لو تأملنا بعمق الأسباب الحقيقية لحروب المائة سنة الأخيرة لما وجدناها تتجاوز إلا قليلًا حركة وتدفقات رأس المال المالي، وليس رأس المال الحقيقي، ويمكننا أن نتحدث عن المنعطفات الحاسمة في هذا التلازم كما يلي:

حينما تأسس البنك الفيدرالي الأمريكي سنة 1913 كان ذلك بمثابة أول تحول عميق في طبيعة النقود منذ عصر أهل الكهف، إذ لأول مرة في تاريخ الأمم تستقل البنوك بشكل مركزي بخلق النقود من العدم وإلزام العالم بها عنوةفي ذات الوقت، وكان الإلزام في الولايات المتحدة الأمريكية بقوة النفوذ وفي أوروبا بقوة الحرب العالمية الأولى التي لم تنتظر لتكتمل السنة على تأسيس البنك الفيدرالي الأمريكي حتى اندلعت سنة 1914.

أسفرت الحرب العالمية الأولى عن تدمير الإمبراطوريات التقليدية الأربع في أوروبا، وهي إمبراطورية النمسا والمجر، والإمبراطورية الروسية، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الألمانية، وهي الكيانات التي كانت تقاوم «التحديث» حتى ذلك الوقت، والتحديث كلمة مراوغة تعني فيما تعني الانخراط في كوكب الربا بدون شروط، والربا هذه المرة ليس أساسه الذهب كما كان يزاوله مرابو القرون الوسطى، بل هو النقود كديون «Money as Debt»، تحت مظلة البنك الفيدرالي الأمريكي.

ولما قاومت إمبراطورية الربا القديمة في أوروبا هيمنة الوحش الربوي الجديد في أمريكا كان الرد أكثر ترويعا وحسما إذ عززت الحرب الأولى بحرب ثانية لم تستثن هذه المرة حتى الدول الصناعية الاستعمارية العريقة في أوروبا كبريطانيا وفرنسا، حيث جرى تدميرها اقتصاديًا بالكامل إلى درجة أنها تخلت عن مستعمراتها تباعًا في أفريقيا وآسيا؛ ليفسح المجال بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزراها سنة 1945 عما أصبح يسمى لاحقًا بالنظام الدولي الجديد، أو النظام العالمي الجديد، أو عالم ما بعد اتفاقية «بيرتن وودز»، وهو نظام مخادع ومراوغ تجري إدارته بالكامل من طبقة المرابين العالميين المتمركزين في الولايات المتحدة الأمريكية، والذين يسميهم البعض بآلهة المال، والبعض الآخر يخفف التسمية ويكتفي بوصفهم بأنهم أنبياء المال.

كان من نتائج الحرب العالمية الثانية فرض الدولار كعملة عالمية على أوروبا وبطريقة آلية على مستعمراتها القديمة، وطورت أمبراطورية الربا أسلوبًا جديدًا للحرب يختلف عن أسلوب بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تعتمدان على الدماء الأوربية في الحرب، إذ راهن شياطين الربا على استدامة الاستعمار دون تدخل مباشر إلا للضرورة بحيث يترك الأمر إلى ما أصبح يسمى «الجيوش الوطنية» للبلدان المستقلة، حيث تقوم هذه الجيوش بتنفيذ أجندة الاستعمار دون مواجهة مباشرة مع الأهالي لأن الحرب الآن أصبحت بالوكالة والمحاربون ليسوا أجانب، بل محليين.

وأي مقاومة على الطريقة القديمة ستنتهي بحرب أهلية، وحتى يتجسد هذا المشروع بسلاسة قدمت إمبراطورية الربا له بمرحلة تمهيدية وهي علمنة عقول النخب المحلية ودعم أقلها ولاء للأمة وأكثرها استلابًا في تولي مقاليد البلدان المستقلة اسمًا المحتلة فعلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، على أن يجري لاحقًا علمنة الوعي الجمعي لبقية الشعوب عن طريق مناهج التعليم والإعلام وتعميم النموذج الاستهلاكي الرأسمالي في الحياة وإيهام تلك المجتمعات بإمكانية اللحاق بالغرب، ثم سد طرق الوصول إلى تحقيق ذلك اللحاق لتتولد العقدة الكبيرة تجاه الغرب لدى الشرقيين، وتتفشي ظاهرة الاستلاب الحضاري حيث انقسمت مجتمعات الدول المستقلة إلى فئتين؛ فئة منكفئة على ذاتها تعيش حياة تشبه الحياة «التقوية» عند الرومانتيكيين الألمان في الفترة التي كانت ألمانيا تعاني عقدة النقص تجاه الحداثة التي كانت تمثلها فرنسا وبريطانيا في القرن الثامن عشر، وفئة أخرى آثرت الالتحاق بطابور العمالة والانخراط في جيوش الاستعمار بالوكالة التي تبناها النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، ولاستكمال ديكور حفلة الربا العالمية أنشئت منظمة الأمم المتحدة، ووزعت أعلامًا على الكيانات التي كانت تابعة لبريطانيا وفرنسا.

وأصبحت تابعة لإمبراطورية «ول ستريت» وسميت دول، ووضعت لها أناشيد وطنية، وأصبحت الحروب باردة كما أصبح الاستعمار باردًا أيضًا لأن الربا ساخن جدًا، ولا تناسبه إلا الأجواء الباردة لا سيما إذا كانت مظلمة حيث تصلح لعبة الغميضة، أين يؤدي العدو والعميل دور حامي الحمى الذي يطارد الإرهاب باسم الثورة أو الوطن، ويقضي على كل من يضر بالمصلحة العليا للوطن التي تتطابق تمامًا مع مصلحة الاستعمار الجديد.

تعيش إمبراطورية الربا في الغرب اليوم أزمة وجودية لأسباب كثيرة أهمها الطبيعة الطفيلية للربا، فالربا مثل الهامة (Vampire) نصف حي، نصف ميت، لا وجود له دون الاقتيات على دماء البشر الأحياء الحقيقيين، وكذلك الربا هو ليس نقودًا بالمعنى الحقيقي للنقود، لكنه يتحول إلى نقود عن طريق الدين فكلما استدان شخص ما مالًا من البنك تولد بذلك الدين مال كتابي يسمى بنقود الودائع، وهي نقود يخلقها البنك التجاري تختلف تمامًا عن النقود الورقية التي تصدرها الخزانة الفيدرالية في حالة الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا.

وتمثل نقود الودائع في الاقتصاد العالمي أكثر من 90٪ من حجم النقود في عالم المال اليوم مقارنة بالنقود السائلة «Cash Money»، غير أن ظهور الصين كقوة اقتصادية عالمية تمكنت من مراوغة الغرب لمدة قاربت نصف قرن من الزمان، حيث عمل الاقتصاد العيني الصيني كغطاء مجاني للدولار الأمريكي ربوي المنشأ، وصبر حتى ارتبط بالاقتصاد الأمريكي.

وأصبح من المحتم نقل التكنولوجيا إلى الصين حتى تستمر حالة التدليك المجاني في حمام الربا حيث يسترخي الأمريكي فيما يقوم الصيني بتوفير الراحة للسيد، وهو شبه مغمض لعينيه مطمئنا بأن العبد ما زال مطيعًا، والأمر ذاته حدث مع البترول العربي، إذ ظهر مصطلح «البترودولار» كتعبير عن البترول كغطاء مجاني للدولار الأمريكي الذي تخلقه البنوك الأمريكية من العدم، وتصبح له قيمة نقدية حين يغرز الدولار نصف الميت أنيابه في سلعة أوخدمة عينية حقيقية تأتيه من كل حدب وصوب دون أدنى مقاومة، بيد أن إطلاق تسمية العملاق النائم على الصين لم تعد تصلح هذه الأيام، بل على العكس تمامًا فقد أصبحت الدول الغربية المترفة التي استلذت الاقتيات على موارد شعوب العالم وجهودهم تنام فوق الماء دون قدرة على الاستيقاظ من الحلم الجميل الذي يريد الصين اليوم إنهاءه، وهو يسعى لشراء ما أمكنه من ذهب العالم بما فيه ذهب الخزانة الأمريكية ذاته عن طريق الدولارات التي جمعها خلال فترة الخدمة المجانية لأمريكا من خلال السلع الرخيصة، ليجعل من مخزون الذهب نواة صلبة تدعم ثقة الأمم المرتبطة بالدولار من أجل الانشقاق عن أمريكا ومبايعة العملة الصينية المدعمة بالذهب والاقتصاد العيني الصيني.

ولعل هذا هو السبب وراء ما يتررد من حديث عن حرب عالمية ثالثة، وهي لا تعدو أن تكون حربًا بين إمبراطورية ربوية آفلة مركزها الولايات المتحدة الأمريكية وإمبراطورية ربوية يافعة ومصنعة مركزها الصين، وهي حرب تعددت تسمياتها من حروب الظل إلى الحروب الهجينة إلى حروب الجيل الخامس إلى الحروب الصامتة، وهي تسميات مختلفة لحرب يخشى كل طرف فيها أن تفلت الأمور عن السيطرة وتتحول إلى حرب نووية شاملة.

والسؤال المهم اليوم بالنسبة إلينا هو: متى يأتي الدور على العرب والمسلمين ليقولوا للغرب والشرق معًا لن نستمر في بذل ثرواتنا ودمائنا لتكون غطاءً للربا لأية جهة كانت في الغرب، أو في الشرق، فنحن أمة لا تؤمن بالربا، ويعود الدينار الإسلامي من جديد بغطاء حقيقي، وليس بغطاء ربوي ليصنع حداثة لا تشبه حداثة الغرب، وتتفوق عليه حضاريًا وأخلاقيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد