ليس عليك سوى التحديق بعيني طفلك لتُدرك حجم السعادة التي ستنالها بعد بَذل الجهد والعرق لرسم الضحكات على وجهِه، أنت لا تحتاج إلا ابتسامة وقبلة على الخد وضمّة قوية تشعر فيها بحاجته لحنانِك لتعلم أن رسالتك الأعظم في الحياة هي صنع مستقبل أفضل له، ورغم هذا لا تدرك أنك تحطمه شيئًا فشيء بتصرفاتك غير المدروسة وقِلة اهتمامك بتفاصيل هي الأخطر على حياته، المال لا يصنع العقول المُثقفة والتشجيع غير الممنهج لا يبني جيلًا مقدامًا فلكل مقام مقال وإن كان حبك لأبنائك غير مشكوك فيه فتصرفاتك وقراراتك لا تمتاز بالكمال والمثالية ولا أستثني أحدًا من جريمة الظلم الواقع على عقول الأجيال القادمة، سأوضح كلامي بمجموعة من الحقائق التي تراها وستنال منك آثارها:

1- الفشل الذريع للمنظومة التعليمية التي تمنحها بنفسك الحق في كفالة طفلك لفترة أطول من التي يقضيها مع بيته، التعليم الذي حقق المركز الأخير في إدارته وقبل الأخير في جودته على مستوى العالم.

2- التدني الواضح في مستوى المعلمين والأخصائيين المسؤولين عن العناية بطفلك من بداية التحاقه بتلك المنظومة مما يؤثر بسلبية بشعه على تصرفاته وتفكيره وانخفاض معدل نمو ذكائه، وحقيقة أن اختيار هؤلاء المعلمين يأتي عبر التوظيف الحكومي بعد إنهائهم كليات التربية التي قد يصل مجموع قبولها إلى ٧٥٪ دون اجتيازهم لاختبارات ذات معيار عالمي يضمن قدرتهم على التعامل مع أطفال في مرحلة خطرة كالحضانة و المدارس الابتدائية في حين وضع معايير صارمة لتلك الفئة في دول أخرى.

3- الانحطاط الفني في شتى وسائل الإعلام ذات التأثير البليغ على الطفل في سن مبكر، وراقب عن كثب الألفاظ التي انتشرت بين الصبية والفتيات وشاهد كيف يطبع الفن السلبي على شخصياتهم وتصرفاتهم.

4- انتشار الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي صار أشبه بانتشار النار في الهشيم، هل تدرك أنك تضع طفلك في منفى تام عن التواصل الاجتماعي الحقيقي الذي يحتاجه في فترة بناء شخصيته وتعلم مهارات الاتصال والنقاش، وبرغم هذا تبتاع له بنفسك ما تعلم يقينًا أضراره الجسيمة.

5- اختفاء شبه تام للمعاير الأخلاقية والوعي الثقافي والإبداع بين أبناء هذا الجيل، لم نعد نرى النوابغ من الأطفال في شتى العلوم والفنون إلا من رحم ربي من أبناء المدارس الأجنبية ذات الجودة الممتازة.

يمكنك أن تكتفي بتلك الأسباب الخمس لتعيد التفكير في تصرفاتك التي تكاد أن توصف بالصبيانية المشتتة تجاه طفلك، حاولت جاهدًا الوصول إلى تفسير لتلك التفاقمات التي غيرت من هيئة الأجيال الصاعدة وكيفية تفكيرها واهتماماتها وتطلعاتها التي تمثلت في أغلب الأحيان بحصد المال أو السلطة أو اللهو غير المبرر دون أي ذكر لتحقيق إنجازات تعليمية أو فنية أو حتى رياضية، نحن في انتظار كارثة، قنبلة موقوته نتابع عدادها في ضحكات تظهر شيئا من الإهمال والعجز، أردت أن أرسم مخططًا شاملًا لحياة أطفالي ولكني أدركت أن وسط تلك السموم لن أتمكن من تحقيق حلمي بسهولة وعليّ أن أخرج عن المألوف لمواجهة تحديات هي الأصعب والأشد في مسار حياتي، جمع المال ليس رسالتنا نحن الآباء بل هي أداة ليس أكثر، سأحاول عرض الحلول التي قررت أن أتبعها دون تراجع عند أي مرحلة، فإن أصبت فالله ذو الفضل وإن أخطأت فيكفيني شرف الحرب على مفسدات الفكر والنفس دون استسلام لكلمات سلبية كالظروف وما باليد حيلة وهذا هو المتاح ولنحيا حياة من سبقونا فذلك ما اعتدنا عليه.

1- لبيتك عليك حق

ليس في مالك فقط، بل في صحتك وفي وقتك وفي أولوياتك، ليس لك أن تقدم العمل على رعايتهم باهتمام والتخاذل في مهامك كرب أسرة واسع دوما لتوفير الوقت كي تكون بجوارهم فهذا أثمن من جلب المال لتلبية طلباتهم، وجودك احتياج مهم لك ولهم، واهتم بصحتك، مارس الرياضة بشكل منتظم ولا تتخاذل لتبقى على استعداد دائم لخدمة بيتك، امنح نفسك فترة استرخاء من حين لآخر حتى تتخلص من الضغوط وتباشر مهامك بمعنويات أفضل.

2- أدق التفاصيل.. أخطر التفاصيل

انتبه لحركاتهم ونظراتهم واعلم توجهاتهم وطبيعة شخصيتهم واقرأ أكثر في كتب التنشئة المتبعة عالميًا واستشر مختصين إن استطعت ولا تلجأ لأهل الفتوى في تفسير المشاكل وطرح الحلول غير المجدية، بل الضارة أحيانا، انتبه لألعابهم ومقتنياتهم وامنحهم مساحة خاصة يبدعون فيها مع مراقبة أدق التفاصيل والتزم بتدريبهم وترقية مهاراتهم فحتى الدعابات ستغير من شخصيتهم مستقبلا، الأمر أشبه بملح الطعام، التفصيلة الخطيرة، قد يصنع اللذة أو يفسدها، فلا تجعل تصرفاتك هوجاء فقد تفسد شيئًا رائعا بهم.

3- الميديا سلاح ذو حدين

خبئ جهاز التحكم وضع أمامه ما يروق لك ولا تجعله يسبح في أخطر بحار العالم، لقد نشأنا على حب أفلام الكارتون البريئة واللي تنعش العقل والروح بالأفكار والفنيات ولحسن حظنا فإن عالم الإنترنت منحنا مكتبات عملاقة من تلك الأفلام التي تغنينا عن متابعة التلفاز، يمكنك أن تضيف بجوار هذا بعض البرامج التعليمية الجميلة المنتشرة على يوتيوب وغيره، وتوج كل هذا بقصص الوعظ الديني التي اختفت من على شاشات البث ليحل محلها الرقص والغناء السفيه، كل تلك أشياء بسيطة للغاية لا تحتاج منك إلا اللتفاق مع زوجتك على وضع جدول لكل هذا فتتمكنا من مشاركة المشاهدة وعدم ترك فيروس الإدمان يتسلل لعقله.

4- الصحة أثمن ما بالوجود

ضع نوعية وجودة الطعام في المقدمة ثم بعدها الطعم، كأي شرقي تحب ما لذ وطاب من اللحم ذي الدهن والبهارات الكثيفة مع السمن ذي الرائحة الفواحة وتغوص في الطبيخ والملوخية ولا تدرك عواقب ما تفعل، لقد مرت سنوات طويلة وتشبعت أجسادنا بكل هذا وصار العلاج صعبا ومجهدا فما ذنب الطفل الصغير معنا كي يحيا نفس المعاناة، اسأل عن نظام غذائي صحي لكم جميعًا وحذره من أكل الشوارع والمطاعم ذات الشهادات الصحية الوهمية التي أفسدت بطون الملايين، وأضف فوق هذا متابعة دائمة لصحة طفلك في مشفى موثوق (إن وجدت) ولا تبخل في البداية بالقليل فجريمة الإهمال عقوبتها الكثير والكثير، وضع الرياضة في أولوياتك ومارسها بجواره وأشركه في النوادي الرياضية واجعل تشجيعك المستمر دافعه القوي للتميز.

5- امنحه مساحته الخاصة

ضع أمامه الألعاب التي تنمي ذكاءه في البداية ثم اعرض عليه شتى الفنون من رسم وموسيقى وتجميع وتركيب وتشكيل وتلوين وما إلى ذلك من المواهب الجميلة ثم اتركه يختار ويجرب هذا وذاك وقم بتشجيعه على تطوير مهاراته واعرضه على من يفيده و يوجهه وإن صعب الأمر عليك فالإنترنت مليء بالمواقع المتخصصة في تعليم كل شيء وتنتظر منك ضغطات البحث كي تصل إليها.

6- حارب الدروس الخصوصية

تلك هي النقطة الأخيرة والخطيرة، تلك هي النقطة التي أضاعت أجيالا وقتلت عقولًا كان من الممكن أن تصنع تغييرًا شاملًا في شكل بلادنا، فشل التعليم وتبعنا خطاه دون تفكير، تلك النقمة المسماة بالدروس الخصوصية تسببت في تسيب المنظومة أكثر وأكثر وجعلت الأجيال الجديدة تتحجج وتهمل وتضيع الوقت والجهد دون تحقيق أي إنجاز، انظر لكم الوقت الضائع، شاهد كيف يتشتت ابنك بين مدرسة وبيت ودرس ولا يعلم شيئًا عن الإنجاز والنجاح سوى نجاح الدراسة وعندما يفشل ويصاب بالإحباط نتساءل لماذا ضاعت تلك الأجيال، هل يفتح ابنك كتابًا، هل يبحث عن معلومة مفيدة بخصوص دراسته، هل يضع مخططا للتفكير وحل الأزمات والمشكلات التي تواجهه أم يتعامل بهوجاء عصبية أو هدوء عاجز، هل يملك أي رغبة في تطوير أي شيء يقوم به، قد تجد أطفالًا يحيون كالآلات ونسوا معنى الطفولة أو قرروا أن يستمتعوا بوقتهم وفشلوا في تعليمهم، ثقافات مريضة نتبعها ونقول بكل سهولة هذا لأجل مستقبل أفضل لهم، انظر حولك وأخبرني أين هو ذاك المستقبل الأفضل، لا تضع أعذارًا لك أو لهم واتبع النظم التربوية المطبقة في دول ناجحة متقدمة في تلك المجالات ولن تجد ظاهرة مريضة كالدروس الخصوصية، البدائل متاحة إن علمت طفلك منذ البداية أن يعتمد على نفسه في كسب المعلومة وكيف يجد مصادر تجيبه عن تساؤلاته واستفساراته وبذل جهد أكبر في التعلم، حينها سيكون نجاحه مكتسبا بجدارة ولن تخشى من عواقب وخيمة أثر تواكله على الدروس الخصوصية.

وكما قلت في البداية جميعنا نحب أبناءنا لكن من الحب ما قتل، لا تهملوا الأمانة ولا تضيعوا الرسالة وادعوا الله لنا جميعا بالتوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أخطاء
عرض التعليقات
تحميل المزيد