مما لا شك فيه أن الصراع العربي الإسرائيلي من أعقد الصراعات تاريخيًّا في العالم، ولعل ذلك راجع لكون طرفي الصراع أُمَّتين متناقضتين عقديًّا وسياسيًّا، والمتأمل لصفحات التاريخ بكل تمعن، يجد أن أعتى الحضارات نشأت وازدهرت على ضفاف الأنهار، كحضارة الهند، وبلاد الرافدين، وسبأ.. إلخ، وما كان انهيارها إلا لانهيار الزراعة فيها، ولا زراعة بلا ماء على مر العصور كما هو معلوم، ولطالما أنَّ الأرض أو الوطن برمته أهم الأهداف التي تسعى وتُقاتل من أجلها الحركة الصهيونية، وهو ما تسعى إليه هذه الحركة العدائية بالسر والعلن دون أي تخوف مترقب، ما دامت قد حصلت على الخط الأخضر، كل هذا النضال من أجل ما تحوزه هذه الأرض، والتي بها تعمر الحياة ويستخلف بنو الإنسان، ليكون ذا نفوذ وصلاحية يدير بها شؤون الحياة.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، أن ميلاد الأطماع الصهيونية في المياه العربية تزامن مع ميلاد مشروع الصهيونية التوسعي، ولقد تجلى ذلك منذ 1917 على شكل مشروعات تبين أطماعها وسعيها للسيطرة على المياه العربية، وهذا ما يحكيه لنا التاريخ خطوة فخطوة، وكأن لسان حاله يقول إذا أردتم فهم الحاضر، فعليكم دراسة الماضي.

وهذا ما تسعى إليه الحركة الصهيونية جاهدة، الامتداد والاستعمار على الأرض المزودة بالماء، والتي تمكنهم من توفير سبل العيش بأمن واستقرار، وهذا ما سطره تيودور هرتزل سنة 1897 إلى الإمبراطور الألماني آنذاك، مبرزًا حدود الدولة اليهودية، قائلًا: «لقد سألني الإمبراطور الألماني أيضًا عن الأرض التي نريد، وعن حدودها، وما إذا كانت ستمتد شمالًا حتى بيروت، لكننا سنطلب ما نحتاجه، أنَّ المساحة تزداد مع ازدياد المهاجرين، علينا أنَّ نطل على البحر بسبب مستقبل تجارتنا العالمية، ولا بد لنا من مساحة كبيرة للقيام بزراعتنا الحديثة على نطاق واسع..».

ومع مرور عقدين من الزمن، ظل حلم السيطرة على بعض الأنهار العربية، مثل نهر الليطاني ونهر الأردن، يراود الصهاينة، وهذا ما صرح به رئيس اتحاد النقابات الصهيونية آنذاك – وأول رئيس لإسرائيل – في رسالته لمؤتمر باريس للسلام عام 1919، موضحًا فيها أنه لا معنى لدولة يهودية في فلسطين دون السيطرة على مياه نهري الأردن والليطاني التابع للأراضي اللبنانية [2]، والذي تعرّض لعدة محاولات للسيطرة على مياهه، تمثلت في بعض المشروعات، ومنها مشروع كوتون في سنة 1953، والذي كان من أهم نقاطه أن تحوِّل إسرائيل من خلاله 400 مليون متر مكعب من مياه النهر إلى إسرائيل.

ولم يكتفوا بهذا التمدد والاحتلال اللامبرر فحسب؛ ففي حرب 1967 لمَّحت إسرائيل على لسان مسؤوليها باستخدام القوة للاستفادة من مياه الليطاني، بحجة مياهه الضائعة في البحر، و«لا يسع إسرائيل الظامئة أنَّ تقف مكتوفة الأيدي».

ثم بعد احتلال الجنوب اللبناني سنة 1982 أصبحت إسرائيل مستفيدة من مياه الليطاني، ليتحقق الحلم الثاني على الأراضي العربية للحركة الصهيونية، ليليها ما يسمى بصفقة القرن.

السؤال الذي يطرح نفسه، أين دور القومية العربية بما فيها دول الجوار للأراضي المحتلة؟

وبهذا السياق تشير القراءة التاريخية للبعد المائي في الصراع العربي الإسرائيلي إلى أنَّ إسرائيل لم تتوان عن استخدام القوة العسكرية لإفشال أي محاولة عربية للاستفادة من المياه، فنهر الأردن هو الآخر، الذي كان أحد أسباب اشتعال حرب 1967، نال حظه الوافر من القوة، وبناء على هذه السياسة والاستراتيجة الاحتلالية، نكون قد استوعبنا عزيزي القارئ أن المياه بالنسبة لإسرائيل بمثابة معركة حياة أو موت.

صفقة القرن والمياه العربية.. ألم تكتف إسرائيل؟

في 28 يناير (كانون الثاني) 2020، أعلنت الإدارة الأمريكية تفاصيل الجزء السياسي لـ«خطة السلام» المُشاع تسميتها صفقة القرن، والتي تحتوي في مجملها على 181 صفحة، و22 قسمًا تُعالج عدة قضايا منها تلك المتعلقة بالحدود.

يأتي هذا الاعلان بعد ما يقارب ثمانية أشهر من إعلان واشنطن لجزء الصفقة الاقتصادي الذي حمل عنوان «السلام لأجل الازدهار»، وكان ذلك في ورشة عمل عُقدت في العاصمة البحرينية المنامة في يونيو (حزيران) 2019، ثم دُمج الجزآن تحت عنوان : «السلام لأجل الرخاء: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي».

يفتتح وزير المياه الأردني السابق حازم ناصر مقاله في صحيفة «The Jordan Times»، والمعنون «صفقة القرن: الأسرار الخفية» برفضه ومعارضته لصفقة القرن، فيقول: «نحن نعارض ونرفض صفقة القرن لأسباب سياسية، واقتصادية، واجتماعية، ودينية كثيرة، منها إعاقة التقدم في قضية المياه بين الفلسطينين والإسرائيليين، وكذلك بين الإسرائيليين والدول المجاورة».

يعلّل الكاتب موقفه بأنَّ الصفقة لم تعطِ قضية المياه الثقل المطلوب، مستندًا في ذلك إلى الموارد المالية المخصصة للصفقة ككل؛ إذ يُلاحظ أنَّ إجمالي مخصصات المياه لفلسطين، بما في ذلك غزة وسيناء، وكذا المشروعات المشتركة مع الأردن، لا تتجاوز 3.1 مليار دولار على فترة من سنتين إلى عشر سنوات، وهذا مبلغ ضئيل إذا ما علمنا أنَّ الأردن من جهة أخرى قد أنفق المبلغ نفسه في الفترة بين 2013 و2017، لتغطية الطلب المتزايد على المياه من جهة ولتلبية تدفق اللاجئين البالغ عددهم 1.5 مليون لاجئ.

ويشير إلى أنَّ صفقة القرن ركزت في مشروعاتها على شبكات المياه والخطوط الناقلة من الداخل الإسرائيلي إلى الضفة، وسيناء، وغزة، والأردن، متجاهلة وخارقة في الوقت نفسه للاتفاقيات المبرمة سابقًا.

إنَّ ما يدفع القيادة الفلسطينية لرفض الطرح الأمريكي هو المطالبة بالتنازل عن الضفة الغربية الغنية بالمياه ووادي الأردن بأكمله لصالح إسرائيل.

وختامًا، يمكن قول إنَّ البعد المائي كان وما يزال عاملًا حاسمًا في الصراع بين العرب وإسرائيل، فدائمًا ما يذَّكرنا التاريخ بدور المياه في تحريك الصراعات في العالم بوجه عام، والعرب وإسرائيل بوجه خاص، في ظل إغفال قواعد القانون الدولي التي تنص على التقاسم العادل والمعقول للمجاري المائية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد