أعلنت مجموعة من العلماء المسلمين في أفغانستان الجهاد المسلح في أفغانستان كلها ضد الانقلاب الشيوعي الذي أتى بحكومة تراقي الشيوعية في 28 ابريل 1978م. وقد قام تراقي منذ اللحظة الأولى بمذابح ضد كل العناصر الإسلامية، فقتل المئات من قادة الحراك وعشرات الآلاف من عامتهم، وامتلأت السجون في عهده بالآلاف، وشدد قبضته على البلاد، وعندما ظن أنه قد استقر له الأمر بالتخلص من العدو الأول – وهو التيار الإسلامي- التفت إلى خصومه من الأحزاب الشيوعية الأخرى.

ازدادت المواجهات العسكرية، بين الحكومة والمقاومة، خاصة الإسلامية. وصل إلى أفغانستان حوالي 2500 جندي روسي للعمل بوحدات الجيش الأفغاني إضافة إلى بعض الخبراء المدنين، في 5 سبتمبر 1978م، وقعت معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي، يتم بموجبها الاستعانة بالجيش السوفيتي لحماية النظام الثوري الجديد في مواجهة خصومه. وبهذه المعاهدة تأكد دخول أفغانستان، دائرة نفوذ السوفييت.

 

تعرض حكم تراقي لسلسلة من المشاكل الداخلية والخارجية؛ فعلى المستوى الداخلي، لم تتقبل الجماهير الأفغانية القوانين الوافدة، مثل حرية المرأة في العمل. أما على المستوى الدولي، فقد أعلنت أغلب الدول عدم ارتياحها لنظام تراقي، حتى إِن بعض الدول الغربية قلصت مساعداتها الاقتصادية.

 

وفي نوفمبر، بلغ عدد الجنود السوفييت الموجودين في أفغانستان 5000 خبير، لمساندة النظام إضافة إلى قيام الحكومة الأفغانية بحملة تطهير واسعة، داخل صفوف الجيش الأفغاني، مما كان له أثر كبير في إضعاف القدرة القتالية للقوات الأفغانية.

 

وبدأ الحراك الإسلامي في أفغانستان بحراك أستاذ الشريعة غلام محمد نيازي، وكان من تلاميذه برهان الدين رباني وعبد رب الرسول سياف أحد أبرز الأسماء التي ستظهر على ساحات الجهاد الذي أعلن من قبل الجهاد المسلح ضد داوود مع 14 شابًا قبل اعتقاله الذي كان على أشده.

 

وتحرك رباني وحكمتيار، وأسفر حراك حكمتيار عن انتفاضة في معسكرات هراة، وتمرد العسكر في الجيش، وأعلنوا قيام دولة إسلامية؛ فأرسل الروس إلى أفغانستان أول وحدة هجومية، وكان قوامها أربعمائة رجل، ونزلوا بقاعدة بجرام على بعد ثلاثين كيلو مترًا من كابل وذلك في 4 رمضان سنة 1979.

 

خرج الناس يعبرون عن فرحتهم بقيام الدولة الإسلامية الوليدة؛ فخرجت الطائرات السوفيتية وضربت الناس، فقتل حوالي أربعة وعشرين ألفًا من البشر فى ثلاثة أيام، وأدى ذلك إلى قيام ثورة بكابل في 12 رمضان من نفس السنة، وقامت الحكومة بعمليات قمعية بشعة وجرائم قذرة كثيرة وهجر حوالى 400 ألف إلى باكستان، ومع بداية شهر يوليه 1979م، تدهورت العلاقة بين أمين وتراقي، ووصلت إلى حافة الهاوية. وكان كل منهما يتحين الفرصة لإزاحة الآخر عن طريقه. في هذه الظروف السيئة، وبينما تراقي يجهز للسفر إلى هافانا ـ في الرابع من سبتمبر 1979م ـ لحضور قمة عدم الانحياز، وجد كل من أمين وتراقي الفرصة مناسبة للإطاحة بالآخر.

انقلابات جديدة:
في 15 سبتمبر 1979م ، طلب تراقي من حفيظ الله أمين، التوجه إلى بيت الشعب لمقابلته والسفير السوفيتي. فتوجه حفيظ الله أمين إلى وزارة الدفاع وقاد انقلابًا مسلحًا!!
أبرز معالمه إلقاء القبض على تراقي أثناء وجوده في بيت الشعب. وقد قتل نور الدين تراقي، في غرفته في بيت الشعب، بناء على أوامر حفيظ الله أمين. وأذيع بيان في السادس عشر من سبتمبر 1979م، باستقالة تراقي لسوء حالته الصحية، وأنه – أي أمين – قد تولى مقاليد الحكم.

 

“اتبع أمين سياسة العنف والقهر والاعتقال، وسارع في تنفيذ السياسات الماركسية، التي لم يكن يرضى عنها الشعب الأفغاني. دعا إلى تطبيق الاشتراكية في الحال. امتلأت شوارع المدن والقرى بصور ماركس وانجلز ولينين، وهم شخصيات لا يعرفها الشعب الأفغاني القبلي البسيط. ولمّا كان خصوم الثورة يتخذون من الدفاع عن الدين شعارًا لأعمالهم المعادية للثورة، فإن حفيظ الله تشكك في كل متدين، واعتبره معاديًا للثورة وهاجم علماء الدين علنًا…”.

 

وكانت موسكو تُّصر على وجوب المصالحة مع البارشام، إلَّا أن حفيظ الله أمين كان يراوغ، وإن كان تطبيع العلاقات بين موسكو وأمين قد نجح في تجاوز هذه المرحلة. وتفجرت الخلافات مرة أخرى، بين پرچم وخلق الشيوعي وموسكو لم تكن راضية عن هذا الحليف – حفيظ الله أمين- الذي لا يتبع إرشاداتها ويود اللعب على طريقة الخاصة داخليًّا وخارجيًّا.

في 19 أغسطس 1979 م يصل الجنرال بافلوفيسكي – الذي أرسل عدد 500 رجل من المخابرات- في سرية تامة إلى أفغانستان، وكان أمين قد ألح أكثر من مرة على السوفييت لإرسال قوات سوفيتية حتى يستطيع القضاء على الحراك الإسلامي الذي فشل في القضاء عليه بموجب الاتفاق الذي يسمح بدخول القوات السوفيتية إلى أراضي أفغانستان.

 

بحلول شهر ديسمبر عام 1979 أنجزت التحضيرات لعملية فائقة السرية تحمل الاسم الرمزي زوبعة 333. وفي الثاني والعشرين من ذلك الشهر، وبناء على توصية من مستشاريه السوفييت، انتقل أمين مع عائلته من مقره في وسط كابول إلى قصرِ دار الأمان الأقلِ مِنعةً في الطرف الغربي من العاصمة.

 

وفي صباح 27 ديسمبر 1979م، بدأ قصف قصر الأمان، الذي يقيم فيه حفيظ الله أمين، عند ذلك أدرك أنه المقصود بهذا القصف، وأن إرسال المدرعات، لم يكن من أجل مساعدته، بل من أجل القضاء عليه. أنيط الدور الرئيسي في عملية الاستيلاء على قصر حفيظ الله أمين بمقاتلي فريق “آلفا” للمهمات الخاصة التابع للمخابرات السوفيتية، وكان من بين أفراد الفريق الذين داهموا قصر دار الأمان أوليغ بالاشوف، الذي كان برتبة رائد في قوات المهمات الخاصة آنذاك.

 

اعتقل رئيس الجمهورية حفيظ الله أمين، ونصب بابرك كارمل رئيسًا لأفغانستان، وهو خارج البلاد في مساء 27 ديسمبر 1979م، أعلن راديو كابل أن المجلس الثوري الذي أُنشئ في أعقاب تولي كار ميل الحكم ـ قد حاكم حفيظ الله أمين، لِما فعله من جرائم في حق الشعب الأفغاني، وأدانه حيث حكم عليه بالإعدام، وجرى تنفيذ الحكم.

 

فور وصول كارمل بدأ مسلسل الاتهامات الإمبريالية إلى حفيظ الله أمين، حيث اتهم بالاتصال بالمخابرات المركزية الأمريكية، إضافة إلى اتصاله بقلب الدين حكمتيار، رئيس الحزب الإسلامي، للتجهيز لتشكيل حكومة تحالف مناهضة للاتحاد السوفيتي. وقد أراد كارميل من خلال خطابه، في أول يناير، تسويغ التدخل السوفيتي، وتصفية حفيظ الله أمين حيث قال:

 

“…إن الجبهة الوطنية لحزب الشعب الديموقراطي الأفغاني، وبناء على إرادة شعبية عارمة، وبمساعدة جيش التحرير الوطني الأفغاني، قد استولت على السلطة السياسية، من أجل الدفاع عن مكاسب ثورة أبريل 1978م المظفرة …”.

 

وكان السوفييت يريدون السيطرة المباشرة على الموارد الاقتصادية للافغان وإيقاف المد الإسلامي لحماية الأيديولوجية وحماية أمن الاتحاد السوفيتي.

 

مواجهة حتمية! مع تدفق السوفييت بدأت صيحات الجهاد، التي كان أشهر مطلقيها من العرب الشيخ الإمام عبد الله عزام – رحمه الله- فلبى هذا النداء كل من كانت نفسه تطوق إلى حمل السلاح في وجه المستعمر السابق وفي وجه العدو الأول مرة في أرض ممهدة لهذا الأمر ليحملوا فيها السلاح ويشمون فيها غبار المعارك الذي سمعوا عنه في الأشرطة وفي الخطب وقرأوا عنه كثيرًا في الكتب.

 

وجاء إلى أفغانستان كل الحالمين وكل الطيبين، وكل الأطياف الإسلامية (معتدلة- متشددة)، وكل من لديه أفكار المواجهة المسلحة مع الأنظمة التي عادت دينها وارتمت في أحضان الغرب والشرق المجرم الذي يعادي دين الأمة وهويتها علنـًا بلا مواربة، إنها الفرصة السانحة، وتساءل كل من قدم إلى هناك:  هل تراها الفرصة لإقامة دولة إسلامية ينطلق منها عبق الشريعة الذي طال انتظاره مطبقـًا واقعًا عمليًّا؟ هل هي الفرصة كي يتوحد الجميع في بناء دولة إسلامية بعد دحر السوفييت وعملائهم هناك؟!

 

هل هي نقطة البداية في انطلاق المارد الأخضر دينيًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا ومعرفيًّا وصناعيًّا وكل تقدم ممكن؟ هل هي الأندلس في أوج قوتها تعود؟ هل هي التجربة الرائدة التي قام بها الرعيل الأول من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فكان العدل والرحمة والقوة وذكاء المواجهة بالتوفيق الرباني ثم بالتخطيط والعمل السليم؟ هل هي العودة للمآذن كي تؤذن بحرية؟ هل آن الأوان لخطب الجمعة أن تزول من عليها الرقابة؟ هل هو رمضان جديد يأتي بين قرآن يفسر بعيدًا عن علماء السلطان؟ هل هو حلم إزالة الفقر وتطبيق الخطة الإسلامية في محاربة الفقر، الفقر في كل شيء؟

 

هل آن الأوان ليزول الظلم والفساد وتبنى دولة وليدة تحقق هذا بأيدينا؟! هل سيساوى بين الحاكم والمحكوم والغني والضعيف والقوي والفقير أمام القانون؟! حمل هذه الأسئلة والأحلام أبو أحمد الذي اغتصبت قوات النظام زوجته وأختيه أمام عينيه في المعتقل! وأبو صهيب الذي ذاق أصناف من العذاب وغيب عشرين عامًا في سجون الدولة للاشتباه، وحمل هذا الحلم سناء التي علقت من شعرها وأظهروا عوراتها وتحرشوا، وعبثوا بجسدها مرات ومرات أثناء التحقيقات!

 

ومازن الفلسطيني الذي ظن أن الدول العربية والإسلامية ستنصف قضيتهم وتنصرهم على عدوهم، فما وجد إلا خذلانـًا وتبعية منهم للعدو. والعراقي والليبي والأردني بل والأمريكي والبريطاني المسلم الشيعي والسني والقومي وكل حالم بوطن حر رغم اختلاف الأيديولوجيا.

 

أتوا جميعهم طالبين تحقيق الحلم في أبهى صوره وفي أحسن مشاهده بعيدًا عن تشوهات الماضي وتجارب كل من استغل الدين لغرض، وصوب أعينهم رسول الله حاكمًا وأبًا ومعلمًا، ثم حكمة أبى بكر وعدل عمر وذكاء علي وإنفاق عثمان في سبيل الله، وسيرة كل ملك صالح عادل كان الشرع طريقه والعدل أساس ملكه والشعب أو الرعية أسيادًا في حكمه، وليسوا خدمًا أو رقمًا هامشيًّا.

 

ولكن الكل يرى هذا من جهته هو، ومن طريقته هو، وللأسف يرى أن المخالف له يجب أن يزول أو يُنحى. اشترك في هذا الجميع، إصلاحي ومحافظ قومي وشيعي. استطاع المجاهدون العالميون وفي طليعتهم الأفغان السنة أن يقهروا الدب الكبير، ويقسموا ظهره، وفتح للمجاهدين ودعاتهم أبواب البلاد بالأمر الأمريكي التي ستحرم عليهم من بعد أيضًا بالأمر الأمريكي، وسيكون هناك قضية إقليمية اسمها العائدون من أفغانستان.

 

نشأ في هذا الجو تنظيم القاعدة من التنظيمات العنيفة التي أتت أرض الأفغان، والتي نشأت نتاج عنف السلطة الأكبر، التي استهانت بأحكام الشريعة، بل جاهر بعض منظري الدولة بتخلفها ورجعيتها – أي الشريعة – بل تجد رئيسًا في بلد مسلم يدعو الناس للفطر في نهار رمضان، والآخر يسمي نفسه نبيا ويمحو آيات من كتاب الله، وثالث يمنع تعدد الزوجات بالقانون ويقبل بالزنا الصريح.

ناهيك عن فقر الناس الشديد، وغنى السلطة الفاحش، ومعتقلات الأنظمة سيئة السمعة التى لا تعرف رحمة ولا دينًا، جاهزة لكل من قال لا للسلطة أو قاوم أيديولوجيتها الجديدة، والتهميش والإقصاء والتضييق في الأرزاق والخطف والاغتيال والاغتصاب والتنكيل، هوامش أساسية في حياة تلك الأنظمة والناس.

 

فنشأت في هذه الجماعات (العنيفة) قيادة وصف ضعيف الفقه قليل الصبر سريع الغضب، ولم لا فالعلماء الرسميون أنفسهم أشد ضعفـًا وأقل صبرًا وأسرع غضبًا وعنفـًا وأداة طيعة للنظام يلوي بها آيات الله وحكمه حسب هوى الحاكم ومراده، بل إنهم في بعض أو كثير من الأحيان يستخدمون كهروات أو أدوات للإعدام المعنوي والحقيقي لمعارضي النظام أيًّا كان انتماؤهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد