يقول ها جون شانج (Ha-Joon Chang) الاقتصادي في جامعه كامبردج إن «الغسالة» غيرت العالم أكثر من الإنترنت لأنها حررت المرأة من أعباء الخدمة المنزلية وهذا أدى إلى ثورة في بنية المجتمع. الآن المرأة تستطيع أن تعمل أكثر من أي وقت في السابق بسبب التكنولوجيا وهذا أدى إلى مضاعفة الأيدي العاملة في سوق العمل مما يزيد إنتاجية المجتمع كله. طبعًا هو لا يقصد فقط الغسالة ولكنه يقصد كل التقنيات الحديثة التي قلصت عمل المرأة في البيت.

هذا طبعًا لا يقلل من قيمة الإنترنت ولكن الحقيقة هي أن الكثير من النساء يساعدن في الكثير من المجتمعات على زيادة الإنتاجية وأبسط الأمثلة من الماضي هي مصانع النسيج وغيرها من المصانع التي كانت ممتلئة بالنساء في الكثير من البلدان النامية مثل الهند، الصين، وحتى مصر. في الكثير من تلك البلدان التي تمثل لها الصناعات اليدوية مليارات الدولارات، تعد النساء منجم ذهب. ليس فقط النساء ولكن أي أيدٍ عاملة خصوصًا إن كانت «رخيصة».
ولكن العالم يتغير كثيرًا مع دخول الثورة الصناعية الرابعة ومقولة هاجون شانج على الرغم من صحتها إلا أن ما يحدث الآن ليس له مثيل من حيث تأثير التكنولوجيا على قيمة «الأيدي العاملة» المهددة بالبطالة ليس بسبب قلة العمل ولكن بسبب الإفراط في استخدام التكنولوجيا، وخصوصًا الروبوتات. طبعًا لا نستطيع أن نجزم بأن استخدام تلك التكنولوجيا بإفراط شيء سيء أو جيد (حتى الآن) ولكن الآن يوجد نقاشات كثيرة في الغرب حول تأثير تلك التكنولوجيا على المجتمع من أوجه عدة. فكما نعرف «الأخلاق» في الغرب ليست ثابثة، فهل ستتغير الأخلاق والقوانين بسبب تلك التكنولوجيا؟ على سبيل المثال: إن كنت أملك روبوتًا وتسبب هذا الروبوت في قتل إنسان، من سيعاقب؟ الروبوت أم أنا؟ قد يظن الكثير من الناس أن الرد على هذا سؤال بسيط ولكن هناك من يدرس هذا السؤال ويعد عنه رسالة للدكتوراة كما كتب عنه جيري كبلان (Jerry Kaplan) في كتابه (Human Needs Not Apply) الذي يتحدث فيه عن الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالأخلاق والعدالة الاجتماعية في دولة مثل أمريكا. في علم الروبوتات يوجد شيء اسمه مفهوم التفرد (concept of singularity) ويناقش هذا المفهوم قدرة الروبوت على تخطي ذكاء الإنسان. فهل سيقتل الروبوت الإنسان لو أصبح أذكى منه؟ حتى الآن التكنولوجيا في الكثير من الأحيان «تحرر» الإنسان ولكن متى ستصبح التكنولوجيا تستعبد الإنسان وتقتله؟ إن لم تكن تستعبدنا الآن… ولماذا لا يقتل الإنسان؟ فهل يؤمن الروبوت بـ«الأخلاق»؟ لذلك تأثير التكنولوجيا بصفة عامة ليس له تأثير مادي فقط بل أخلاقي ونفسي أيضًا.

اليوم في اليابان نظرًا لمعدل نمو سلبي متعلق بعدد السكان، يوجد شركات تصنع روبوتات وظيفتها رعاية كبار السن نظرًا لقلة وقت الشباب. هل يستطيع الروبوت أن يقوم بالوظيفة النفسية التي يقوم بها أي إنسان يراعي إنسانًا كبيرًا في السن؟ أظن لا ولكنهم الآن يحاولون صناعة روبوت بعواطف إنسانية. خصوصًا أن بحلول ٢٠٢٠ سيصبح عدد سكان اليابان الذين يزيد عمرهم عن 65 أكثر من ٢٩% من سكان الشعب أما بحلول ٢٠٤٠ فستكون هذه النسبة وصلت إلى 40%. هذا بسبب تدهور منظومة الأسرة في اليابان. نقلًا عن كتاب «صناعات المستقبل – The Industries of the Future».

طبعًا في الغرب وخصوصًا في أمريكا «سوق المال» يتحرك أسرع بكثير من أي شيء وخصوصًا ما يسمى بـ«سوق الأخلاق». سوق الروبوتات الصناعية ستصل قيمته إلى ٤٠ مليار دولار في ٢٠٢٠. أما قيمة سوق الروبوتات الاستهلاكية فستصل إلى ٣٩٠ مليار دولار في ٢٠١٧.

في كتابه «صناعات المستقبل – The Industries of the Future» الذي يتحدث فيه عن الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة، وجدت أن الكاتب أليك روس (Ross) الذي كان «كبير مستشاري الابتكار» في وزارة الخارجية الأمريكية، يتفق مع ها جون شانج (Ha-Joon Chang) في أن أهم خطوة نحو التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لأي دولة هي دمج النساء في المجتمع وأن يُمَكَنَّ من المشاركة في سوق العمل.

السؤال هو: مع دخول الثورة الصناعية الرابعة هل سيكون هناك مكان لدخول أي إنسان (رجال أو نساء) سوق العمل؟ أم أن روبوتات ستحتل كل شيء؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد