في نقاشي مع أحد الأصدقاء حول قضايا النمو الاقتصادي في العالم العربي وعلاقتها بالمحفزات السياسية، وما هي أفضل سُبل وصول حكوماتنا العربية إلى تحقيق نمو اقتصادي يُضاهي دول العالم الغربي؟ بحيث تزداد معدلات النمو ذات الانعكاس الإيجابي على مستويات الأفراد المعيشية.

المفاجأة أن صديقي ترك ما نناقشه من أطروحات علمية وتجارب دولية في النهوض الاقتصادي، وعلاقة محفزات السلطة بالتنمية، وكذلك طرق القضاء على الفساد كأحد مُسببات تعطيل عملية صعود اقتصاديات الدول النامية، ليحدثني عن «تعدد الزوجات»! باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة للدول الراغبة في رفع مستوى معيشة مواطنيها.

ورغم إبداء دهشتي واستغرابي من تركه لمناقشتنا البحثية لأدبيات العلم الاقتصادي في النهوض بالدول، فإنه أكد على وجود علاقة طردية بين تعدد الزوجات وتحقيق النمو الاقتصادي!

إذ أخذ الرجل موضحًا العلاقة بين الأمرين، قائلًا: نتفق جميعًا أن تعدد الزوجات بين الفئات الفقيرة يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا عليها؛ إذ ينتج عنه مشكلات عدة يعرفها القاصي والداني للزوج وأبنائه من هذه الزيجات، في حين أن تحقيقه بين الطبقات الاجتماعية ذات الثروات العالية لا يحمل أعباءً ولا ينتج عنه مشكلات كالتي تنتشر في زيجات الطبقات الفقيرة، وذلك لامتلاك هذه الطبقة قدرات مادية تساعدهم في تحقيق التعدد وترسيخ قواعد استمراره.

جدير بالملاحظة، أن طبقة الأغنياء تعاني عزوفًا جزئيًا فيما يتعلق بتعدد الزوجات، بخاصة ممن يعتقدون الأفكار الغربية، وذلك لأسباب عدة من أهمها الصورة الاجتماعية غير اللائقة بحسب وجهة نظرهم، والمصحوبة بخوف من اتهامهم بالرجعية والتخلف والشهوانية… إلخ، مما يدفع بعضهم إلى علاقات خارج إطار الزواج، ويتطلب معالجة ذلك العزوف جهدًا مكثفًا رسميًا وغير رسمي، يتلخص في كيفية تحديث السُبل الداعمة لشيوع ثقافة التعدد بين الأثرياء.

وبحسب تقرير الثروات العالمي الذي تصدره شركتي «ميريل لينش وكابجيميني»، حول تطور الثروات الفردية في العالم، فإن الأغنياء في المجتمع العربي يمثلون ما نسبته حوالي 15% أو يزيد من إجمالي فئات المجتمع الأخرى، وفي حال تم تشجيع هؤلاء الأثرياء العرب على تعدد الزوجات، بالتأكيد ستقل في المقابل أعداد النساء المقبلات على الزواج، نتيجة لاستحواذ طبقة الأثرياء على حصة كبيرة من المعروض منهن، ومع نقص المعروض واستمرار الطلب من قبل الفئات الفقيرة والمتوسطة، يجعل منهن سلعة غالية، لا سبيل في الحصول عليهن سوى الالتحاق بطبقة الأغنياء.

ولالتحاق راغبي الزواج من الطبقات الفقيرة والمتوسطة بطبقة أصحاب الثروات، عليهم بزيادة أعمالهم وابتكار أدوات فعاله لجلب الثروة، مما ينعكس بالإيجاب نحو زيادة العمل والإنتاج، وبالتالي تحسين الصادرات على حساب الواردات بالنسبة لميزان المدفوعات.

وقد يعتقد البعض بأن سعي راغبي الزواج نحو الثروة يخلق مجتمعًا معطوبًا من ناحية التكوين جميعه من أصحاب الثروات، وهو ما يصعب تحقيقه لتنافيه مع الطبيعة الكونية للبشر، ولكن المضمون والهدف من أن يسعى الفقراء نحو العمل للالتحاق بركب الأغنياء هو تحقيق مبدأ (التنافسية)، فمثلًا، كرسي السلطة هو واحد، وهناك كثيرون يتنافسون للجلوس عليه، وفي النهاية شخصٌ واحد من يحظى بالجلوس عليه.

وبجانب الفرضية التنافسية آنفة الذكر، هناك حقيقة تتعلق بإفرازات زيجات الأغنياء من البنات والبنين؛ إذ يكونون أفضل حالًا ووضعًا من إفرازات زيجات الفقراء، وذلك من نواحٍ عدة أهمها التعليم، الذي سوف يساعدهم مستقبلًا في الحصول على العمل المناسب ماديًا واجتماعيًا، أضف إلى ذلك أن الموظف الكفء بجانب أنه يُفيد ذاته يلعب دورًا في إفادة مجتمعه، فكفاءته تُحدث تقدمًا نوعيًا في مجال الأعمال والإنتاج، باعتباره محفز جاذب لاستثماره داخليًا وخارجيًا.

ناهيك عن أن تعدد الزوجات للأغنياء، سوف ينتج عنه زيادة أعداد الأبناء، الأمر الذي يرتد بالإيجاب نحو زيادة الأعمال، فمثلًا رجل الأعمال الشهير «بيل جيتس» والذي صُنف العام الماضي كأغنى رجل في العالم، وذلك وفقًا لقائمة مجلة «فوربس» الأمريكية؛ بثروة بلغت ٧٦ مليار دولار، وهو متزوج من واحدة وله منها ثلاثة أبناء، وقد تبرع الرجل بجزء كبير من ثروته للأعمال الخيرية.

ورغم محمودية ذلك الأمر، إلا أنه يطرح تساؤلًا، ماذا لو كان «بيل جيتس» متزوجًا بأكثر من سيدة، وله من البنات والبنين العشرات؟

بالتأكيد كانت ستوزع ثروته على أبنائه، الذين من المفترض أنهم تعلموا تعليمًا جيدًا، وبالتالي سيكون مردود توزيع ثروته، نحو الكثير من المصانع والشركات في بلاده، مما يساهم في تقليل نسب البطالة وزيادة النمو الاقتصادي، وبدلًا من أن يكون هناك «بيل جيتس» واحدًا، يصبح لدينا العشرات من الرجل والآلاف من المصانع والشركات، وهو ما يتحقق بالفعل في اقتصاديات بعض الدول الخليجية؛ إذ نجد بعض رجال الأعمال يتزوجون بأكثر من واحدة ولهم من الأبناء الكثير، مما أنتج ما يُعرف بالشركات العائلية، التي تضم الآلاف من الموظفين.

يجوز أن تتعارض هذه السطور مع أفكار ومعتقدات الكثيرين، فهناك من يذهب بالقول إن ذلك الأمر يخلق مجتمعًا حاقدًا، رغم أنه في المقابل قد يخلق مجتمعًا تنافسيًا نحو تحقيق الثروة، وهناك من يقول بصعوبة تطبيق التجربة، وذلك رغم تنفيذها في مجتمعات تُحرمها.

فبعد الحرب العالمية الثانية كان عدد النساء في ألمانيا خمسة أضعاف عدد الرجال فقـرّر مجلس حكومـة (فرانكونيـا) إجـازةَ أن يتزوّج الرجل بامرأتين وذلك استنادًا إلى بعض النصوص في العهد القديم، وكذلك الدعوة إلى التعدد من قبل أكبر الأحزاب الماليزية، وذلك لتوفير ما تنفقه حكومة إحدى الولايات على النساء الأرامل والمطلقات والمقدر بـ572 ألف دولار أمريكي سنويًا.

وأخيرًا فإنه وفقًا لنظرية تعدد الزوجات وأبعادها الاقتصادية، هل يمكن للمجتمعات العربية أن تُدرك طريقها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في تقدمها الاقتصادي ومستويات مواطنيها المعيشية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد