظام حسني مبارك وإصدار أحكام السجن المؤبد عليهم والمنع من السفر والتغريم، وبعد مدة تم تسريحهم وتبرئتهم ومحاكمة خصومهم.

7- تزايد مطالب الحراك بصفة راديكالية مع تزايد الضغوط والانتشاء بالانتصارات المرحلية حتى تتجاوز المطالب حدود المعقول وتدخل في المغالاة، كالمطالبة برحيل الجميع من: وسائل إعلام ورؤساء جامعات ومديرين تنفيذيين وحل أحزاب الموالاة فورًا …إلخ. فالحراك له أولويات مستعجلة لا بد من تحقيقها، كما له أهداف إصلاحية وآفاق استراتيجية أخرى تتطلب مراحل زمنية ومعطيات موضوعية لتحقيقها في كنف الأمن والاستقرار (عقلنة المطالب).

8- الغرور الذي قد يصيب الجموع الغفيرة بمراهنتها على عنصر السلمية والكثرة لوحدها «إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا»، دون تخطيط ممنهج أو اتباع الأطروحات والأفكار الرشيدة المقدمة من طرف الشخصيات الموثوقة التي تتمثل فيها عناصر الهوية الوطنية وتتمتع بكفاءة علمية وأخلاقية ومسيرة نضالية نزيهة، كالمختصين في العلوم السياسية والقانونية والاقتصادية وعلم الاجتماع والتخصصات ذات الصلة، والنخب العلمية النزيهة والمعتدلة والرموز الفكرية المرموقة أو المنظمات والنقابات العمالية ذات المصداقية في المجتمع الجزائري، كجمعية العلماء المسلمين، وجمعية حماية المستهلك، والتكتل النقابي لقطاع التربية …إلخ كما أن هناك عدة نقابات أخرى ذات توجه وطني وتحظى بالاحترام.

9- ركوب بعض رموز الموالاة موجة الحراك الشعبي وادعاؤهم مساندته (كما وقع فعلًا من بعضهم)، وهذا يعتبر مهددًا لاستمرارية الحراك وجدّيته، فالحراك لا بد أن يحافظ على طهارته واحترامه وحضاريته بعدم قبول أصحاب المبادئ المزيفة أو الدخلاء غير الموثوقين، وسرّاق الانتصارات وراكبي الموجات وضرورة تحييدهم.

10- محاولة خلق فتنة بين الشعب وقوات الجيش والأمن واستعداؤهم، من خلال حملات التشويه أو التحليلات المشبوهة لبعض الشخصيات ورموز الإعلام في الداخل أو الخارج، كالترويج للانقلاب العسكري Le coup d’État، أو اعتداء الشرطة وقوات الجيش على المتظاهرين أو التلاعب بأرقام الضحايا، واستعمال لغة السباب والتخوين، وهذا من أكبر أسباب إجهاض الحراك السلمي والخروج بمعادلة صفرية خاسرة.

11- استعمال الخطاب الشعبوي والغوغائي أو الراديكالي الإقصائي من أي طرف أو فصيل من الحراك، وهذا المَنْزَعُ سيولّد حتمًا صدامات عنيفة بين أطياف الشعب، وينتهي بهم إلى التفرق والضمور، وعليه لا بد من الاعتراف بوجود الاختلاف في الرؤى والتعامل بموضوعية ومرونة واللجوء دومًا إلى الحوار والنقاش والتدافع بالأفكار للوصول إلى حل توافقي تسلم فيه قلوب الجميع.

12- تصديق الشائعات والأكاذيب الملفّقة والتسرع في نشرها عبر وسائل التواصل الإجتماعي، سواء كانت رسائل أو فيديوهات أو صور أو كتابات دعائية لأنها ستساهم في تكوين رأي عام مزيف Opinion publique faux وقناعات مغلوطة.

13- النزول في مستوى الاحتجاج واتباع أساليب دنيئة وغير أخلاقية في مواجهة الطرف الآخر، كتلفيق الصور ونشر الفضائح وتزوير الوثائق وغيرها من الأساليب الرخيصة التي يسلكها البعض، وهذه علامة مرضية ومؤشر على انحراف الحراك في طرقه وأساليبه الاحتجاجية، فالغايات النبيلة تقتضي المخاصمة بشرف، وعدم استعمال الأساليب غير الشريفة لتحقيق المقاصد الشريفة.

وبناء على المحاذير السالفة فإننا نطرح مجموعة من الآليات الإجرائية للحفاظ على فعالية الحراك حتى يحقق أهدافه المركزية، وهي تشكل استراتيجية منهجية متكاملة لحماية مكتسبات الحراك من الانتكاس أو الانحراف نحو مسارات قد تخدم جماعات المصالح التي تسعى لفرض أجندتها على حساب المصلحة الوطنية واستغلال عواطف الجماهير وتوجيه سيكولوجية الشعب نحو أهداف مريبة.

إن استمرارية الحراك الشعبي الذي أبهر العالم بسلميته في حصد مزيد من نقاط القوة، والاستثمار الجيد في نقاط ضعف قوى النظام الفاسد، يتطلب المزيد من الوعي والتخطيط المحكم خصوصًا في المرحلة الحالية، التي تعتبر من أصعب مراحل الحراك، فأيّ خطوة تتخذ من جميع الأطراف ستُحسب على تفاصيل دقيقة جدًا، ولا يمكن أن يقتصر الحراك الشعبي على ردة الفعل فحسب أو الانسياق وراء نشوة الانتصار أو غرور الكثرة. وعليه سنحاول عرض بعض الخطوات الإجرائية لتفعيل الحراك الشعبي والتي من بينها:

1- المحافظة على حضارية وسلمية الاحتجاجات La civilisation et la paix لأنها تعتبر أقوى وأردع سلاح فعال تمتلكه الجماهير الواعية بمصيرها ومسؤوليتها التاريخية تجاه وطنها وأجيالها وبني أمتهاـ، وتشتد مسؤولية الحفاظ على مكسب السلمية كلما طال الزمن وظهرت تحديات وصعوبات جديدة تستلزم مزيدًا من ضبط النفس والحكمة في التعامل مع الاستفزازات.

2- تنويع أساليب الاحتجاج وإبداع طرق جديدة أكثر تأثيرًا إضافة إلى مسيرات الجمعة والإضرابات القطاعية، تفاديًا لإطالة أمد الأزمة ولعدم تمكين قوى النظام الفاسد من ربح الوقت واستنزاف الطاقات الشعبية وتمييع مطالبها.

3- موضوعية المطالب وشرعيتها (L’Objectivité et La légitimité) واحترامها لمبدأ المرحلية والسُّنَنِيّة الحضارية؛ أي لا بد من الاحتكام إلى العقل والعلم والتخطيط الاستراتيجي Planification stratégique والرؤية الاستشرافية المستنيرة (La Prévoyance) وترتيب المطالب وفق مبدأ الأولوية والمرحلية.

4- الالتزام بالرؤى والأفكار والأطروحات المقدمة من طرف النخب النزيهة والمرجعيات العلمية ذات الشرعية الأخلاقية والوطنية عند المجتمع من داخل الوطن وليس من خارجه، لكونهم أخبر وأعلم بأوضاع البلد ومعطياته الموضوعية والحقيقة.

5- تجنب الأسلوب الثوري والراديكالي والعاطفي والتهييجي في الاحتجاج وكل من يتبنى هذا الأسلوب من داخل أو خارج الوطن، لأن هذا الأسلوب يفقد صفة التوازن الانفعالي والقوة الفكرية الذكية التي ترتكز عليها إدارة الأزمة.

6- مراعاة التخطيط المنهجي Planification systématique ووضوح الأهداف والمطالب والحذر من تضاربها وتناقضها، مع تجنب العشوائية والعبثية والهزلية في طرق الاحتجاج أو نوعية المطالب والشعارات.

7- التزام اليقظة والتثبت من الأخبار والدقة في التعاطي مع الإشاعات والمواد الإعلامية سواء من القنوات التلفزيونية أو من وسائل التواصل الاجتماعي وعدم بناء أي حكم أو قناعة إلا على مستند صحيح ومعلومة ثابتة.

8- الحذر التام من الاختراقات المختلفة ودخول المندسين والمشبوهين وانحراف المطالب نحو الجهوية أو الإثنية Régional et ethnique، أو الانزلاق نحو العنف اللفظي أو السلوكي Violence verbale ou comportementale.

9- الحذر من التدخلات الأجنبية تلميحًا أو تصريحًا، وضرورة التآزر التام بين كافة أطياف المجتمع مهما اختلفت مشاربهم لصد أي محاولة لتدويل الأزمة الحالية Internationalisation de la crise أو تدخل أطراف أجنبية رسمية وغير رسمية في الشأن الداخلي.

10- المحافظة الكاملة على مؤسسات الدولة وصيانتها لا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية واعتبارها جزءًا من الحل لا المشكلة (التمييز بين مؤسسات الدولة والأشخاص الفاسدين وبين الشخصية المادية والاعتبارية).

11- المحافظة على سريان قطاع الخدمات العمومية Services publics التي ترتبط بالمواطن البسيط والحذر من إحداث أي اضطراب مجتمعي يحوّل وجهة الأزمة من المنحى العمودي إلى الأفقي، ويوفر هدنة مجانية للقوى غير الدستورية لاستعادة الأنفاس وإعادة التموقع.

12- الابتعاد عن لغة التخوين Trahison والتسرع في اتخاذ القرارات وضرورة ضبط النفس وتمحيص كل المواقف والمبادرات والخطوات المقترحة من طرف الجهات الرسمية والاستماع الجيد والواعي لتحليلات الخبراء لأجل بلورة رأي عام رشيد وموحّد Opinion publique rationnelle et unifiée، وتلافيًا لأي تقسيم للصفوف أو إحداث شرخ في الكتلة الصلبة للحراك الشعبي La Masse solide de mouvement populaire لغاية تحقيق الأهداف المركزية.

إن وقود الحراك الشعبي الحضاري هو العاطفة الجياشة والإرادة القوية للشعب نحو التغيير، والذي يتخذ من السلمية والحضارية أسلوبًا ومنهجًا للمدافعة والمغالبة، لكن سلاحه الأقوى هو: الوعي والتخطيط الاستراتيجي للبدائل والحلول، والتنبؤ الجيد للمآلات، و الرصد الذكي للمتغيرات، والمفاضلة الدقيقة بين الخيارات، واليقظة الدائمة إزاء المهددات مع كثير من النباهة والكياسة والفطنة والحكمة في الإقدام أو الإحجام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات