يحكي فيلم «في بيتنا رجل» لإحسان عبد القدوس، ابن حركة يوليو (تموز) ورئيس تحرير أخبار اليوم في العصر الناصري، عن مناضل مصري «إبراهيم حمدي»، يجسد دوره عمر الشريف، قُتل قريبه أثناء مظاهرات الطلبة والعمال في حادث كوبري عباس الشهير، فقرر الانتقام بقتل رئيس الوزراء الخائن الموالي للإنجليز، من ثم يقبض عليه ويعذب حتى يدخل أحد المستشفيات، ولكنه يستغل فترة الإفطار في شهر رمضان ليهرب إلى منزل زميله الجامعي «محيي زاهر» غير المهتم بالسياسة الذي يجسد دوره حسن يوسف، فيعيش في منزله فترة هربًا من الحكومة، بينما يخطط لتفجير أحد معسكرات الجيش، ثم يموت أثناء تنفيذه هذا المخطط.

الفيلم لإحسان عبد القدوس أحد أبناء يوليو المخلصين، يمجد فيه ممارسات العنف الفردي ضد الاستعمار وعملائه في الداخل، ويجعل من ممارسه بطلًا ومناضلًا.

لا يمكن فهم ذلك دون النظر إلى السياق الاجتماعي الذي ولد فيه هذا الفكر كأحد سبل المقاومة، التي اندلعت ضد الاستعمار، الذي احتل الكثير من بلدان المنطقة، وهكذا فمن بطرس غالي، إلى القاضي الخازندار، مرورًا بأمين عثمان وغيرهم ممن اغتيل بهذه التهمة، وُلد جنين العنف الفردي في مصر، ومثله في بلاد أخرى بالمنطقة.

ولعلنا نلاحظ أن ممارسة العنف الفردي في الفيلم نتجت من فشل المظاهرات السلمية للطلبة والعمال في 1946، والجريمة البشعة التي ارتكبها النظام ضدهم بفتح كوبري عباس على المتظاهرين وإغراقهم، وهكذا فدائمًا ما يكون فشل طرق التغيير السلمي وانسداد الأفق السياسي هو الحافز الأساسي للعنف الفردي، ليس فقط ضد الاستعمار، ولكن أيضًا ضد من يوصفون بعملاء الاستعمار.

وفي السياق نفسه كان لنشأة الكيان الصهيوني في فلسطين أثر كبير في حرف طبيعة الصراع وهذا العنف الفردي، وإعطائه بعدًا طائفيًّا ودينيًّا، خاصة بعد الموقف المخزي لليسار المصري الذي اصطف أغلبه خلف قرار الاتحاد السوفيتي بالاعتراف بالتقسيم.

ومع سقوط الاستعمار في المنطقة، عدا فلسطين بالطبع، كان من الممكن أن يتوقف هذا الميل للعنف الفردي في المقاومة، بترسيخ قيم وممارسات الديمقراطية، والتغيير السلمي، وتداول السلطة، ولكن استمرار الممارسات الديكتاتورية، وغلق المناخ السياسي، والقمع من قبل النخب التي حلت محل الاستعمار في الحكم، والذي طال كل محاولات التغيير السلمي، ووفر المناخ الملائم لعودته من جديد.

والمفارقة هنا أنه في الوقت الذي اختفى فيه الاحتفاء بهذه الممارسات من قبل النخب الحاكمة الجديدة، كان إحسان عبد القدوس من أكبر معارضي العنف الفردي، ووصمه بالإرهاب الأسود بعد ذلك، بل كان من أهم مؤيدي اتفاقية كامب ديفيد في عصر السادات، كانت الحجج التي قدمها إحسان عبد القدوس في الفيلم هي نفسها التي ساقتها الجماعات المسلحة لتبرير العنف الفردي والإرهاب ضد هذه النخب الحاكمة، فهذه النخب قد مارست العنف نفسه، والقمع والاستغلال الاقتصادي الذي مارسته الإمبريالية ضد مجتمعاتها.

وأيضًا انعكست حالة التخوين السياسي التي مارسها خطاب السلطة ضد المعارضة، بوصفها بالجهل والعمالة للخارج، في خطاب هذه الجماعات التي تبنت العنف ضد الدولة بوصفها لمعارضيها أيضًا بالكفر والجهل، والتبعية والعمالة للإمبريالية، وكان للتفريط في القضية الفلسطينية بكامب ديفيد بعد ذلك أكبر الأثر في التعزيز من تماسك خطاب هذه الجماعات، وكان من نتائج هذا اغتيال «السادات» نفسه، والذي كان للمفارقة يومًا ما عضوًا بأحد التنظيمات التي تبنت هذا النهج في المقاومة.

كما عزز سيادة المنطق الأمني والاصطفاف المجتمعي في مواجهة الاٍرهاب على حساب الحياة السياسية، من فرص انتشار أفكار مثل هذه التيارات بين الشباب الفقير البائس، الذي يعيش معادلة حياتية صفرية مفتقدًا البوصلة والأمل في التغيير للأفضل، خاصة مع الاندفاع المتزايد من قبل الدولة والنخب الحاكمة نحو المزيد من القمع لتمرير سياسات الليبرالية الاقتصادية.

فالعلاقة بين ظواهر مثل الإرهاب والاستبداد علاقة جدلية لا يمكن التعامل معها تعاملًا منفصلًا؛ فقد خرج الإرهاب من ظلمات سجون أنظمة القمع وقت الاستعمار وبعده، ثم ظهرت التأويلات الفقهية المتشددة من بطون الكتب القديمة لتضفي الشرعية عليه، ثم تمت عسكرة الدولة والتعامل الأمني مع هذا العنف، وسدت الدولة المستبدة كل سبل التغيير الأخرى، فزاد هذا من تأجيج نيران العنف الفردي في عقولهم، وهكذا.

كان كل هذا على خلفية حالة من التشوش المفهومي بين غالبية النخب التنويرية المصرية، التي سطحت الصراع وعزلته عن جذوره الاقتصادية والاجتماعية، كما جعلت من الدولة الملاذ الدائم لها، يراهنون عليها لفرض تنوير من أعلى، أو على الأقل جعل التحالف معها ضد الاٍرهاب أولوية، وهو ما ساهم في تزايد عزلة هذه النخب وأفكارها التنويرية عن الجماهير، وترك الشارع فريسة لهذه التأويلات الانتقائية العنيفة المتشددة.

إذن كان إرهاب الدولة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، التي هي امتداد لممارسات المستعمر، الحافز الرئيسي لإعادة إحياء العنف الفردي والفقه الخاص به وسيلة للتغيير، وبالتالي فمحاربة الإرهاب الفردي ومقاومة استبداد الدولة وممارساتها عمليتان متزامنتان ومتلازمتان، لا يمكن تقديم إحداهما على الأخرى، وليس كما فعل حزب التجمع في الثمانينيات، عندما قرر الاصطفاف مع الدولة ضد الإسلاميين.

ولا يمكن هنا الفصل بين النظام الرأسمالي عمومًا، وبين نمو هذه النزعات العنيفة، ليس فقط بسبب ما ينتجه النظام الرأسمالي من فقر هو بيئة خصبة للبلطجة والعنف، ولكن، وعلى عكس ما قد يظن القارئ، فالرأسمالية لا يهمها الممارسات الديمقراطية سوى بالقدر الذي يخدم مصالحها، أما لو تعارضت مصالحها مع الممارسات الديمقراطية والحق في التغيير الجماهيري المنظم، خاصة عند السعي لمزيد من الخصخصة وسياسات التقشف المعادية للفقراء، الأولوية لديها ستكون دعم النخب الحاكمة وممارساتها الاستبدادية والديكتاتورية دون تردد، فالدولة في التحليل الأخير هي إحدى أهم أدوات البرجوازية لحفظ مصالحها، والأمثلة على ذلك كثيرة، سواء تاريخية، أم في الواقع المعاصر.

وهذا مرتبط بطبيعة النظام الرأسمالي الذي ربما كان في بدايات نشأته يحمل طابعًا ثوريًّا منحازًا للجماهير في معركته ضد الإقطاع في أوروبا، ولكن مع استقرار الوضع له بانتصاره على الإقطاع، اكتسب الطابع المحافظ المعادي للتغيير والحراك الجماهيري من أسفل.

وفقًا لهذا؛ فمواجهة الاٍرهاب والعنف الفردي لا بد أن تتزامن وتتلازم، ليس فقط مع التصدي لسياسات الاستبداد والإفقار التي تمارسهما الدولة ونخبها على المستوى المحلي والقومي، ولكن أيضًا مع السعي بكل السبل للقضاء على النظام الرأسمالي برمته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد