لم يك اختيار مدينة وارسو البولندية اعتباطيًا، من حيث الزمان والمكان، من طرف أمريكا وإسرائيل، ومعهم بعض من العرب، لحشد الدعم العالمي الإعلامي أولًا، والسياسي ثانيًا، ضد الدولة الإيرانية؛ لأن الجانب العسكري قادرون عليه وحدهم، في ظل التكنولوجيا المتوفرة لديهم، ولا يحتاج في الواقع إلى دعم دويلات ليست قادرة حتى على الدفاع عن نفسها، ولا يتقن جنودها من فن القتال، إلا أكل الكبسة وغير القادرين أصلًا على إنتاج حتى مادة الأرز الذي تعد منه. ولكن إطلاق الحملة ضد إيران من مدينة وارسو له دلالات رمزية مرتبطة بالتاريخ والسياسة وأخرى دينية.

الدلالات الرمزية

من الناحية التاريخية، وارسو هي عاصمة دولة بولندا، أكبر وأهم موطن كان يجمع اليهود في العالم، شكلت مركزًا للثقافة اليهودية وعاش خلالها اليهود عصرًا ذهبيًا بفضل التسامح الديني السائد آنذاك. واسمها لا زال مرتبطًا أيضًا بما يسمى المحرقة أو الهولوكست، التي كانت السبب في شتات و هجرة السواد الأعظم منهم.

من الناحية السياسية ارتبط اسم المدينة بتجمع عسكري أفرزته الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، سمي حلف وارسو، ذو مرجعية وأيديولوجية شيوعية اشتراكية، نكاية لحلف «الناتو» الذي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية ذات الفكر الإمبريالي. كلا الحلفين كانت تجمعه مبادئ وأسس عقيدة عسكرية مشتركة.

أما في ما يخص الجانب الديني، فمدينة وارسو كانت مهدًا للحرب الدينية التي خاضها الكاثوليك ضد اليهودية، أواسط القرن التاسع عشر، نجم عنها ما يسمى المحرقة والشتات كما أسلفنا.

وبالتالي فإطلاق الحملة ضد بلاد فارس من وارسو كان نتاجًا لتلاقي فكرين على النقيض تمامًا، عقائديًا ومذهبيًا ولغويًا.. حول هدف واحد مشترك.

نيو ـ وهابية ونيو ــ صهيوني

عندما نشأت الوهابية كفكر ديني، بداية القرن التاسع عشر، على يد محمد بن عبد الوهاب، كان هناك توافق بين السلطة والدين على أساس سياسي، وذلك من أجل تطويع القبائل العربية، في نجد والحجاز، وحصرها تحت عباءة السلطان باسم الدين، مستغلة الفكر التكفيري ضد أي خارج عن الملة الوهابية، وإباحة الجهاد ضد هؤلاء الخوارج الجدد، حتى وإن كان على نفس العقيدة، مسلمًا موحدًا، رغم ان التوحيد هو جوهر الإسلام. توافق سياسي ديني انتهى بميلاد ما يعرف اليوم بالممكلة السعودية.

أما فيما يخص الحركة الصهيونية، فقد نشأت أواخر االتاسع عشر وبداية القرن العشرين، على يد تيودور هرتزل. وهي الحركة التي عملت على استغلال الدين، أيضًا من أجل أغراض سياسية لإيجاد وطن قومي لليهود، وفق نظرية أرض الميعاد، وسط الشرق الأوسط العربي، انتهت باحتلال أرض فلسطين.

كل هذه الأحداث التاريخية، والتي ليست من تأليفنا نحن البسطاء، بقدر ما كانت استراتيجيات قوى غربية عظمى، سخرت الدين لخدمة السياسة، انتهت اليوم بإحداث صيغة جديدة لحلف قديم في مدينة وارسو، تجمع بين الفكر الصهيوني الذي لاعلاقة له بالدين اليهودي، والفكر الوهابي الذي يستند على فكر التكفير والتضليل لكل من يخالف الرأي الوهابي، حتى وإن كان مسلمًا. صيغة قد تكون النسخة الجديدة للوهابية بمعنى نيو ــ وهابي مع حذف مبدأ التكفير والجهاد منها، ضد أي احتلال حتى وإن كان إسرائيليًا، ونيو ـ صهيونية التي انتهت من مشروع إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين، لتشرع في وأد القضية الفلسطينية وعزلها عن طابعها العربي الإسلامي، لمواجهة العدو المفترض لكلا الفكرين والمتمثل في الدولة الإسلامية الإيرانية ذات المذهب الشيعي والقضاء على أذرعها المقاومة المنتشرة على أطراف فلسطين المحتلة. بمعنى آخر ستكون وارسو بداية لصفقة القرن.

الصفقة ستدفع النيو ـ وهابيين والنيو ـ صهيونيين إلى مواجهة قد تكون عسكرية مع إيران، غايتها حصر المذهب الشيعي خشية تمدده الى أرض نجد والحجاز، وتقليم مخالب المقاومة المسلحة، وبذلك تكون وارسو أول مدينة في التاريخ استطاعت أن تجمع التاريخي بالسياسي بالديني. فالحلف الذي كان يحمل اسم وارسو قد تلاشى، ولم يعد يذكر إلا نادرًا، وهي رسالة عسكرية مشفرة لإيران وحلفائها في المنطقة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ذي النزعة الاشتراكية، العدو اللدود آنذاك للولايات المتحدة الأمريكية والعدو أيضًا للصهيونية؛ لأن مذهب ماركس الذي كان يعتنقه الحلف كان مبنيًا على حق الشعوب في المقاومة وتقرير المصير ودعم حركات التحرر في كل بقاع العالم، وهي رسالة سياسية أيضًا مشفرة للنظام الفارسي.

من هذا المنطلق التاريخي الأيديولوجي لمدينة وارسو، وما عاشه اليهود فيها، أصبحت إيران دولة مارقة، لأنها امتلكت قوة نووية يراها الغرب بعيون إسرائيلية تهدد السلم والأمن الدوليين، ويراها الإيرانيون بعيون الثورة الإسلامية حقًا للدفاع عن النفس.

لماذا إيران فقط

بعد أن وجدت الوهابية في العرب أدوات سهلة التطويع، استطاعت العمل على برمجة الإنسان العربي، فكريا، لتزكية نظرية السلف الصالح والآخر الطالح والعمل على التكفير في حق الشيعة، ومن ليس من الجماعة، وإخراجهم من ملة إبراهيم.

إيران التي أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، تملك قوة عسكرية هائلة وعرفت تطورًا تدريجيًا نوعيًا يضاهي القوى العظمى في شتى المجالات، بفضله استطاعت تحت الحصار أن تلج نادي العظماء النووي، ورغم ذلك لم تحتل شبرًا واحدًا من أرض الغير، وتعيش حصارًا جائرًا منذ عقود ثمنًا لنهجها العقائدي، ووجودها في سوريا، ولبنان وفلسطين المحتلة تمليه العوامل الجيوإستراتيجية للمنطقة التي تعيش على صفيح ساخن منذ وعد بلفور، والخيارات الجيوسياسية والجيوإستراتيجية حق لكل دولة في العالم ومرهونة بقواعد الاشتباك، ولا تقتصر على إيران وحدها. لكن الغريب في حلف وارسو الجديد من أجل حرق الدولة الفارسية، الشيعية المذهب، لا قدر الله، كما حرق اليهود سابقًا في وارسو، هو أن وقوده عربيًا هذه المرة، وهي الرسالة الدينية المشفرة كذلك، حيث لم تعد القضية الفلسطينية تستحق أن يراق على جوانبها الدم، و لم تعد قضية الأمة الإسلامية الأولى، ولكن الوجود الإيراني في المنطقة أصبح الخطر الذي يتهدد الشرق ومسألة أولى القبلتين باتت ثانوية بالنسبة للحكام العرب حين فرض الاحتلال الإسرائيلي أمر الواقع عليهم مقابل العروش أو جر رقابهم إلى المقصلة.

حلف وارسو الجديد عرف حضور دول مؤسسة لحلف عدم الانحياز، وهو الحلف الذي يعتبر عدم التدخل في الشؤون السياسية للدول الأخرى أحد أهم مبادئه، تبقى السعودية أبرز تلك الدول، إضافة إلى الإمارات، اليمن والبحرين وهي الدول العربية التي اختارت أن تجلس جنبًا إلى جنب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي تطالب بمسح إيران من خارطة الأمة الإسلامية أو على الأقل حرقها وتدمير قدراتها العسكرية ووأد فكر الثورة الإسلامية التي بات لهيبها يصل عروش مماليك الخليج.

وارسو إذًا على موعد مع التاريخ لإعادة سيناريو المحرقة، التي التهمت اليهود في بولندا، لكن هذه المرة ليست بالفكر الماركسي الذي يعتبر «الدين أفيون الشعوب»، بل يغذيها الفكر الوهابي الجديد، وقبعة نتنياهو لورانس العرب الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد