في عالم ما قبل الحداثة، جادل ماركس، أن الطبيعة تُهيمن على المجتمع البشري، والوعي الذاتي بالقليل من مبادئ التطور، وأن الرأسمالية تحول علاقة الإنسان بالطبيعة.

وبأن رفَع القوى الإنتاجية هو السبيل لتحقيق التنمية الاجتماعية، حتى الآن هي تنجح في هذا؛ بتحقيق عجائب تتجاوز الأهرامات الفرعونية، والزقورات والقنوات الرومانية. ولكنه يفصلُ أيضًا، الإنسانية عن الطبيعة والبشر.

ظهر هذا جزئيًا في اقتصاد السوق، بتقنيات التعبئة، والصناعة الآلية؛ مما ساعد على خلق فئة من العمال لا يملكون أرضًا، ولا يملكون شيئًا لبيعه، لديهم العمل فقط.

وهكذا للمرة الأولى، أصبح العمل سلعةً، تباع في السوق، مثل منتجات العمل، ولم يعد العمال يتمتعون بحق التصرف في السلع التي ينتجونها، فقد انفصلوا عن منتجات عملهم.

في المجتمع الإقطاعي، كان البشر يهيمنون على الطبيعة، حتى الفلاح كان خاضعًا لسيده، في كثير من الأحيان بطريقة وحشية. إلا أن الفلاحين عملوا بشكل عام أرضهم، وأنتجوا معظم الأشياء التي يحتاجونها لأنفسهم وأُسرهِم.

ادعى ماركس أن العامل أصبحَ غريبًا عن طبيعته، في المجتمعات الرأسمالية، مرةً أخرى، بتعبير أنه (أوقفَ هيغل على قدميْه). فقد رأى هيغل الاغتراب، بالترغيب والإغراء عن طريق الله، في اعتماد البشرية على المتواري، البعد الميتافيزيقي المتعالي، الذي لا يستطيع الوعي البشري إدراكه، والذي يُنكره ماركس، فيعتبر العامل غريبًا عن الكائن الذي ينتجه لأنه مملوك من قبل الآخر، الرأسمالي. كما هو أيضًا غريب عن نفسه لأن (نتاج عمله، مستقل خارجه، كشيء منفصل بشكل تام عنه) و(يصبح قوةً من تلقاءِ نفسه).

في عام 1864، كان كارل ماركس واحدًا من الثوريين الذين يحاولون إنشاء «جمعية الشغيلة العالمية» أو المعروفة بالأممية الأولى، وقد كتب في رسالة إلى صديقه الرفيق فريدريك إنجلز، وهو عبارة عن ديباجة، مكتوبة بشكل سيئ، وغير واضحة تمامًا، ادعى أنها إعلان المبادئ. أعاد ماركس صياغة الإعلان، فضلًا عن مجموعة من القواعد للجمعية الجديدة.

لم يكن من الممكن توضيح ماركس لنفوذ أفكار الحق والحقيقة والأخلاق والعدالة، فهي مفاهيم قد يكون من الضروري الاعتراف بها من أجل الشكل، ولكن يجب دائمًا أن تكونَ بعيدةً، حيث لا يمكن أن تصنع أي ضرر.

وقال عالم الاجتماع الألماني فيرنر سومبارت، وهو ماركسي مبكر، إن إنجلز هو الشخص الوحيد الذي فهم رأس المال، وأن الماركسية تتميز عن جميع الأنظمة الاشتراكية الأخرى من خلال اتجاهها المعادي للأخلاق، ففي كُل الماركسية من البداية إلى النهاية، لا توجد قيمة أخلاقية واحدة، وبالتالي لا يوجد المزيد من الأحكام الأخلاقية، البعيدة عن الافتراضات الأخلاقية.

كانت مسألة علاقة ماركس بالفكر الأخلاقي مثيرة للجدل بشكل كبير، وخاصة بين الماركسيين. ويرى الكثيرون أن الماركسية، كما فعل سومبارت، ترفض فكرة الأخلاق ذاتها.

كما كتب ليون تروتسكي في كتابه الشهير «أخلاقهم وأخلاقنا» أن الأخلاق أكثر من أي شكل آخر من الأيديولوجية، ذات طابع طبقي. فالطبقة الحاكمة تفرضُ غاياتها على المجتمع، وتُعيدها إلى النظر في كل الوسائل التي تتعارض مع غاياتها غير الأخلاقية.

إن الأخلاق، كما قال ثراسيماخوس في حواره مع سقراط «جمهورية أفلاطون»: هي عملية احتيال، ومجموعة من القواعد التي اخترعتها الطبقة الحاكمة، لتعزيز مصالحها الخاصة، وإبقاء الجميع تحت وطأة القوّة.

ومع ذلك، فإن فرض الضرائب، في تصور نقد الرأسمالية ليس بالأمر المعنوي، كتبَ تيري ايجلتون عن محاولات لدفع الأخلاق من الماركسية، فإنه من الصعب حينئذ أن نرى سؤال: لماذا يجب أن يوصف التعامل مع المجاعات أو مكافحة العنصرية أو نزع الأسلحة النووية بأنه جيد؟ وهو ما يُسقطهُ الماركسيون العرب، أمثال سمير امين، وصادق جلال العظم، أن ماركس نفسه كان يستخدمُ اللغة المعيارية استخدامًا حرًا، فماركس أدان  العبودية والعنصرية والفساد (السرقة) ووصف الرأسمالية بأنها وحشية ولا إنسانية، وقال إن الاحتفال يجب أن يكون «بالحرية».

فماركس لم يرفض الأخلاق على هذا النحو. مثل هيغل، الذي رأى أن الأخلاق ليست ثابتة، غير منقاد، ثاو ٍ فوق المجتمعات البشرية، ولكن التاريخ والتغيير، نتاج التنمية الاجتماعية.

وعلى عكس هيغل، لم يكن ماركس يرى التاريخ كتكوين الروح. بدلًا عن ذلك، كانت المادة، وكانت القوة الدافعة للتاريخ مسعىً إنسانيًا، ولا سيما الصراع الطبقي.

 كما لم ير ماركس، كما رأى هيغل، أن الدولة البروسية هي النصب الشاهق حتى نهاية التاريخ.

وبدلًا عن ذلك، أصر ماركس على أن الرأسمالية قد رفَعت النضالَ الطبقيّ إلى أعلى مستوياته، وأن التناقضات المتأصلة في أسلوب الإنتاج الرأسمالي ستشهد في نهاية المطاف، الإطاحةَ بها، والاستعاضة عنها بالشيوعية.

ما كان مهمًا لماركس لم يكن مهمًا لمعظم الفلاسفة الأخلاقيين، أي تحديدُ كيفَ ينبغي أن يتصرف الناس في هذا المجتمع، وأي مفهوم للأخلاق يجب أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة التحّول الاجتماعي.

رفضَ ماركس التعامل مباشرة مع المسائل الأخلاقية التقليدية، التي احتلت نقاشاتِ كَاَنط، هيوم، وجون ميل وغيرهم، ولأن هذه الأسئلة في نظره لا علاقة لها بمهمة تجاوز الرأسمالية.

ماركس لم يكن، مع ذلك، غير أخلاقي أو نقيض للأخلاق. فقد رفض الأخلاق القائمة على أفكار الفائدة والمصلحة الذاتية أو المعنوية. كان نقده للرأسمالية متأصلًا إلى حد كبير في اشمئزازه الأخلاقي، من تأثيرها على الروح الإنسانية.

«أن يكون الإنسان»  لماركس، يعني امتلاك القدرة بوعي للعمل وتحويل العالم، باستخدام اليدين والعقل في النشاط الإنتاجي. فقط من خلال هذا النشاط، اقترحَ  أن البشر يطورون أنفسهم.

ماركس مثل روسو وهيغل، وضع تحقيق الذات في قلب تفكيره الأخلاقي، ينظرُ أن البشر أدركوا أنفسهم على وجه التحديد، من خلال عملهم. وكتب أن الإنسان يطور صلاحياته الغارقة ويجبرهم على التصرف وإطاعة تأثيره.

في ظل الرأسمالية، وفقًا لماركس، يصبح العمل شيئًا يُحّقر بدلًا عن أن يتم تبنيه. فيقول: إنهُ لا يؤكد نفسه في عمله، هو ينكرُ نفسه، ويشعرُ بالبؤس، ولا يُنمي طاقةً عقليةً أو بدنية، بل يهلكُ جسده ويدمر عقله.

في ظل الرأسمالية عندما يفعل المرء ذلك، يكتبُ ماركس، تشعرُ نفسه بحرية نشّطة في وظائفه الحيوانية، الأكل والشرب والإنجاب، ولكن في وظائفه البشرية لم يعد يشعرُ بنفسه. لا يكون أي شيء سوى حيوان. وبالتالي تحت الرأسمالية يصبحُ الإنسانُ حيوانًا.

وبعيدًا عن رفضِ الإدعاءاتِ الأخلاقية، كان ماركس مدفوعًا بعُمق بمسائل إزدهارِ الإنسان، وكيف يمكن للبشر أن يدركوا أنفسهم على أفضل وجه، حول نوع الحياة الأنسب للإنسان؛ ما يجعل الشيوعية المجتمع المثالي لماركس المظهر الإبداعي للحياة الناشئة عن التطور الحُر لجميع قدرات الإنسان.

غير أن مثل هذه الإنتقادات غير مادية لفهم ماركس والأخلاق، هذه هي الطريقة التي يعرفُ بها مجتمعًا جيدًا، وهو لا يفعل ذلك من حيث واجبه أو عواقبه أو مصلحته الذاتية أو معناه الأخلاقي ولكن من حيث تنمية جميع قدراته، وطاقاته.

إنه مفهومه للأخلاق متميز عن الفلاسفة الحداثيين مثل لوك أو كانط أو جيرمي بنثام، ولكنه قريب من الفضيلة الأخلاقية، بالنسبة لأرسطو، كما هو الحال بالنسبة لمعظم الفلاسفة اليونانيين، كان السؤال الأساسي في الأخلاق هو تنمية جميع قدرات الشخص.

أما بالنسبة لماركس، على عكس أرسطو، فإن السؤال الرئيس لم يكن حول أفضل السبل لتعزيز ازدهار الإنسان في المجتمع ضمن هيكل معين، وبدلًا عنه كان عن نوع المجتمع اللازم للسماح للإنسان بالازدهار. هذا هو السبب في أن موقفه من الأخلاق متضارب جدًا.

في قلب نقد ماركس الأخلاقي هو فهمه للطبيعة البشرية وما أعتبره «اغتراب» البشر عن طبيعتهم.

لم يستخدم ماركس أبدًا عبارة الطبيعة البشرية. يتحدث عن «الجوهرية» وهو مفهوم ماركس الذي اقترضه من زميل هيغل، لودفيغ فيورباخ، والتي عادة ما تترجم إلى «الأنواع» أو «جوهر الجوهر».

إن التمييز بين الطبيعة البشرية والأنواع هو التمييز بين وجهة نظر محركات التصرفات البشريّة على أنها حالة اعتيادية ثابتة وأبدية ومظهر للجوهر البشري، ليس فقط عن طريق الطبيعة، بل أيضًا على شاكلة التاريخ.

كما أنه يميز بين فكرة البشر كأفراد يعيشون في المجتمعات، والبشر ككيان اجتماعي، فلا يعبر عن الفردانية إلا من خلال المجتمع. في تحويل الروح إلى نوع، أوقَفَ ماركس هيغل على قدميه، ورأى التاريخ والطبيعة البشرية في المادية، وليس المثالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رأس المال (كتاب)
عرض التعليقات
تحميل المزيد