قال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ الأنبياء 30. فالماء هو مصدر الحياة والعنصر الأساسي في تكوين المادة الحية، وتغطي المياه حوالي 80% من الأرض، أما حجم المياه العذبة الموجودة في الأنهار والبحيرات وفي جوف الأرض، الصالحة للاستخدام البشري فهو 1% من الحجم الكلي للمياه.

وعليه نجد أغلب الحضارات القديمة قد نشأت حول ضفاف الأنهار ومنابع المياه، لتضمن الأمن المائي، والذي بدوره يضمن الأمن الغدائي فتستقر أنظمتها وتحقق التوسع والازدهار في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولأن حاجة الإنسان للماء العذب أصبحت تتصدر أكبر اهتماماته، تشير بعض الأرقام إلى أن أكثر من خُمس سكان الأرض يعانون من أزمة الندرة والجفاف، وكل الدراسات والمؤشرات توحي بأن الصراع القادم بين الشعوب والدول سيكون من أجل السيطرة على مصادر المياه، رغم إبرام اتفاقيات دولية تحد من إمكانية النزاع والتصارع.

والأمن المائي عبارة عن كمية المياه العذبة المتوفرة بشكل يلبي الحاجيات المختلفة كمًّا ونوعًا، مع استمرار هذه الكفاية توازيًا مع النمو السكاني والاقتصادي.

وتعد الدول العربية من الدول التي تعاني من ندرة المياه وشح السدود، رغم وضع خطط وتسطير عدة سياسات للحفاظ على أمنها المائي، والجزائر من دول المغرب العربي التي أضحت تعاني من شح المياه وتراجع نسبتها في السدود وانخفاض منسوب المياه الجوفية مما يؤثر تأثيرًا مباشرًا في التنمية والاستثمار في المستقبل القريب.

والسؤال الذي أصبح يطرح نفسه هنا هو: ما واقع الأمن المائي في الجزائر؟ وما الرهانات التي يمكن الاعتماد عليها لمجابهة هذه الظاهرة؟

كشف المفتش عبد العزيز عرجون بوزارة الموارد المائية عن أن الجزائر مقبلة لا محالة على أزمة جفاف ونقص مياه الشرب، وذلك ببروز عدة مؤشرات سلبية في عدة ولايات من بينها العاصمة، والأسباب الحقيقية وراء هذا الخطر، حسب المختصين، راجع إلى عدة أسباب منها:

– التغيرات المناخية خلال هذه السنوات وقلة سقوط الأمطار، أدى  إلى نقص منسوب السدود ونزول المياه الجوفية.

– وجود خلل في صيانة وإصلاح شبكات توزيع المياه ينتج منه تسرب المياه بشكل متزايد.

– انعدام الإحساس بالمسؤولية لدى المستهلك، وزيادة حجم تبذير الماء بشكل مخيف، مع نقص التوعية في هذا المجال.

– عدم تسطير خطط إستراتيجية تعتمد على معدل نمو السكان وعلاقته بزيادة الاستهلاك، لكل منطقة وخصوصياتها.

– استحواذ الشركات والمصانع على الحصة الكبيرة من المياه لاستخدامها في عملية الإنتاج على حساب الاستهلاك اليومي للمواطن.

وحسب قانون المياه الصادر سنة 2005، فإن السياسة المائية الجديدة تهدف إلى ترشيد استهلاك الموارد المائية مع تحقيق العدالة في التوزيع وهي سياسة تتماشى والحوكمة المائية التي نصت عليها المواثيق الدولية وقوانين الأمم المتحدة، عن طريق تحسين إدارة وتسيير الموارد المائية، وترشيد الاستهلاك.

واعتمادًا على أغلب الدراسات الأكاديمية في هذا الخصوص، وحسب الدكتور أحمد تي والسعيد بوشول، يمكن وضع إستراتيجية وطنية ترتكز على ثلاثة محاور أساسية:

– حشد الموارد المائية: عن طريق تشييد السدود والموانع المائية في المناطق التي بها كمية كبيرة من التساقط، وربطها بالسدود التي تفتقر للأمطار، مع إمكانية تجميع المياه الباطنية من خلال تقنيات حديثة خاصة في مناطق الجنوب.

– حماية اقتصاد المياه، من خلال إعادة تأهيل شبكات مياه الشرب للحد من التسربات والتبذير.

– حوكمة المياه بتطبيق نظم سياسية واجتماعية وإدارية، ملائمة لتطوير إدارة الموارد المائية وتقديم الخدمات المائية على مختلف المستويات المجتمعية.

إشراك كل الفواعل غير الرسمية في جميع عمليات تزويد المياه والمراقبة مع إشراك القطاع الخاص في الإنتاج والتزويد.

ويبقى عامل الوعي وثقافة الاستهلاك هي العامل الأساسي في تحقيق أمن مائي مبني على الحكمة والرشاد في تسيير الموارد المائية بكل عقلانية في هذا البلد القارة.

وفي الأخير، ومهما قدمت، فلا أستطيع إعطاء الموضوع حقه لأنه يستحق دراسات وملتقيات من طرف النخب والسياسيين للخروج بحلول تحد من هذه الظاهرة، التي أصبحت تهدد حتى الأمن القومي لأكبر الدول، وأختم كلامي بقول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما «مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد