عندما سألتني صديقتي عن رأيي في الفيلم بعد إضاءة أنوار قاعة السينما ونزول تترات النهاية، أخبرتها أنه «جوّعني جدًا»، وهذا الانطباع –للآسف الشديد- هو الشيء الوحيد الذي تلقيته من فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» بصدق وحقيقية شديدة.

تدور أحداث الفيلم في ريف مصر، تحديدًا في مدينة بلقاس بمحافظة الدقلهية في قرية صغيرة وبسيطة، وما بدا في الفيلم أن التصوير تم في قرية وبيوت ريفية حقيقية صحيح، وليس في استديوهات تصوير، وهذا كان من المفروض أن يُضفي طابعا واقعيا على الأحداث، لكن حدث ما لم يجعل الأمر واقعيًا بالمرة، فكانت الشخصيات في الفيلم والتي تنتمي إلى هذا الريف لا تتحدث بلهجة الريف المصري على الإطلاق، بل يتحدثون بلهجتنا العادية –لهجة أهل المدينة- وهو أمر لا يحدث على الإطلاق في الحقيقة بين أهالي الريف، لكني أشك أن تفصيلة كهذه سقطت سهوًا من حسابات يسري نصر الله مخرج الفيلم، فأيضًا «الفلاحون» في فيلمه الأول «سرقات صيفية» لم يتحدثوا بلهجة الفلاحين أو حتى بلكنة مغايرة للكنة أهل المدينة.

يوحي عنوان الفيلم بشيء من الجمال، لكن الجمال والبهجة اللذين عكسهما الفيلم تلخصا في شهوة الطعام وشهوة الحب وشهوة الجنس.

بطل الفيلم «رفعت/ باسم سمرة» يعمل طباخا في القرية، وهي مهنة ورثها هو وأخيه «جلال/ أحمد داود» عن أبيه، لكنهما يمارسونها فقط في المناسبات سواء كانت مآتم أو أفراحا، في أحداث الفيلم نراقبهم عن قرب في استعداداتهم لإحدى الأفراح في القرية، النصف الأول من الفيلم يدور حول هذا العُرس الذي كانت طقوسه وأجواؤه أهم بكثير من العروس والعريس اللذين ظهرا في مشهد واحد أو مشهدين، وكان التركيز الأكبر على الفرح واحتفالات الأهل والجيران، ووليمة الأطعمة التي تقوم عائلة «الطباخ» بإعدادها للفرح.

الأكل لذة من ملذات الحياة، وبهجة الأفراح خصوصًا في ريف وصعيد مصر، لا تكتمل إلا بإعداد الصنوف المختلفة من الطعام وبكميات مهولة منه، مهما كانت الحالة المادية لأهل العروسين، فإن العُرس يُقَيّمُ بكمية الطعام التي تم إعدادها وجودته بالتأكيد، وهذا يُفسر لماذا انتابني الشعور بالجوع أثناء مشاهدة الفيلم، حيث قام المخرج بالتركيز على مشاهد الطعام وإعداده والتي استمرت حتى انتهاء الفرح، ورغم ذلك لم يقدم لنا مشهدا واحدا للمدعويين في الفرح وهم يلتهمون الوليمة.

مشاهد تجهيزات الطعام للفرح كانت المدخل الوحيد الذي قدم لنا شخصيات الفيلم وطبيعتها، فجاء تمثيل باسم سمرة متماسكًا وأيضًا تمثيل أحمد داود رغم ضبابية الشخصيات بعض الشيء، وعلى العكس كان أداء ليلى علوي في دور «شادية» مفتعلا للغاية ولا يتماشى مع شخصية المُدرسة ذات الأصول الريفية التي سافرت إلى الخليج مع زوجها ورُزقت بطفل معاق ذهنيًا توفي بعد سنوات قليلة، ثم عادت إلى قريتها في الريف بعد أن طُلقت ترتدي ملابس مكشوفة بعض الشيء لا تتماشى مع بيئة الريف الذي تعيش فيه، بل وتتحدث بلكنة أجنبية كأنها عائدة من بلد أوروبي، وتلوم «فاتن/ لمى كتكت» على خيانتها لأنها تُحب حبيب صديقتها، في حين أن شادية نفسها تقع في غرام جارها «رفعت» وهي تعلم أنه مخطوب لـ«كريمة/ منة شلبي» بعد أن أصبحتا صديقتين.

أما «منة شلبي» فكان أداؤها باهتا وغريبا ولم تُظهر فيه أي شيء يضفي على الشخصية التي تلعبها أي ملامح، بل على العكس، كانت غامضة ورمادية وغير مفهومة، وقد ظلمت نفسها كثيرًا وراء ابتسامتها الدائمة التي لم نفهم منها أي شيء. أما دور «أم رقية» الذي لعبته الفنانة صابرين مختلف عن شخصيات الفيلم رغم غموضه، وهكذا احتفظ بهذا الغموض حتى نهاية الفيلم، فهي امرأة ثرية مبهرجة الثياب متعالية جدًا، ورغم قلة أحاديثها إلا أنها مثّلت الكثير من المشاهد بتعبيرات وجهها التي تتلون إلى لؤم وشر مستتران وراء زينتها الزائدة غير الراقية ومكياجها الصارخ.

أثناء تجيزات الفرح يقع أحمد داود في شِباك إغراءات «حسنية» له –وهي زوجة أخو العريس – فينساق وراءها بلا تفكير في تناغم مع مشاهد إعداد الطعام للفرح فتختلط الشهوات جميعًا في مشاهد متلاحقة كأنها وجبة دسمة تُقدم للمشاهد على معدة خاوية، وبكادرات مصورة بالضوء الأحمر لتنتهي بأغنية المغني محمود الليثي في الفرح والذي ترافقه راقصة أفراح تثير الغرائز دون أن تحمل رقصتها أو حركاتها أي جمال حقيقي.

في حوار مع المخرج يسري نصر الله ضحك عندما ذكر أن مشهد أغنية الليثي في الفيلم مع وجود الراقصة أعجب المتفرجين في حفل العرض الأول للفيلم كثيرًا وأنه سعيد لذلك وإن بدا عليه استغراب خاطف لم يرد الإفصاح عنه، ربما لأنها المرة الأولى التي نشاهد فيها مشهدا كهذا في أفلام نصر الله، وهذا الأمر جديد عليه لأنه لمس إعجاب جمهور أفلامه بالأغنية والراقصة، ولكنه رد على هذا الأمر في الفيلم على لسان «عاشور/محمد الشرنوبي» عندما قال لحبيبته ما يعني أنها أحلى وأجمل من الراقصة وأن الناس فقط اعتادوا على راقصة مثيرة كهذه وأن حبيبته لو رقصت مكانها سوف تعجبهم أكثر منها.

المفارقة اللطيفة أن منة شلبي وليلى علوي كانتا ترقصان فوق السطوح بعيدًا عن ساحة الفرح التي ترقص فيها الراقصة لكن لكل متفرج ذوقه، فهناك من سيتذكر في نهاية الفيلم راقصة الفرح وهناك من سيتذكر رقص ليلى أو رقص منة، الأمر في النهاية محسوم (لذوق) كل متفرج.

تسير أحداث الفيلم بإيقاع مضطرب، وأحيانًا بلا إيقاع أصلا، فتتابع المشاهد والأحداث المرتبكة فلا نفهم أين عقدة الفيلم؟، أين الصراع؟، وإلى أين ستنتهي بنا الأحداث بعد انتهاء الفرح وفض الاحتفال، فنتورط في قصص حب خائبة من طرف واحد، وفي موت الأب فجأة، وفي صفقة عمل لن تتحقق، وفي تورط عاشور في أحداث تكشف عن زواجه السري من الفتاة التي يحبها فيغضب أخوها ويقرر الانتقام منه، فينقلب الفرح إلى حزن، وتنطفئ الأنوار ويحل الظلام في الجزء الأخير من الفيلم الذي صوّر أغلبه في الليل وداخل البيوت والحجرات ذات الإنارة الخافتة.

نتنقل بين أحداث غير قوية بالمرة لن أستطيع أن أسميها «ذروة الصراع» ولكنها (ورطة) لتستمر القصة وتنتهي الحكاية، والتي نسيت تفاصيل أحداثها بعد مشاهدة الفيلم بساعات.

يُخبر الأب «يحيى الطباخ/ علاء زينهم» أبناءه بحكاية قديمة له تراهن فيها مع الباشا الذي كان يعمل عنده طباخًا، لأن الباشا كان مقتنعا بأن الفلاحين لا يملكون ذائقة كالبشاوات والأكابر، وأنه لو طُبِخَ لهم صنف طعام بنكهتين مختلفتين لن يستطيعوا التمييز بينهما، فأعد له الطباخ وجبة واحدة بطريقتين مختلفتين فانبهر الباشا وفهم أن الطباخ الفلاح حقًا عنده ذوق وملكة تذوق، وأن الفلاحين لا يأكلون أي شيء كالبهائم التي لا تفهم لأنهم مجرد فلاحين وفقراء، وهذا يفسر لنا التهكم الذي كان غرضه السخرية من رجال الأعمال والقيادات المهمة في الحفل الذي أعده «فريد أبو رية/ محمد فراج» لهم في بداية الفيلم حيث أمرت زوجته بتغليف أصابع الكفتة في أوراق سوليفان ملونة لتظهر كقطع الـ«بونبون» وهو الأمر الذي اعترض عليه الطباخ لأنه مظهر غير لائق ويعكس انعدام الذوق ويفسد طعم اللحم، لكن أم رقية زوجة فريد اعتبرته مظهرا «شيك» يليق بالضيوف الأكبار، وهو في الحقيقة يعكس جهلهم وانعدام ذوقهم وأنهم مجرد أغنياء عديمي الذوق لا يرتقون حتى لذائقة الباشاوات.

الفيلم في النهاية لم يعكس شيئا، أي شيء، شخصياته رمادية وغير واضحة، أحداثه كثيرة وأغلبها غير مهمة وحذفها لن يؤثر في الأحداث، تختلط فيه كل الأمور ببعضها كطبخة يحاول الطاهي أن يُعدها بصورة جيدة فيُضيف كل نكهاته بعشوائية، ولكنه لا يدرك أنه أضاف مقادير غير متساوية لا تتناسب مع الطبخة التي يحاول إعدادها وأن براعته كطاه وحدها لن تصنع وجبة جيدة لو أن مكوناتها لا طعم لها.

يخرج لنا «نصر الله» في لقاءات سريعة ليقول أن الفيلم «مبهج»، وهل هذا يكفي؟، في الحقيقة هذا لا يكفي على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الماء
عرض التعليقات
تحميل المزيد