رَكِبَ الفيلَ وقال: لا تبصروني! هذا وسيم يوسف، الشيخ الذي تهاوى كقصرٍ من الرمال. في عصر تلعب فيه النجومية حجر الزاوية الرئيس؛ فإن الكثيرين يخطبون ودَّ هذه النجومية بأي وسيلةٍ مهما بلغت وضاعتها. حب الظهور قصم الظهور، وربما دفع البعض للإقدام على أمورٍ مخزية، لكن الأضواء البراقة تتلاعب بالعقول. قبل أيام احتاج خبر سرقة الداعية الإماراتي وسيم يوسف مقالات الكاتب أدهم شرقاوي الساحة؛ فالشيخ ارتضى لنفسه أن يسرق في رابعة النهار مجهود وتعب غيره، ولم يتمعر وجهه بينما يعظ الناس ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر!

حمل صباح الثلاثاء الموافق 23 من الشهر الجاري مفاجأةً غير سارة للشيخ وسيم، إذ تهكم شرقاوي بالشيخ على موقع فيسبوك قائلًا: «أقوم أنا والشيخ وسيم يوسف بإصدار برنامج مشترك بعنوان «من رحيق الإيمان»؛ أنا أكتب المقالات في الوطن القطرية وهو يسرقها ويجعل منها حلقات!» ثم يواصل شرقاوي جلد الشيخ وتقريعه لما بدر منه فيقول: «أحييك يا شيخ وسيم على قدرتك التمثيلية، تقول الكلمات وكأنها خرجت من قلبك فعلًا. هذا نموذج وهناك بقية ستأتي». وأرفق شرقاوي فيديو للشيخ وسيم يتحدث بكلماتٍ جاءت حرفيًا في مقال لشرقاوي.

لعلك تعذر شرقاوي على تهمكه إن تمعنت قول الحريري في مقاماته: «واستراق الشعر عند الشعراء أفظع من سرقة البيضاء والصفراء، وغيرتهم على بنات الأفكار كغيرتهم على البنات الأبكار». تباينت ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي إزاء هذه البادرة المنكرة. مثل هذه السقطات ربما تغتفر للعوام، لكن إقبال من يُفترضُ فيهم توجيه الناس على مثل هذه السرقات غير مبررٍ بأي حال.

رد وسيم يوسف على اتهام أدهم شرقاوي حمل من الركاكة والسطحية الكثير؛ فغرد قائلًا: «ضحك الناس على كاتب فقالوا له: وسيم يوسف أخذ مقالاتك! غضب الكاتب وقال: هذه سرقة! لم يخبره الناس أني أقول دائمًا في الحلقة التي بها مقال: كتب أحدهم، يقول الكاتب، قال أحدهم!» ثم واصل الشيخ بنبرة التعالي والزهو فقال: «برنامجي وصل 450 ساعة، ومقالاتك لو جُمعت لا تصل لنصف ساعة. يكفيكَ شرفًا أني قرأتُ لك مقالًا». ربما يجد البعض رائحة قول إبليس: «أنا خيرٌ منه» تفوح من كلمات وسيم يوسف.. الشيخ!

وقد أعاد هذا الحدث للأذهان جرأة وزير الإعلام السعودي، عادل الطريفي، على أمير الشعراء، أحمد شوقي، التي ضجت لها مواقع التواصل. فأثناء ندوة حوار شباب عكاظ ضمن فعاليات سوق عكاظ في دورته العاشرة/ أغسطس 2016 نسب الطريفي لنفسه قصيدة شوقي ومطلعها:

قالوا: فروقُ الملكِ دارُ مخاوفٍ لا ينقضي لنزيلها وسواسُ
وكلابها في مأمنٍ فاعجب لها أَمِنَ الكلابُ بها وخَافَ الناسُ

ألقى الطريفي القصيدة مادحًا بها أمير مكة، خالد الفيصل، الذي حضر الندوة. الطريفي المنوط به الحفاظ على الحقوق الفكرية والأدبية لم يتمعر وجهه وهو يسرق أمير الشعراء، وظن أن حضور أمير مكة مسوغًا كافيًا لسرقة أمير الشعراء! انتشر وسم (هاشتاج) #عادل_الطريفي_يسطو_على_قصيدة_شوقي انتشار النار في الهشيم، وكانت انتقادات الناس للطريفي لاذعة للغاية، حتى قال الشاعر عبد الله المقحم ردًا على الطريفي:

لو كان شوقي حيًا قال من عجبٍ ويحَ الثقافةِ حاميها حراميها

وسيم يوسف نكَأَ جُرْحًا غائرًا، وأعادنا لمطلع العام 2012 حين طالعتنا الصحف بصاعقة الخلاف بين الكاتبة السعودية سلوى العضيدان والشيخ الدكتور عائض القرني. كانت العضيدان قد اتهمت الشيخ بسرقة مؤلفها الموسوم «هكذا هزموا اليأس»، وأنه أصدر المادة نفسها في كتابٍ له تحت عنوان «لا تيأس»، ودارت رحى الحرب الكلامية بين أنصار الكاتبة والشيخ لفترة طويلة، وانتهت بأمر المحكمة مصادرة كتاب لا تيأس، والسماح بنشر كتاب العضيدان.

السرقة الأدبية معروفة في عالم الأدب والكتابة، وأحيانًا يخلط غير المتخصصين بين السرقة والتناص. سرقة الشعر على وجه الخصوص قديمة وفيها انتقاصٌ لقدر الشاعر؛ لذلك تبرأ منها طرفة بن العبد بقوله:

وَلا أُغيرُ عَلى الأشعار أسْرقُها عَنْها غَنيتُ وَشَرُّ النّاس من سَرَقا

السرقة الأدبية ظهرت بشكلٍ واسع في العصر العباسي الأول، لا سيما بعد أبي تمام إذ انقسم المهتمون بالشعر بين مناصرٍ لأبي تمام ومعارضٍ له، وبدأ الفريقان في تتبُّع الآخر والوقوف على سقطاته. من هذه الآونة عرف الناس السرقة الأدبية ممثلةً في الشعرِ أولًا ثم امتدت للفنون الأدبية الأخرى، والسرقة ليست قاصرة على سرقة اللفظ وإنما تشمل المعنى والفكرة التي يعالجها الشاعر أو الأديب؛ لذلك هاجم ابن الرومي معاصره أبا عبادة الوليد بن عبيد البحتري متهمًا الأخير بسرقة المعاني، ومن ذلك قوله:

حيٌّ يُغيرُ على الموتى فيُلبِسُهُم حرَّ الكلامِ بجيشٍ غيرِ ذي لَجَبِ
ما إن تراه لابِسًا حُللًا أسلابَ قومٍ مضوا في سالِفِ الحِقَبِ
شِعْرٌ يُغيرُ عَلَيْهِ بَاسِلًا بَطَلًا وَيَشْدُ النَّاسَ إيَّاهُ على رُتبِ
حَتَّى إذا كَفَّ عن عَادَاتِه فَلَهُ شِعْرٌ مَقَاسِيِه من الوَصَبِ
أيسرقُ البحتريُّ النَّاسَ شِعْرَهُمُ جهلًا وأنتَ نكالَ اللصِ ذي الريبِ

وقد تباين النقاد القدماء في استعمال مصطلح السرقة؛ فعلى سبيل الذكر استبدل ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) السرقة بمصطلح الأخذ، وبذلك لم يُطلق ابن قتيبة على سارق الشعر لصًا وتابعه صاحب الأغاني ثم عبد القاهر الجرجاني. كان الجرجاني قد استخدم مصطلحات بديلة للسرقة مثل الاستعانة والاستمداد بالإضافة إلى الأخذ.

كيف نقبل اليوم أن يسرق داعية أو منتسبٌ للدين في الوقت الذي استعلى طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي عن مثل هذه الحماقات، ولله درُّ الخطيب البغدادي القائل في الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع: «والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا، وأشدَّ الخلق تواضعًا، وأعظمهم نزاهةً وتدينًا، وأقلهم طيشًا وغضبًا؛ لدوام أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين؛ فيأخذوا بأجملها وأحسنها، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها».

السرقة الأدبية لا يمكن أن تكون تناصًا؛ فالتناص يعني تأثُر الكاتب بما قرأ من نصوصٍ سابقة وتأثير قراءاته في إبداعه، مما يعني أن التناص لا مفر منه. وقد ظهر التناص لأول مرة في سيتينيات القرن العشرين على يد الفرنسية جوليا كريستيفا، وإن كان البعض يشير لأسبقية الروسي ميخائيل باختين في هذا المضمار، إلا أن ما يعنينا في ذلك هو المعنى الاصطلاحي للتناص، وقد حددته كريستيفا بقولها: «التناص أحد مميزات النص الأساسية، التي تحيل على نصوص أخرى سابقة للنص أو معاصرة له». من هنا يتبين لنا أن التناص مزية وليس منقصة لقدر النص، في حين أن السرقة والانتحال لا مزية فيهما على الإطلاق.

التناص يكون في الأفكار أو طريقة المعالجة للفكرة أو التناول، على سبيل المثال شاع الحديث عن تأثر محمود درويش بعددٍ من الشعراء العرب والأجانب مثل نزار قباني، ت. إس. إليوت، ولوركا، لويس أراجون، وبابلو نيرودا، والأخير يعتبره درويش شاعره المفضل، ولم يتنصل درويش من الاعتراف بتأثره بهؤلاء الشعراء وغيرهم. لا حرج في تأثُر الأديب أو الشاعر بغيره؛ فالنص لا يبدأ من العدم مطلقًا، والأديب نتاج ثقافته، فمن الطبيعي أن يتأثر أن يظهر هذا التأثر في كتاباته.

التناص قد يكون ذاتيًا؛ فيتأثر الكاتب بأسلوبه في الكتابات السابقة وهذا من المسلمات، وقد يكون التناص داخليًا أو خارجيًا؛ وهو يشير لحضور النصوص الأخرى في النص؛ فيتأثر الكاتب بمن سبقوه أو معاصريه على المستوى المحلي أو العالمي. قد يكون التناص دينيًا كأن ينقل الكاتب بعض الألفاظ أو المعاني من النصوص الدينية المقدسة، أو أن يكون التناص تاريخيًا وفيه يُحيلُ الكاتب إحالات تاريخية، وقد يكون التناص أسطوريًا،

هل سيعتذر وسيم يوسف عن جُرْمِه؟ أم أنه سيمُرُّ ثَانِيَّ عِطفِه؟!

وللتذكرة: «المتشبِّعُ بما لم يُعطَ كلابِسِ ثوبي زور» كما قال سيد الخلق وحبيب الحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد