أعلنت إذاعة القاهرة في صباح يوم 23 مايو (أيار) عام 1967 إغلاق مضايق تيران، المؤدية إلى خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية، وقد كان هذا بمثابة تهديد مباشر لموارد إسرائيل من السلاح والبترول، التي تصلها عبر خليج العقبة، مرورًا بمضيق تيران.

لكنه من المؤكد أن هذا الإعلان لم يكن مفاجئًا للأمريكيين وحلفائهم الإقليميين، فقد كانوا يخططون لرد الفعل المناسب على مدار 24 ساعة سبقت ذلك، بعدما وصل جمال عبد الناصر إلى مطار أبي صوير يوم 22 مايو، وبعد أن استقبله نائبه والقائد العام لجيش الجمهورية العربية المتحدة، كما كان يطلق على مصر في ذلك الوقت، المشير عبد الحكيم عامر وقادة الأسلحة المختلفة، أعلن جمال عبد الناصر عن إغلاق خليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية.

جاء قرار عبد الناصر عقب إعلان إسرائيل أنها ستعتبر إغلاق المضيق بمثابة بداية الحرب ضدها، وينقل لنا هذه الواقعة «محمد عبد الحافظ»، وهو أحد ضباط المظلات المصرية في شرم الشيخ حينها.

«صدر لنا الأمر يوم 22 مايو بإغلاق مضيق تيران، وأنا كضابط بالجيش لم أكن أعلم حتى هذه اللحظة أن منطقة شرم الشيخ ومضايق تيران تخضع للمراقبة الدولية، وأن إسرائيل تمر بطريقة طبيعية. عندما صدر أمر بإغلاق مضيق تيران تم نقل فصيلة مظلات بالهليكوبتر إلى جزيرة تيران، وكانت التعليمات بأن أي مركب تعبر المضيق نطلق عليها طلقة تهديد على مسافة بعيدة، إذا لم تتوقف نطلق طلقة أخرى أقرب، وهكذا حتى تتوقف، كان الوضع متوترًا للغاية؛ لأننا علمنا أن غلق مضيق تيران بهذه الصورة يعني بداية الحرب، غلق مضيق تيران معناه إعلان الحرب فعلًا، لم نكن نعلم ذلك في ذلك الوقت ولكننا كنا ننفذ الأوامر الصادرة لنا دون مناقشة».

كان التوتر يسود المنطقة في الشهور السابقة لهزيمة يونيو (حزيران)، خاصة بعدما ادعت دمشق أن هناك حشودًا إسرائيلية تتمركز على حدودها، عقب تهديدات إسرائيلية علنية بالرد على عمليات فدائية فلسطينية جاءت عبر الحدود السورية، لكن مصر لم تصدق ما أعلنته سوريا إلا بعد وصول تقرير سوفيتي لمصر، عن طريق عدة مصادر مختلفة، يوم 13 مايو، يؤكد ذلك.

في إحدى خطابات ناصر أشارت إلى تقارير مُفصلة حول وجود 11 لواءً إسرائيليًّا على الحدود السورية، ويبدو أن اجتماع أحمد حسن الفقي وكيل وزارة الخارجية المصري مع السفير السوفيتي في القاهرة لم يكن المصدر الوحيد لعبد الناصر، فيحدثنا السادات الذي لعب دور رئيس مجلس الأمة حينها، عن لقائه مع نائب وزير الخارجية الروسي، الذي أكد له أن هناك 10 ألوية إسرائيلية تحتشد على الحدود السورية. لكن الأرشيف السوفيتي لا يحوي أية معلومات عن تلك اللقاءات، مما يثير الشبهات وراء دوافع السوفيت، وكذلك كان الأرشيفان الأمريكي والإسرائيلي ينفيان وجود الحشود الإسرائيلية، أما الأرشيف المصري فلا نمتلك المعلومات حول وجوده من الأساس.

ورغم مرور ما يزيد على 50 عامًا لم يقدم أي طرف دليلًا واضحًا على وجود الحشود الإسرائيلية على الحدود السورية. فإن ما ذكره الفريق محمد فوزي الذي كان رئيسًا لأركان الجيش المصري وقتها قد يساعدنا على الفصل في أمر تلك الحشود، فبعد زيارته الجبهة السورية يوم 14 مايو، تفحص صورًا جوية التقطت للجانب الإسرئيلي، ثم قدم تقارير في صباح 15 مايو إلى المشير عامر تفيد بأنه لا يوجد حشود عسكرية إسرائيلية هناك، لكن المشير انطلق في طريقه.

في 15 مايو شاهدت القاهرة مُظاهرة ضخمة للقوات العسكرية المصرية، وهي في طريقها إلى سيناء تحت تغطية من الصحافة والإذاعة، وشعارات من نوعية «هنرمي إسرائيل في البحر»، كذلك وخلال يومين كان العالم، وليست إسرائيل فقط يعلم أن مصر تحشد قواتها داخل سيناء، لكن ليس قبل أن يرتكب عبد الناصر ورجاله مزيدًا من الأخطاء ليقدم مصر فريسة سهلة لقاتل محترف كان حليفه الأمريكي يقترب منه أكثر فأكثر.

في مساء اليوم التالي طالبت القيادة المصرية بسحب قوات المراقبة التابعة للأمم المتحدة المنتشرة على الحدود مع إسرائيل، فبعد أن أصدر عامر الأوامر أرسل الفريق محمد فوزى إلى «جيه ريكي» قائد قوات المراقبة برقية مفادها:

«أصدرت الأوامر إلى قوات الجمهورية العربية المتحدة لتكون على أهبة الاستعداد ضد إسرائيل، إذا حاولت الاعتداء على أي بلد من البلدان العربية.

إن قواتنا محشودة الآن فى سيناء على الجبهة الشرقية، وللمحافظة على حياة جنود المراقبة التابعين للأمم المتحدة، أطلب إليكم إخلاءهم فى الحال، ولقد زودت قائد الجبهة الشرقية بجميع المعلومات عن هذه القضية.

أرجو إعلامي بتمام ذلك».

والمذهل أن عبد الناصر كان قد طلب من عامر أن يكون نص الخطاب المرسل إلى قيادة المراقبة الدولية يدعو إلى إعادة نشر القوات إلى الحدود الدولية؛ أي إلى حدود غزة، التي كانت مصر تسيطر عليها آنذاك، لكن عامر تجاهل ذلك أو أخطأ وأرسل مطالبًا بسحب القوات تمامًا، ويؤكد «ريكي» في مذكراته أن «سحب القوات الدولية لم يكن له سوى معنى واحد، أن مصر قررت خوض الحرب»، وكانت هذه بالضبط الإشارة التي وصلت إلى إسرائيل. فرفعت إسرائيل خلال ساعات درجة استعداد جيشها، ووضعت سلاح الطيران على أهبة استعداده، لكن القيادة الأمريكية طالبت إسرائيل بعدم البدء بالهجوم، فتعهد الإسرائيليون بذلك شرط ألا تغلق مصر مضايق تيران، وهو ما تم بالفعل.

على جانب آخر فهذه ليست محاولة لنفي وجود سياسات أمريكية عامة لجأت وتلجأ للقوة، سواء بقلب الأنظمة أو الحروب المباشرة، وليست أيضًا محاولة لنفي النوايا التوسُعية لدى دولة إسرائيل، التي قامت على الاستيطان والفصل العنصري بالأساس، لكن من المؤكد أن هذه النوايا لم تكن في مجال التنفيذ الفعلي أواخر 1966 أوائل 1967، بل إن قطاعًا واسعًا من ساسة إسرائيل، وخاصةً الحرس القديم، كان يسعى لتفادي المواجهة العسكرية مع مصر، وذلك وفقًا للمصادر الإسرائيلية التي يعرضها «مايكل أورين» في كتابه حرب يونيو.

وبعد مرور ما يزيد على 50 عامًا تظل النظريات المسيطرة على التفكير الجمعي المصري إزاء هزيمة مصر عام 1967، أن مصر وقعت ضحية مكيدة مُدبرة، وهذا ببساطة تفكير أسطوري لا دليل عليه؛ لأننا نجد استنكار الفريق محمد فوزي الذي استبعده عامر من قيادة الأركان في نهاية مايو، يستنكر الاندفاع بالمُطالبة بسحب القوات الدولية وما تبع ذلك من تطورات عسكرية متلاحقة، بعد أن قدم تقريرًا لعامر يعلم به جمال عبد الناصر، ينفي وجود الحشود الإسرائيلية، بل يؤكد على أنهما اطّلعا على تقارير رئيس المخابرات الحربية حينها اللواء «محمد صادق»، الذي أكد جواسيسه في إسرائيل أيضًا على عدم وجود تلك الحشود.

ويظل السؤال يفرض نفسه: هل كانت حقًّا القيادة في مصر ترغب في الحرب؟ أم أن المشير كان أسير اعتقاده الشخصي بأن التهويش سيرعب إسرائيل؟ أم هو ناصر الذي كان يسعى لتحقيق مكاسب سياسية تساعده في صراعه ضد المّلكيات الرجعية في عمّان والرياض، وتدعيم بقائه زعيمًا مُفوضًا في مصر، فلماذا إذن ترك زمام المبادرة في يد إسرائيل؟ هل هو خطأ في الاستراتيجية العسكرية؟ ونقص في المعلومات؟ أم تدن مريع في قدرات قيادة عسكرية عجز عبد الناصر عن تغييرها، أم هو اهتراء مؤسسة مشغولة بشؤون السياسة والمال، كانت في اعتقاد ناصر أنها الضمان الرئيسي لبقائه على رأس السلطة؟

في الحقيقية لم يستثمر ناصر وصديقه الوقت والموارد المتوفرة لخلق جيش كفؤ في الستينات، بعدما تبينت لهم قدراته الفعلية في 1956، برغم شجاعة الجنود ووبسالة المقاومة الشعبية، فقد انشغل عامر ووزير الحربية شمس بدران ورئيس المخابرات العامة صلاح نصر بالصراعات الداخلية، وتصفية المعارضة السياسية، وانشغل ناصر بالخطب الحماسية عبر إذاعة صوت العرب ضد المّلكيات الرجعية وحليفاتها الولايات المتحدة، الذي لم يتورع ناصر في أوج لحظات سخريته منها أن يطالب الإدارة في واشنطن برفع قيمة المساعدات التي تحصل عليها مصر من القمح الأمريكي.

في النهاية لا أحد يستطيع أن ينكر أن واشنطن كانت تسعى إلى إفشال سياسات مصر المناقضة لمصالحها، لكن رغم ذلك فالحرب بين مصر وإسرائيل لم تكن حتمية، ويتحمل ناصر وصديقه هذا الخطأ التاريخي مشتركين، لكن ربما لو كان هناك شركاء آخرون في ميدان السياسة، برلمانًا أو إعلامًا أو أحزابًا سياسية ومنظمات أهلية، لاختفى عامر وزعيمه من مسرح السياسة بعد الأخطاء الفادحة منذ 1956، أو بعد فشل الوحدة مع سوريا، ثم الانزلاق لما حدث في اليمن، لكن في ظل حُكم مؤسسة أخرجت الشعب بأكمله من مجال السياسة، بعد أن تركت ميادين القتال لتتحكم منفردة في ميادين السياسة، فإن الفشل لن يكون اختيارًا، بل ربما يكون قدرًا شبه محتوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد