تمهيد

لقد نشأت التجارة العالمية ومؤسسات الجات لخدمة تجارة الدول المتقدمة، فالهيمنة التي تمارسها الدول الكبرى على الاقتصاد الدولي وإصرارها على حماية أسواقها وصناعاتها الوطنية ضد المنافسة الأجنبية جعلت من الجات ناديًا للأغنياء، يقف أمامه الفقراء كالأيتام على مائدة اللئام، فالدول المتقدمة هي التي تضع القوانين والأحكام والمبادئ والمؤسسات الاقتصادية، ليس من أجل الصالح العام للدول بل للمصالح الخاصة بالدول المتقدمة، فالنظام الرأسمالي يقوم في جوهره على الحرية والمنافسة الكاملة دون قيود تعرقل الدول في تجارتها.

إلا أن هذه المبادئ العامة للنظام الرأسمالي، تتغيير وتتبدل عندما تضر بمصالح الدول المتقدمة، فالولايات المتحدة الأمريكية لها قانون تجارة صادر عام عام 1974م، به قسم يعرف بالقسم 301 وهو نوع من الخرق الفاضح والصريح لأحكام اتفاقية الجات، وهذا القانون يخول للإدارة الأمريكية فرض عقوبات من جانب واحد ضد صادرات الدول الأخرى التي تتخذ إجراءات تجارية أو غير تجارية يعتبرها المشرع الأمريكي غير عادلة، أو ضارة بالمصالح الأمريكية، مثل عدم احترام الدولة لحقوق الإنسان، أو إلصاق تهمة تأيد الإرهاب بها، أو اتخاذها إجراءات تضر بالاستثمارات الأمريكية فيها، وهذه تقريبًا نفس الممارسات التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران وحلفائها، ونفس الأسباب التي ادعاها الرئيس الأمريكي لفرض العقوبات على شركة هواوي وهي أن تكنولوجيا 5G به ثغرات أمنية تسمح للصين بالتجسس على الدول.

ولعل هذا القسم 301 من القانون الأمريكي هو يأصل لمبدأ أخذ الحق باليد وشريعة الغاب، فمن المتعاهد عليه أن تلجأ الدول إلى منظمة الجات حسب الاتفاقية وتتبع أسلوب حل المنازعات، لكن شريعة الغاب هي التي تحكم وتتحكم، والغريب في الأمر أن الكونجرس الأمريكي أقر عدة تعديلات على قانون التجارة الأمريكي عام 1984م و1988م منح فيها الرئيس الأمريكي سلطة فرض قيود عقابية ضد الدول الأجنبية في كل حالة يرى فيها أن المنافسة فيها غير عادلة!

وهذه السلطة استخدمها الرئيس الأمريكي ترامب ضد الصين بفرض القيود الجمركية على الصين بحجة الحفاظ على الصناعة الأمريكية وأن الصين لا تحترم الملكية الفكرية وأنها تنتهك مبادئ التجارة الدولية، وأنها تقوم بالسرقة التكنولوجية وخاصة في سوق الهواتف الذكية.

فالولايات المتحدة تتمتع بأكبر قوة تكنولوجية في العالم، بالإضافة إلى الإنفاق على البحث والتطوير في مختلف المجالات العلمية، إلا أنها استيقظت من غفلتها على كبوس يهدد عرشها التكنولوجي ويدمر استحواذها على الأسوق العالمية في مجال الهواتف الذكية، فما كان من الرئيس الأمريكي إلا أن أعلن الحرب الاقتصادية على الصين مستخدمًا نفوذه القانوني، وقوته الدولية في شن هذه الحرب على العملاق الصيني، فالأمر ليس فقط تراجع حصة شركات الولايات المتحدة الأمريكية في سوق الهواتف الذكية، وصعود الشركات الصينية، بل الأمر يتعلق بتكنولوجيا متطورة في سوق الهواتف الذكية يحدث ثورة رقمية هائلة، جيل جديد من أجيال الهواتف الذكية، وهو الجيل الخامس 5G.

إلا أن الحصار والقيود تم الرجوع عنها، ليس بسب احترام القوانيين والمواثيق الدولية، بل من أجل الخسارة التي تتكبدها الشركات الأمريكية جراء اتخاذ هذا القرار.

وسنتعرض عن سوق الهواتف الذكية وحصة الشركات الأمريكية والصينية من السوق العالمي للهواتف الذكية.

احتلت هواوي المركز الثاني بتحقيق نمو مبيعاتها بنسبة 50.3% الذي تم ترجمته إلى بيع 59.1 مليون هاتف ذكي في الربع الأول من عام 2019. بلغت حصة هواوي السوقية نسبة 19% بعد الإطاحة بشركة آبل الأمريكية التي حققت حصة سوقية بلغت 11.7% والتي أيضًا حققت هبوط سنوي بنسبة 30.2%، وبذلك تقترب هواوي من سامسونج التي تتصدر قائمة الحصة السوقية بنسبة 23.1% في الربع الأول من عام 2019 [1].

وبالرغم من انخفاض إجمالي معدل شحنات الهواتف الذكية في الربع الأول من عام 2019 إلى 310.8 مليون وحدة مقارنة بـ332.7 مليون وحدة في الربع الأول من عام 2018، ألا أن هواوي حققت معدل نمو بلغ نسبة 50.3% في معدل شحناتها للهواتف الذكية بالأسواق العالمية، بينما انخفض معدل شحنات سامسونج بنسبة 8.1%، آبل بنسبة 30.2%، شاومي بنسبة 10.2% وأوبو بنسبة 6% مقارنة بما حققته الشركات بمعدل شحناتهم في الربع الأول من عام 2018.

تكنولوجيا الجيل الخامس

تعد تكنولوجيا الجيل الخامس فرصة لواضعي السياسات لتمكين المواطنين وشركات الأعمال. وسيكون لهذه التكنولوجيا دور رئيسي في دعم الحكومات وواضعي السياسات في تحويل مدﻧﻬم إلى مدن ذكية، بما يسمح للمواطنين والمجتمعات بتحقيق الفوائد الاقتصادية والاجتماعية التي يوفرها اقتصاد رقمي متقدم كثيف من حيث البيانات والمشاركة في هذا الاقتصاد.

وتعد تكنولوجيا الجيل الخامس بتوفير تجربة محسنة للمستعمل النهائي بتوفير تطبيقات وخدمات جديدة بسرعات الجيغابتات وتحسن كبير في الأداء والاعتمادية. وستعتمد تكنولوجيا الجيل الخامس على نجاحات الشبكات المتنقلة من الأجيال الثاني والثالث والرابع التي حولت المجتمعات وقدمت الدعم لخدمات ونماذج أعمال جديدة.

لنفهم تقنية الجيل الخامس 5G لا بد من استعراض الأجيال السابقة من هذه الشبكات وما كانت توفره من إمكانيات:

شبكات الجيل الأول 1-G

عبارة عن تقنيات كانت تقتصر على إمكانية إجراء الاتصال الخلوي باستخدام الهاتف أثناء التنقل.

الجيل الثاني 2G

إضافة إلى إمكانية الاتصال الخلوي، قدمت شبكات الجيل الثاني إمكانية إرسال رسائل نصية عبر شبكات الهاتف النقال من خلال تحويل البيانات إلى إشارات رقمية.

الجيل الثالث 3G

وهي تمثل بداية الثورة التقنية في مجال الاتصال الخلوي عالي السرعة الذي يوفر إمكانية إرسال واستقبال مختلف الوسائط المتعددة، صوت وصورة ونص بسرعات عالية.

الجيل الرابع 4G LTE

ركزت التقنيات التي تنطوي تحت تصنيف الجيل الرابع على سرعة البيانات، فخدمة LTE تقدم سرعة بيانات أسرع بـثماني مرات مقارنة مع تقنيات الجيل الثالث 3G.

أما شبكات الجيل الخامس 5G هي الجيل الخامس من الشبكات اللاسلكية وأحدث تقنية تكنولوجية خلوية حتى الآن، وبشكل دقيق هي مجموعة القواعد التقنية الحديثة التي تحدد طريقة عمل الشبكة الخلوية، بما في ذلك الترددات المستخدمة وكيفية التعامل مع المكونات المختلفة للشبكة مثل معالجات الحاسب والهوائيات مع الإشارات الراديوية وتبادل البيانات معها. وتم تصميم شبكات الجيل الخامس 5G لزيادة سرعة الشبكات اللاسلكية واستجابتها، حيث يمكن للبيانات المنقولة فيها أن تنتقل بمعدلات تصل إلى 20 جيجا بايت في الثانية، بالإضافة إلى توفير زمن انتقال قدره 1 ميلي ثانية أو أقل للاستخدامات التي تتطلب تغذية راجعة في الزمن الحقيقي.

وستتمكن شبكات الجيل الخامس من تحقيق زيادة كبيرة في كمية البيانات المرسلة عبر الأنظمة اللاسلكية بسبب زيادة النطاق الترددي وتقنيات الهوائيات المتقدمة.[2]

مميزات الجيل الخامس 5G[ 3]

زيادة سرعة نقل البيانات وتقليل الزمن بشكل كبير.

ميزات كثيرة لإدارة الشبكة مثل تقسيم الشبكة والذي يسمح لمستخدمي شبكات الهاتف المحمول بإنشاء شبكات افتراضية متعددة ضمن شبكة فيزيائية واحدة.

توفر أدوات للإشراف على المشتركين لتسريع العمليات.

تقوم الخدمات عالية الجودة لتقنية الجيل الخامس على سياسة تجنب الخطأ.

توفر عمليات بث ضخمة للبيانات من رتبة الجيجابايت والذي يدعم ما يقارب 65000 اتصال.

تقدم بوابات نقل متناسقة وفائقة.

تجعل إحصائيات حركة المرور عبر الشبكات أكثر دقة.

تقدم للمستخدمين حلول سريعة أفضل بوساطة تقنيات الإدارة عن بعد.

عمليات التشخيص عن بعد بشكل أكثر دقة.

ويتوقع البدء في نشر شبكات الجيل الخامس التجارية بعد عام 2020، عند الانتهاء من معايير تكنولوجيا الجيل الخامس، وبحلول عام 2025 ، تتوقع الرابطة GSMA [4].

أن تصل توصيلات تكنولوجيا الجيل الخامس إلى 1.1 مليار نسمة، نحو 12% في المائة من إجمالي التوصيلات المتنقلة. ويتوقع أيضًا أن تزيد الإيرادات الإجمالية للمشغلين بمعدل نمو سنوي مركب مقداره 2.5% بحيث تصل إلى 1.3 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2025.

وتقوم الصين حاليًا باختبار الجيل الخامس فى جميع المدن والمقاطعات الرئيسية بما فيها شانغهاى قبل عمليات الاطلاق التجارية فى العام القادم . وسيتم تشغيل 28 % من الاتصالات المتنقلة في الصين على شبكات الجيل الخامس بحلول عام 2025، وهو ما يمثل حوالي ثلث جميع وصلات الجيل الخامس على الصعيد العالمي بحلول هذه المرحلة[5].

ومن المتوقع أن يستثمر مشغلو الهواتف المحمولة 574 مليار دولار على شبكات جديدة بين عامي 2018 و2025، بما في ذلك 370 مليار دولار على شبكات الجيل الخامس الجديدة، ومن المتوقع أن تستثمر الصين وحدها 184 مليار دولار على 5G بحلول عام 2025.

وأنفقت هواوي التي تعهدت في السابق باستثمار ما بين 10 و20 مليار دولار سنويًا في مجال التطوير والتطوير 89.7 مليار يوان أو 13.23 مليار دولار على أعمال البحث والتطوير في عام 2017، وهو ما يمثل 14.9 % من إجمالي إيراداتها [6].

وسوف تخصص هواوي ما بين 20 و30% من هذا المبلغ لبحوث العلوم الاساسية، بزيادة عن توقعاتها السابقة البالغة 10% بالإضافة إلى 80,000 من موظفيها، أو 45 في المائة من إجمالي القوى العاملة، يعملون في مجال التطوير والتطوير.

وأنفقت شركة هواوي على البحث والتطوير R&D في تكنولوجيا الجيل الخامس من عام 2009م :2013م 300 مليون دولار، وفي عام 2017م 1.4 مليار دولار، وهذا يبين أن الشركات الصنية قد وضعت الخطط الاستراتيجية المسبقة وبدأت العمل عليها منذ 10 سنوات [7].

بالإضافة إلى أن شركات التكنولوجيا الصينية التي تقودها هواوي تمتلك حوالي 10% من براءات الاختراع الأساسية لشركة 5G في جميع أنحاء العالم، وهو ما يُعد قفزة كبيرة مقارنة بحصتها في العصور الرابعة والثالثة.

وقد تنبهنت دول عديدة لتكنولوجيا الجيل الخامس من سنوات وعملت على الاستثمار على المدى البعيد على تكنولوجيا الجيل الخامس، فقد أعلنت حكومة المملكة المتحدة في 2016م عن صندوق تطوير مشروعات بمبلغ 740 مليون جنيه إسترليني للاستثمار في شبكات ألياف محلية كاملة لدعم تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس. ويجري حاليًا توزيع الأموال عبر عملية تنافسية على السلطات المحلية في المملكة المتحدة.[8]

وتقوم الحكومة الأسترالية بوضع ورقة توجيهات بخصوص تكنولوجيا الجيل الخامس يحدد ﻧﻬجًا لسياسات هذه التكنولوجيا في أستراليا، بما في ذلك إنشاء فريق عمل معني بتكنولوجيا الجيل الخامس لتيسير الحوار المستمر مع الصناعة. وتبرز الورقة الإجراءات التي توفر الطيف في الوقت المناسب وتبسط الترتيبات التي تمكن موردي اللاسلكي من نشر البنية التحتية الرقمية بسرعة أكبر وتكلفة أقل[9].

كيف سيؤدي الحظر الأمريكي على هواوي إلى خفض صناعة التكنولوجيا العالمية؟

كشف تقرير رويترز الأخير عن كيفية تأثر شركات التكنولوجيا التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها سلبًا بالقرارات الأمريكية الأخيرة بشأن تقنيات هواوي[10].

وسيؤدي هذا القرار إلى إلحاق ضرر اقتصادي كبير بالشركات الأمريكية التي تتعامل معها هواوي، ويؤثر على عشرات الآلاف من الوظائف الأمريكية، ويعطل التعاون الحالي والثقة المتبادلة القائمة على سلسلة التوريد العالمية، هواوي تنفق 70 مليار دولار على شراء المكونات من شركات التكنولوجيا العالمية في عام 2018. بلغ إنفاق هواوي على مكونات من شركات التكنولوجيا الأميركية 11 مليار دولار.

كما ستتعرض مجموعة من الموردين الآسيويين والأوروبيين للأذى إذا اضطرت هواوي إلى الحد من الإنتاج، في حين أن شركات الاتصالات التي تعتمد على هواوي، وقاومت إلى حد كبير الدعوات الأمريكية لمنع الشركة، سوف تترك تتدافع تمامًا كما تسابق البلدان للبدء في العمل الجيل القادم من شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول.

وسيضطر مشغلو الاتصالات في أوروبا إلى إنفاق 62 مليار دولار إضافية أو حوالي 55 مليار يورو لبناء شبكات الجيل الخامس إذا حظر الاتحاد الأوروبي شراء معدات الاتصالات من شركات مقرها الصين مثل هواوي و ZET[11].

بالإضافة إلى تصاعد التكاليف في بناء شبكات الجيل الخامس، ستواجه أوروبا تأخيرًا تكنولوجيًا في الجيل الخامس بحوالي 18 شهرًا، وفقًا إلى تحليل الصناعة الذي أجرته GSMA [12].

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد