لم يكن يتوقع الفراعنة أو المصريون الذين سكنوا على ضفتي نهر النيل وشاهدوا موسم الفيضان وهو يجلب لهم الغرين والماء من الحبشة أن يأتي اليوم الذي يُعلن فيه المسؤولون في تصريحات متفرقة لوسائل الإعلام أننا «داخلون على فقر مائي».

هذا التصريح بالحرف الواحد قاله وزير الزراعة عصام فايد يوم الأحد الماضي، في تعليق على سؤال لأحد أعضاء مجلس النواب له بعدم اتخاذ إجراءات للتوسع في زراعة الأرز في بعض المحافظات، وضرورة توفير المياه اللازمة.

وأضاف وزير الزراعة أن هذا يتطلب من الحكومة أن تتخذ إجراءات من شأنها ترشيد استهلاك المياه في الزراعة وخصوصًا محصول الأرز، من خلال وضع خطة بديلة تعتمد على استيراد سلالات جديدة تستهلك كميات قليلة من الماء ولا تستغرق وقتًا طويلًا في الأرض.

لم يكن هذا التصريح فقط، بل صرح وزير الزراعة الأسبق عادل البلتاجي في سبتمبر 2014 وقال «إننا نقترب بشدة من الفقر المائي نتيجة الزيادة السكانية بجانب سوء استغلال المياه في الزراعة».

وقال وزير الري الأسبق محمد عبد المطلب «إن مصر دخلت في مرحلة الفقر المائي، ولا بد لها من ترشيد الاستهلاك؛ لأن تعداد السكان يزداد باستمرار ونصيب الفرد قل من المياه».

وزير الموارد المائية والري الحالي محمد عبد العاطي قال إن مصر تواجه عددًا من التحديات الجسام التي تتعلق بمحدودية مواردها المائية، التي ترتكز بصورة رئيسية على حصة ثابتة من مياه نهر النيل، وأضاف أن «نصيب الفرد من المياه انخفض إلى نحو 600 متر مكعب سنويًّا، ليصبح تحت خط الفقر المائي».

وحسب التقديرات الدولية، فإن الدولة التي تقع تحت خط الفقر المائي يكون نصيب الفرد من المياه المتجددة بها أقل من 1000 متر مكعب سنويًّا.

هناك عجز مائي حوالي 30 مليار متر مكعب سنويًّا في مصر، ومن المتوقع أن يصل هذا العجز إلى حوالي 70 مليار متر مكعب بسبب بدء تشغيل سد النهضة حيث تسابق إثيوبيا الزمن لاكتماله العام القادم.

المسؤولون سواء السابقون أو الحاليون صدروا لنا الأزمة دون الحديث عن طرق حلها ودون الكشف عن كيفية التعامل معها، هم فقط شخصوا لنا المشكلة دون طرح رؤى وأفكار لمعالجتها أو التقليل من آثارها، مثلهم مثل الطبيب غير الماهر الذي يأتي إليه المريض للعلاج لكن الطبيب يخبره فقط أنه لا يوجد لمرضه علاج وأنه حتمًا إما أنه سيتعايش معه أو سيموت في وقت قريب.

أصبحت الموارد المائية للدولة أقل من احتياجات المواطنين، ومن ثم فمصر تحتاج إلى معجزة كي تنقذها من مرحلة الفقر المائي.

في جولات المفاوضات التي عقدت، لم تنجح مصر في منع إثيوبيا من بناء السد وفشلت في إقناعها بالالتزام بالملاحظات الفنية المتعلقة به، وأخطأت في البداية عندما وقعت مع السودان وإثيوبيا على اتفاق إعلان المبادئ حول سد النهضة الإثيوبي، وحماية مياه نهر النيل في مارس 2015.

بموجب الاتفاقية التي وُقعت بين مصر والسودان في عام 1959، والتي هي مكملة لاتفاقية 1929، تم تحديد حصة مصر من نهر النيل بمقدار 55.5  مليار م3 سنويًا في مقابل 18.5 مليار م3 للسودان، إذن ما فائدة اتفاق إعلان المبادئ؟

المسؤولون في الدولة يدلون بتصريحات متضاربة وغير مفهومة، فهي تارة مبشرة وتارة تبعث على التشاؤم، وتارة أخرى انهزامية، آخرها كانت تصريحات وزير الخارجية سامح شكري عندما قال إن «سد النهضة حيتبني حيتبني، وعلينا أن نقلل من آثاره» دون الإفصاح عن خطة لتقليل هذه الآثار.

كيف يمكن لدولة عريقة مثل مصر أن تعجز عن حل أزمة تتعلق بأمنها المائي الذي بدوره سيؤثر على حصة الأجيال القادمة خصوصًا مع استمرار ظاهرة الجفاف العالمي ونقص كمية الأمطار؟

كيف يمكن لدولة بكل أجهزتها بداية من الرئاسة ومرورًا بالحكومة ثم وصولًا إلى أصغر مسؤول أن تغفل عن أهمية هذا الملف وألا تتعامل معه بجدية، وتترك إثيوبيا تدير الأزمة وتبني السد كما تشاء وترفض أي تدخل مصري في إدارته أو أي تغييرات في مواصفاته وسعة التخزين؟

ما ذنب هؤلاء الأجيال الذين سيأتون ولا يجدون نيلًا زاخرًا متدفقًا كما تعود آباؤهم وأجدادهم؟

كيف سيكون مصير الثمانية ملايين فدان؟ كيف سيروي الفلاحون أراضيهم وكيف سينبت الزرع؟

أين خطط الدولة لمواجهة هذه الأزمة الطاحنة التي ستعصف بنا جميعًا؟ ما هي خطط وزارة الري والزراعة والصناعة، والبدائل المقترحة التي تعوض الشح المائي أو الفقر المائي؟

تحتاج كل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة إلى إجابات شافية من الدولة.

رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي عندما قال:

مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ
وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ
وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِن
عَليا الجِنانِ جَداوِلًا تَتَرَقرَقُ
وَبِأَيِّ عَينٍ أَم بِأَيَّةِ مُزنَةٍ
أَم أَيِّ طوفانٍ تَفيضُ وَتَفهَقُ
وَبِأَيِّ نَولٍ أَنتَ ناسِجُ بُردَةٍ
لِلضِفَّتَينِ جَديدُها لا يُخلَقُ
تَسوَدُّ ديباجًا إِذا فارَقتَها
فَإِذا حَضَرتَ اِخضَوضَرَ الإِستَبرَقُ
أَتَتِ الدُهورُ عَلَيكَ مَهدُكَ مُترَعٌ
وَحِياضُكَ الشُرقُ الشَهِيَّةُ دُفَّقُ
وَالماءُ تَسكُبُهُ فَيُسبَكُ عَسجَدًا
وَالأَرضُ تُغرِقُها فَيَحيا المُغرَقُ
تُعي مَنابِعُكَ العُقولَ وَيَستَوي
مُتَخَبِّطٌ في عِلمِها وَمُحَقِّقُ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد