من اليسير دائمًا أن ينبري المرء ليقدم نقدًا لاذعًا لأي من المجالات، ما دام بعيدًا عن هذا المجال وليس من دارسيه أو المشتغلين به، لكن أن تتقدم لنقد مجال أنت من أهله، أو على أقل تقدير من ضمن مريديه ودارسيه، والحديث هنا عن مجال العلوم السياسية، والأقسام التي تقوم بتدريسه في مصر، فهذا لعمري لأمر خطير، فللمجال رجاله، وللمعبد سدنته، وبعض أو جُل دارسي العلوم السياسية يتعاملون مع القسم كأنه القبيلة، ومن يدافع عن القسم فإنما يدافع عن شرف القبيلة، ومن ينقده وينقد قاماته وإدارته فإنما يلطخ شرف القبيلة، وكلما زدت في كيل المديح للقسم ولمنتجه العلمي، فأنت عنترة يذود عن عرض عبس وشرفها. لذا فإلاقدام على نقد كهذا هو وبكثير من التواضع مخاطرة لا تحمدُ عقباها، خصوصًا إن صدرت عن مُبتدِئ في المجال كصاحب المقال.

لذا فالسطور التالية هي في الحقيقة لا تعدو أن تكون مجرد اقتراب متواضع من الإشكاليات التي واجهها الكاتب أثناء دراسته للعلوم السياسية في مصر، وهو اقتراب يأتي من واقع التجربة الشخصية قبل أن يكون نابعًا من واقع البحث والمطالعة، والمقال على الجملة يعبر عن رؤية شخصية وذاتية تمامًا يحملها صاحبه، مع ما تحمله هذه الذاتية من مضامين تتعلق بأفكار وآراء الكاتب الشخصية.

اعتقد البعض لفترة طويلة أن نجاح الاحتلال الأول كان في تنحية الدين من الحياة اليومية بكل مظاهرها، وظلت هذه النظرة سائدة منذ رحيل الاحتلال، وظهر نتيجة لذلك تيار علماني ينافح بكل ما أوتي من قوة عن هذه التنحية، وآخر ذو مرجعية إسلامية انبرى بشراسة يدافع عن المساحات التقليدية للدين، أمام تيارات ما فتئت تردد أن الدين يجب أن يظل كموسيقى تصويرية في خلفية المشهد السياسي والاجتماعي، ووسط هذا الأتون المشتعل أصبح الدين قماشة تتجاذبها الأطراف المتصارعة إسلامية كانت أو علمانية، ودارت المعركة بالأساس لتحديد المساحات التي يتواجد فيها الدين، وتلك التي يلزمه أن يتوارى عنها.

في هذه المعركة المستعرة وفي ظل أتونها المشتعل، حاول أصحاب المرجعية الإسلامية إعادة الدين لمساحاته اليومية المعتادة، كالممارسات الشعائرية، وطبيعة الملبس الإسلامي، والمناسبات الدينية وغيرها. وغاب عن أصحاب هذه المرجعية لفترة طويلة واحدة من أهم المساحات التي نجح الاحتلال، ومن بعده الأنظمة المتعاقبة في علمنتها، هذه المساحة هي التوغل العلماني في المجال المعرفي، وإخراجه الدين من الساحة المعرفية والعلمية بشكل شبه كامل. وإن كان أصحاب هذه المرجعية وبالتحديد في مجال العلوم السياسية قد تنبهوا للأمر فيما بعد في مشاريع بعضها جماعي كإسلامية المعرفة، ومركز الحضارة، أو فردية لأساتذة من القسم كحامد ربيع، ومنى أبو الفضل، ومن جاء بعدهم كسيف الدين عبد الفتاح، ونادية مصطفى وغيرهم.

ظهر نتيجة لهذا التوغل نوع من الدارسين، والباحثين يعظّم علم السياسة الغربي، وكل مقولات فلاسفته ومؤسسيه، بدون الأخذ في الاعتبار ما يحمله هذا العلم من مضامين مرتبطة بالأيديولوجيا الغربية، ورؤية الغرب الخاصة للفرد والعالم. مع استخفاف عبثي بكل ما يصدر عن الأكاديميات غير الغربية، واستخفاف بكل من يوجّه النقد لهذا العلم ومسلماته. وهذا النوع لا يفتأ أن يكرر دعوته إلى القطيعة مع التراث الإسلامي في دراسة ظاهرة السياسة، والاكتفاء بالتزود بالأبحاث والدراسات الغربية في هذا الحقل، ودائم الاستشهاد بفلاسفة الغرب ومفكريه، مبتلعًا لكل ما تنتجه الأكاديميا الغربية في علم السياسة بخيره وشرّه، دون امتلاكه لرؤية فكرية، وأخلاقية راسخة، وأدوات علمية تسمح له بإنتاج معرفة سياسية بديلة، أو على الأقل المواءمة بين هذا الإنتاج الغربي وبين متطلبات واقعنا العربي.

في قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة والذي أشرف بالانتماء إليه على كل حال، وعلى مدار أربعة أعوام هي سنوات البكالوريوس، يدرس الطالب عشرات المقررات في كافة تخصصات العلوم السياسية، يدرس فيها كثيرًا مما جادت به الأكاديميا الغربية من أفكار، ونظريات سياسية، في حين يندر أن تذكر ضمن هذه المقررات، نظريات أو أطروحات لمفكرين عرب، لا مالك بن نبي ولا محمد عبده ولا عبد الله العروي ولا غيرهم، وكأن الغرب منذ أرسطو وأفلاطون قد أخذ صك التنظير والكتابة عن ظاهرة السلطة. وحين يذكر ابن خلدون ونظرياته على سبيل المثال، فإنما يذكر على استحياء، وفي صفحات معدودات في مقرر لتاريخ الفكر السياسي.

حتى مقررات التاريخ، ففي حين يدرس الطالب تاريخ أوروبا مفصلًا في مقرر كامل لتاريخ السياسة الدولية، فإنه لا يدرس أي مقرر مماثل لتاريخ أمته، وقاداتها السياسيين، ومنظريها، ولا يذكرُ شيء عن مواقعها الكبرى ومحطاتها المفصلية. في جريمة مكتملة الأركان تهدف بالأساس لاجترار هؤلاء الطلبة عن تاريخهم، وهويتهم العربية الإسلامية، تُقتلُ الذاكرة الأصيلة لتحل محلها ذاكرة أخرى مشوهه، لا تعرف إلا فضيحة ووتر جيت، وأحداث الثورة الفرنسية، وحروب الأفيون. تاريخ آخر يُشاء لهؤلاء الطلبة أن يذكروه، ووعي آخر يرسخ في نخبة يفترض بها أن تقود الأمة وسياستها.

يلاحظ في هذا الصدد أيضًا كم أن العلوم السياسية في مصر مستهلكة بالكامل بباحثيها، وكتابها، ودارسيها، في الإجابة على أسئلة ليست بأسئلتها. فالاستبداد على سبيل المثال وهو أزمة العرب السياسية الأولى كما يرى العديد من المفكرين، كجمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، لا يخصص له في الحقيقة في مقررات القسم أي مساحة على الإطلاق، ولست مازحًا إن قلت إنك قد تقضي أربع سنوات في قسم العلوم السياسية وتتخرج ولم تسمع كلمة استبداد في محاضرات القسم ومقرراته، في حين أنك ستعرف معلومات أخرى تبدو في نظر البعض أهم كثيرًا ومحورية لهذا الوطن ولهذه الأمة، من قبيل عدد وزراء الحكومة البريطانية، واسم البناية والشارع الذي يقع فيه مقر الحكومة البريطانية. وأكاد أجزم بحكم دراستي أن ما يخصص من ساعات لدراسة نظام الحكم الأمريكي والبريطاني مثلًا، يتخطى ما يخصص من ساعات لدراسة نظم الحكم في البلاد العربية مجتمعة. لذا فالمشهد في الحقيقة هنا هزلي تمامًا وأكثر عبثية حتى من هذه الكلمات.

في القسم نفسه، باتت لمفاهيم كالديمقراطية، والدولة القومية أو -الدولة الوطنية- كما يحلو لبعض أعضاء القسم أن يسموها، أصنامًا تعبد، ورغم ما تتعرض له هذه المفاهيم من أطروحات نقدية شرسه في الأكاديميا الغربية منشأ هذه المفاهيم نفسها، إلا أنه هنا، إياك ثم إياك أن تقدم لهذه الأصنام أي نقد، أو توبيخ، وإلا غضبت عليك آلهة الديمقراطية وحماتها. الدراسة بهذا الشكل غربية بامتياز، وهنا الحديث عن مقررات الشعبة العربية فما بالك بالشعب التي تدرس المقررات بالإنجليزية أو الفرنسية فالأمر يقينًا يصبح أكثر مأساوية.

سيرى البعض حتمًا في هذا الطرح دعوة إلى الرجعية والتخلف، وإعادة لعقارب الساعة إلى الوراء، وسيتحججون بأن علم السياسة اليوم هو علم غربي بامتياز، لذا فما العيب من تقليده واقتفاء أثره. والأمر بهذا الشكل على الحقيقة، إنما هو حق أريد به باطل، فنحن لا ننكر محدودية الإنتاج العربي في حقل العلوم السياسية، بل وضعفه أيضًا، لكن منذ متى وكان ضعف الإنتاج العلمي لأمة ما في مجال علمي ما، مبررًا لأن تقطع هذه الأمة صلتها بإنتاجها في هذا الحقل، أو أن تنبري لتقلد غيرها بشكل أعمى في هذا الحقل؟

إننا في الحقيقة لا نطالب بأن توسم العلوم السياسة بالإسلامية أو بغيرها، أو أن تصبح علمًا لاهوتيًا بشكل ما من الأشكال، إننا لا نطالب بأكثر مما طالب الغرب به في بداية بعثه الحضاري مع بداية عصر النهضة. وهو إعادة الاعتبار لتاريخ هذه الأمة، ولتراثها الفكري السياسي، ولرؤيتها الخاصة للعالم وللفرد. ففي إعادة التأسيس الحضاري لأي مجتمع من المجتمعات، يكون من متطلبات هذا التأسيس، أن تُحيا سير قدوات تاريخية يستمد منها الجيل الجديد نهضته، حدث هذا في عصر النهضة على سبيل المثال، حين تم إحياء التراث الأرسطي، والأفلاطوني، واليوناني بشكل عام وإعادته للواجهة باعتباره باعثًا للنهضة المرجوة. وإذا كنا بصدد الحديث عن محاولة حقيقة لإعادة البعث الحضاري، أو محاولة لإعادة الدين لمساحته المفقودة، وهي الساحة المعرفية، أو محاولة للتأسيس لعلوم سياسية تعبر عن نموذجنا المعرفي، فمن الواجب أن تتم العودة لرموزنا الفكرية والحضارية لنتخذهم منارات لهذا البعث المنشود.

لكن دعونا الآن نمارس نوعًا من الاختبار لفكرة المقال الرئيسية، ولنسأل السؤال التالي: هل نجح علم السياسة الغربي الذي يدرس في أقسامنا الخاصة بالعلوم السياسية في الإجابة على أسئلة الواقع المصري والعربي عامة؟ وهل نجحت هذه الأقسام على مدار تاريخها في إخراج نخب فكرية، وتنفيذية قادرة على فهم الواقع وتغييره؟

الواقع السياسي هو خير من يجيبنا على هذه الأسئلة، فقسم العلوم السياسية كغيره من الأقسام التي تدرس علم السياسة في العالم، يناط به بالأساس تخريج نخب سياسية تقود قاطرات التنمية في بلدانها، هذا دوره الأول والأخير؛ لكن وبنظرة فاحصة للواقع السياسي فلن تجد وللأسف الشديد غير تلك النخبة المثقفة، المزيفة والمزدوجة القيم والمبادئ تتصدر المشهد السياسي، ويخبو أمام بريق ضوئها كل صاحب قلم يبحث بقلمه عن نور الحقيقة في عتمة هذه الأكاذيب.

وها هم من تحدثوا ليل نهار، حتى صُمت من حديثهم الآذان، عن قيم الحرية والديمقراطية والتعددية …إلخ، ها أنت تراهم وقد شاركوا ليس فقط في أنظمة قمعية تعصف بالحقوق والحريات، بل في أنظمة فاشلة على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكثير منهم وللأسف محسوب على هذا الحقل.

فشل حقل العلوم السياسية إذا في تخريج نخب سياسية تفهم الواقع، وتملك أدوات تغييره، ولم يُخرج إلا مثقفين باعوا كل ما تعلموه، أمام بهرجة الكراسي، وعلى أعتاب السلطة.

لكن وإن كانت كتب التاريخ حبلى بمثقفين خائنين، فهي حبلي كذلك بمثقفين تسلحوا بالقلم، وماتوا من أجله في معركة الخاسرين – معركة السلطة – التي لا يدخلها إلا الأشاوس، ومن لا تعنيهم المعارك الخاسرة بقدر ما تعنيهم القضية وشرفها. والقسم لا يعدم أن يخرج أمثال هؤلاء الأشاوس أساتذة كانوا أو طلابًا، وسيأتي حتمًا في كل جيل من يكتب الكلمات ولو كان خائفًا، يفضح بها خيانة هؤلاء المثقفين، الذين خانوا أول ما خانوا الحقيقة، التي باعوها بأسواق النخاسة طلبًا للمناصب، والنياشين، وجوائز الدولة التقديرية.

هذا الفشل الذي يظهره الواقع جليًا في غير لبث، وهذه الطبيعة الغربية لمقررات القسم، هي ما تجعلني أكتب عنوان المقال بهذه الكلمات: »سنواتي الضائعة في دراسة العلوم السياسية في مصر».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد