الاستهجان هو سيد الموقف الآن، لطالما اعتبرتُ الكتب كائنات حية بعد أن صادفت مؤلفين جددًا غيروا حياتي قليلًا –كما تقول الممثلة ليف أولمان في مذكراتها (أتغير)-، تصطف الكتب كالطابور العسكري بانتظامٍ شديدٍ في مكتبتي، الرف الأوسط هو رف الكتب الجديدة والتي سأقرأها قريبًا، وكلما ازداد ازدحام الرف أضع كتبًا منه في رفٍ مغلق دون قراءتها، هنا تتملكني مشاعر الحزن (وا أسفاه، سأموت دون قراءة هذه الكتب)، أمر في شارع الجامعات أمام المكتبات أو شارع النصر وأرى كتبًا جديدة فأرى نفسي جالسًا في غرفتي أقرأ هذا الكتاب.

أما بعد..

لم تعد الدهشة تمتلكني لأن أقرأ أي جديد، وصفة الخشوع في القراءة هربت من بين يدي، حتى الهوس في أرفف الكتب ومجلدات الأفلام صار عاديًا، في كل مرة يسأل الزائرون إلى البيت «هل قرأت كل هذه الكتب؟» ولا جواب لدي سوى الصمت، أو تأمل الكتب مرة أخرى، وربما أحاول إيجاد كتابٍ جديدٍ لأعود للقراءة للحظات، وأصمت من جديد.

في أول مرة قررت الكتابة عن العجر الذي أصابني فجأة كنت أتجول في سوق اليرموك، ولم أكن لأول مرة أبحث عن الكتب، ولم أجد في نفسي أي حاجة لأن أدنو لألتقط كتابًا سواء كان جديدًا أو مستعملًا، وأنا الذي لطالما أحب اقتناء الكتب المستعملة صفراء الورق، الممزقة من الأطراف، كنت فعلًا مصابًا بشهوة جامحة للكتب، لكن يومها كنت عاجزًا جدًّا عن الكتب! رغم أنني كنت خارجًا لتوي من غرفتي التي تعج بشكل مجنون بالكتب.

المجد لي!

مازحًا، انتصرت على نفسي ولم أنتظر من نفسي أن تُهزم أمام أي عائق غير أنها أصيبت بعجزٍ عن شهوة كانت تتملكني دومًا، لا مجد لشخص لا يقرأ، القارئ يعيش في شخصيات الكتب وأحداثها، ويقوده الخيال في الكتب إلى أماكن لا يمكن أن يصلها وهو بعيدٌ عن الكتب، القراءة في محادثة حميمية مع شخص تحبه أو (تعشقه) هكذا تعيش في جو القراءة، كما كنت أعيش في غرفتي التي أوجدتُ لها موقعًا على تطبيق SWARM بعنوان (الصومعة)، وفي كل مرة أقوم بتحديد موقعي فيها أكون قد بدأت بالعزلة والانخراط في كتابٍ جديد أو مستعمل.

نعم يبدو الأمر في أعلاه سيئًا جدًّا، هذا حالي لوقتٍ ما، أصبحت قارئًا عاديًا وأنت كذلك عشتَ معي تجربة لم تكن مصادفة، وصدقًا أنا أكتب تجربة واقعية انتهت بفشلٍ ذريع في أنني لم أعد قارئًا؛ بل أصبحت قارئًا صديقًا للكتب.

صديق الكتب

هو الشخص الذي يشعر بحاجة الكتاب له، يشعر بأن كتابًا يشتكي كمًّا من الغبار يعتليه، صديق يعرف أن هناك كتابًا على رفٍ في مكتبته يشتكي من الكاتب الذي وضعه في موقفٍ محرج في مكتبتي.

عليّ الآن أن أقتنع بأنك أيضًا صديقٌ للكتب.

شارع الجامعات: هو شارع الثلاثيني في مدينة غزة يلقب بشارع الجامعات تحديدًا في منطقة الجامعات يضم عددًا من المكتبات.

شارع النصر: في مدينة غزة، توجد فيه مكتبة من أربع واجهات، كل واجهة تحتوي أغلفة كتبٍ تزيد على المئة.

سوق اليرموك: يوم الجمعة صباحًا، هو سوق يمكن أن تجد فيه كل شيء جديدًا كان أو مستعملًا، وفيه من الكتب القديم والمستعمل الكثير بأسعارٍ خيالية لا يمكنك أن تتصور أنك تستطيع شراء 5 كتبٍ بما يعادل دولارًا واحدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد