«إننا ننتظر المعركة على أحر من الجمر»

 تصدرت هذه العبارة الوجهة الرئيسية لجريدة الأخبار المصرية صباح اليوم الخامس من يونيو (حزيران) 1967، هكذا أعلنها عبد الناصر الزعيم والقائد العربي حينها للعالم والأمة العربية بعد أن انجرفت الاحداث سريعا نحو الحرب، ويبدو أن التوقيت الذي استقبل فيه المصريون لهذا المانشت الحماسي قد تزامن مع عبور القوات الإسرائيلية البرية للحدود المصرية نحو السابعة صباحًا تبعه قصف القوات الجوية في الثامنة والنصف لقواعد الطائرات المصرية، وقد جاءت تلك التصريحات في إطار عدة قرارات قد اتخذتها الإدارة المصرية تباعًا بدأً بحشد ما يزيد عن 10 آلاف ضابط و130 ألف جندي منهم 80 ألفًا من قوات الاحتياط منذ منتصف مايو، ثم المطالبة بسحب قوات المراقبة التابعة للأمم المتحدة المنتشرة على الحدود المشتركة مع إسرائيل، وحتى إغلاق مضايق تيران المؤدية إلى خليج العقبة يوم 23 مايو (أيار) أمام الملاحة الإسرائيلية التي كان بمثابة إعلانًا للحرب، وهو ما يختلف بشكل كبير عن الرواية الرسمية وما يُسيطر حتى الآن على التفكير الجمعي المصري والعربي إزاء هزيمة 1967، وهو أن مصر وقعت ضحية مكيدة مُدبرة ومُفاجأة عسكرية خاطفة أدت إلى نكسة، كما جاءت استمرارًا لعدد من الخطابات الثورية والتصريحات الهجومية الأخرى لعبد الناصر والتي ساعدت بلا شك في شحذ التوتر الذي كان يسود المنطقة قبل ذلك بعدة شهور، وربما كان أكثرها وضوحًا خطابه أمام مجلس الأمة عشية يوم 29 مايو وهو ما جاء جزء منه على هذا النحو..

«الآن نحن على استعداد لمواجهة إسرائيل، على استعداد أن نفتح قضية فلسطين كلها، إن الأمر هو حقوق شعب فلسطين، هو العدوان الذي تم في فلسطين سنة 48 بمساعدة بريطانيا، ومساعدة أمريكا. إن القضية اليوم أكبر مما يتكلمون عليها، هم يريدون أن يحصروها في خليج تيران، وفي قوة الطوارئ الدولية وفي حق المرور، ونحن نقول أننا نريد حقوق شعب فلسطين كاملة غير منقوصة».

لكن عبد الناصر الذي لم يسمح بأيه إمكانية لخيارات التهدئة والتفاوض، بعد أن أعلنها بوضوح لا يترك مجالاً للتفسير أن مصر تُصر على إعادة الأوضاع إلي ما كانت عليه قبل عام 48، لم يتخذ إجراءات دبلوماسية جادة تقوي من موقفه إلا في حدود الضغط الذي يمارسه على السوفييت من أجل تقديم أقصى درجات الدعم، وإعادة ترتيب العلاقات مع المملكة الأردُنية وضمان دعم عسكري من العراق، بالإضافة إلى محاولة تحييد السعودية، بل ولم يعمل بشكل واضح من أجل التأكد من جدية الاستعدادات العسكرية المصرية، وأكثر ما يسير الدهشة أن ناصر مع كل ذلك كان متبنيًا لفكرة دفاعية مفداها أن تمتص مصر الضربة الجوية الأولى من إسرائيل، وفقًا لما ذكره الفريق «محمد فوزي» رئيس الأركان في كتابه «حرب الثلاث سنوات» فإن الفريق «صدقي محمود» قائد سلاح الطيران والدفاع الجوي حينها قد أكد أثناء اجتماع القيادة العسكرية في الثاني من يونيو أن تلقي الضربة قد يرفع من قدر الخسائر إلى 20 %، «مما ينتج عنه تكسيح القوات الجوية وفقا لفوزي».

لكن ناصر أصر على تلقي الضربة الأولى وألا يوجهها، حرصًا منه على كسب التعاطف العالمي وخاصة الولايات المتحدة، وهو نفسه ما ورد في كتاب «البحث عن الذات» للسادات رئيس مجلس الأمة حينها والذي يذكر أن تقدير الفريق «صدقي محمود» للخسائر في هذا الاجتماع كانت لا يتعدى 10%، لكن الواقع كان مختلفًا إلى أبعد من هذا، فلم تحل ظهيرة الخامس من يونيو إلا وكانت مصر قد خسرت 85% من سلاحها الجوي إلى جانب تدمير كل قواعدها الجوية. وفي الاجتماع نفسه يبلغ ناصر رفيقه ونائبه وشريكه في السلطة عبد الحكيم عامر بأنه يرجح أن إسرائيل قد تبدأ الهجوم في اليوم الرابع أو الخامس من يونيو، ولكن يبدو أن عامر لم يكن يأخذ تحذيرات ناصر على محمل الجدية ولا يثق في مصادر معلوماته، بل ويتبنى فكرة مختلفة تمامًا عن ناصر تنحصر في أن إسرائيل لا طاقة لها بمواجهة الجيوش العربية، خاصة بعد اتفاقية الدفاع المشترك التي عُقدت مع العراق والمملكة الأرُدنية، بل ويعمل بكل ثقة على نشر شعوره بالاطمئنان بين قياداته، فنجده بعد انتهاء ذلك الاجتماع يأمر إدارة المخابرات بتوزيع تقرير على القيادات بمستوياتها المختلفة يخبرهم «أن إسرائيل لن تُقدم على هجوم بمعناه الحقيقي وأن الصلابة العربية ستجبرها بلا شك على تقدير عواقب اندلاع الحرب في المنطقة».

كانت هذه الرؤى المحدودة لكل من ناصر وصديقه المنافس له بلا شك جزءًا من التضارب في خطط القوات العسكرية المصرية عشية هزيمة يونيو حزيران، وربما تنافسهم على السلطة سببًا أصيلاً من أسباب هذا التخبط الفادح، فقد كانت القيادة العسكرية المصرية تمتلك أربع خطط على أقل تقدير منذ بدأ حشد قواتها في أراضي سيناء منتصف مايو 1967، الخطة «قاهر» لقوات المنطقة الشرقية، الخطة «فهد» للقوات الجوية، الخطة «فجر» لعزل جنوب إسرائيل عن ميناء إيلات، الخطة «سهم» لقطع الطريق على القوات الإسرائيلية بين رفح وغزة؛ إلا أن تطورات الأحداث قد أظهرت عدم وجود استراتيجية عسكرية ثابتة يُعتد بها خاصةً بعد الأوامر التي صدرت من عامر يوم 25 مايو بتنفيذ الخطة الجوية «أسد» لعزل منطقة النَقب عن شمال إسرائيل، لكنه سريعًا يتراجع بعد لقاء طويل جمعه بناصر الذي لم يعلم بهذا الأمر إلا بعد ان استدعت الإدارة الأمريكية السفير المصري من أجل التهدأه، كما أثبت الواقع أن كل هذه الخطط الاستراتيجية لم تتعد كونها حبرًا على ورق، فلم تكن تمتلك القوات العسكرية المصرية أي إمكانية لتنفيذها لما تُعانيه من ضعف كبير في مستوى التدريب الميداني بشكل عام وقدرتها على الانتشار السريع وتنفيذ هذه الخطط بشكل محدد، بالإضافة للنقص الفادح للمعلومات وتضارب التقارير التي تصل إلى قيادات الجيش المصري وإلى مكتب عبد ناصر، وخصوصًا ما قدمته المخابرات الحربية من تقديرات وتحليلات حول حجم القوات الإسرائيلية وقدراتها القتالية ومدى تطورها، والنطاق الأقصى الفعال للطائرات الإسرائيلية.

وفقًا لشهادة الفريق «صدقي محمود» قائد سلاح الطيران والدفاع الجوي التي أوردها «سليمان مظهر» في كتابه «اعترافات قادة حرب يونيو»، يبرر صدقي فشله المروع في قيادة هذا السلاح شديد الحساسية، بأن أجهزة المخابرات قد فشلت في اكتشاف ما قام به سلاح الجو الإسرائيلي من تزويد طائراته بخزانات إضافية تُتيح لها مدة تحليق أطول مما مكنها بلوغ العمق المصري، وفي كتابه «ضباط يونيو يتكلمون» ينقل لنا «عصام دراز» شهاده طيار احتياط «هشام مصطفى حسن» الذي يؤكد في حسره يملؤها مرارة الهزيمة على أن الصور الفوتوغرافية التي استلمها قائد السرب الذي إلتحق به في مطار العريش بدءًا من 14 مايو بغرض تحديد النقاط الاستراتيجية المستهدفه داخل مدينة إيلات الإسرائيلية كان قد تم إلتقطت عام 1948، أما المحاولة الوحيدة للحصول على معلومات بالتصوير الجوي التي نُفذت قُبيل الحرب كانت صور التقطتها طائرة استطلاع مصرية لميناء العقبة الأرُدني بدلاً من ميناء إيلات كما يذكر «أمين هويدي» وزير الحربية بعد الهزيمة في كتابه «الفرص الضائعة».

لم يكن عامر الذي اتبع التهويش كخطه عسكرية ظنًا منه أنها ستُرعب إسرائيل وتمنعها من اتخاذ قرار الحرب يملك رؤية واضحة لاستراتيجية العمل العسكري قُبيل حرب يونيو، فلم تتطور قدراته العسكرية منذ أوائل الخمسينيات، كما أنه فشل في إدارة حربي السويس 1956 واليمن 1962، وكذلك أخفق في الحفاظ على الوحدة مع سوريا، ولا أحد يعرف لماذا حصل عامر على رتبة المشير، وهي رتبة تماثل رتبة «الفيلد مارشال» التي لا يمكن الحصول عليها إلا رجل خاض حربًا ميدانية حقيقية وانتصر فيها قائدًا لجيوشه، وقد استطاع عامر مع هذا أن يفرض سيطرة مطلقة على القوات المسلحة منذ 1962، بعد أن فشل ناصر في إزاحته عن القيادة المُنفرده بقرار تعين الفريق «محمد فوزي» رئيسًا للأركان بحيث تكون له القيادة الفعلية للقوات المسلحة، على أن يكون عامر وزيرًا للحربية، ويبدو أن الوقت كان قد فات على مثل هذا القرار، فعامر كان قد انتهى من تكوين شبكة متينة من الضباط تسيطر على المراكز القيادية الأكثر حساسية، وتُدين بالولاء لشخصه بعدما أطلق يدهم بالسلطة وأغدق عليهم بالامتيازات وعلى رأسهم «شمس بدران» وزيرًا للحربية و«صلاح نصر» مديرًا للمخابرات العامة، وكان ذلك كافيًا لتراجع ناصر الذي كان أكثر ما يشغله أمان النظام الذي أسسه ويتحاشى الاصطدام مع القوات المسلحة متفاديًا أن تصبح أداة في يدٍ غير مرغوب فيها للانقلاب العسكري ضده.

وحتى بعد هزيمة يونيو لم يكن التخلص من عامر بالأمر الهين، إذ جاءت تعليمات ناصر لوزير الحربية الجديد «أمين هويدي» واضحة بأن تكون خطته لتغير القادة الموالين لعامر على فترات مُتباعدة وبعد استقرار الأوضاع، بل كان نفوذ عامر متجذرًا إلى أبعد من هذا، لدرجة جعلت من قرار وزير الحربية الجديد بإنزال صورة عامر من مراكز الوحدات العسكرية قرارًا مؤجل التنفيذ. وبهذا وغيره صارت المؤسسة العسكرية تعمل لأمان الثورة من أي تململ بين أفرار الجيش ولحماية النظام من أي محاولة للتغيير أكثر منها قوات مسلحة تُجيد القتال الحديث قيادةً وتنظيمًا، وتحت سطوة رجل واحد يجمع بيده جميع خيوطها وولاءاتها قام فقط في الفترة المُمتدة من نصف مايو وحتى بداية الحرب بتغير 12 قائدًا لفرقة ولواء عسكري واستحداث 15 قيادة تعبوية، ووصل الامر في النهاية أن القيادات على اختلاف مستوياتها اعتادت ألا تُنفذ أمرًا إلا إذا كان يحمل توقيع عامر شخصيًا أو بدران، فغرقت الكفاءة العسكرية وسقطت عملية اتخاذ القرار في سلسلة طويلة من التصديقات كلفت مصر 12 ألف قتيل من أنبل شبابها، إضافة إلى 13 ألف أسير ويزيد دفع بالكثير منهم إلى الحدود بجلاليبهم، ألقت بهم قيادتهم دون تشكيلات عسكرية محددة او مهام قتالية واضحة.

كانت الإدارة الإسرائيلية تعلم جيدًا أن القيادة العسكرية المصرية قد بدأت منذ منتصف مايو 1967 في حشد قواتها الحربية على نحو 80 ألف جندي و550 دبابة وألف مدفع داخل أراضي سيناء، وفقًا للتقارير التي حصل عليها «آهارون يارييف» رئيس المخابرات الحربية يوم 19 مايو، إلا أن التقديرات الإسرائيلية قد اتفقت مع تقديرات المخابرات الأمريكية على أن تلك التحركات استعراضية بهدف تخفيف الضغط الإعلامي القادم من السعودية والأرُدن «فلم يغيرا مواقفهما المعادية لسياسات عبد الناصر حتى بعد الهزيمة»، لذلك فضل رئيس الوزاراء الإسرائيلي «اشكول» رد فعل محسوب وفقًا للمؤرخ «مايكل أورين» رفع درجة استعداد الجيش دون استدعاء قوات الاحتياط، فإسرائيل التي يزيد تعداد سكانها عام 1967 عن 2.7 مليون نسمة تمتلك قوة احتياط تصل إلى 140 ألف ترتكز عليهم الحياة المدنية بشكل كامل مما يرفع الخسائر الاقتصادية إلى 20 مليون دولار يوميًا، في الوقت الذي امتلكت فيه مصر قوة احتياط تصل إلى عشرات الآلاف دون أن يتأثر اقتصادها.

إلا أن مصر التي كان يفوق تعدادها السكاني اسرائيل بـ 12 مرة كانت أضعف اقتصاديًا بحيث كان متوسط دخل الفرد في إسرائيل الناشئة يقترب من تسعة أضعاف متوسطه في مصر. كان «إسحق رابين» رئيس الأركان الإسرائيلي ومجموعة كبيرة من القادة العسكريين على عكس «اشكول» يرغبون في حرب استباقية تدربوا عليها منذ 1957، وقد بدأت أصواتهم تتصاعد داخل الإدارة الإسرائيلية مع انهيار مشروع أمريكا وبريطانيا لفتح الملاحة في مضيق تيران تحت رعاية دولية، لكن «ديفيد بن جوريون» رئيس الوزراء السابق والعراب الإسرائيلي يقف بوجه جنرالات «رابين» ويؤكد على أن قرار الحرب يتحمله رئيس الوزراء ومجلسه الذي قرر في 28 مايو منح الدبلوماسية الإسرائيلية فرصة أخيرة، مُعلنها الحرب ليست امرًا يقرره العسكريين بل السياسيين، وهو عينه ما كان يعاني من غيابه النظام المصري الذي يتشكل في أساسه ومنذ تمكين الضباط الأحرار عام 1955 على تدخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في إدارة الشؤون السياسية والدبلوماسية، فبحلول عام 1962 كان العسكريون يسيطرون على 72% من المناصب الوزارية، كما أسندت 80% من مناصب المحافظين إلى ضباط جيش وشرطة، وأصبح جميع سفراء مصر في أوروبا من العسكريين، ويعتمد كذلك في وجوده على أهل الثقة في قمة هرمه التراتبي الجامد مشكلاً نظامًا سلطويًا ينخر فيه الفساد، خاصة في غياب الحد الأدنى من المراقبة المدنية والمحاسبة البرلمانية أو المساءلة الشعبية التي أصابها العجز نتيجة القمع الممنهج من الأجهزة الأمنية الناصرية، وهو العجز المُركب الذي ما زلنا نعاني منه وندفع ثمنه.

في ظل هذه المفارقات العنيفة وغيرها بين النظام المصري والادارة الإسرائيلية علينا أن نتسأل عن أكثر ما كان يُخيف إسرائيل من مصر عبد الناصر منذ التأسيس وحتى هزيمة يونيو؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد