في ظل هذه الحرب المعلنة على ثوابت الدين وفي ظل ركون تيار العلماء الرسميين إلى قرارات الحكومة حتى لو خالفت صحيح الكتاب والسنة عمدا وحتى لو كانت ظلما وقهرا على الشعب. وفي ظل ظهور مظاهر مخالفة وفجة للدين والعرف في الحياة العامة تحاول الحكومات جبر الناس عليها إما بالتضييق على المخالف أو بالتوجيه الإعلامي الموالي للحكومات وما تريد وأصبحت المعتقلات والتضييقات والإهانات لكل من يقول لا. وأصبح كل من يقاوم فساد السلطة إما خارجيًا حلا ل الدم أو صاحب أجندة خارجية بالرغم من أن الحكومات هي من تتعاون وتتحالف مع الخارج وتقدم له التسهيلات وفروض الطاعة! وجرى النهر في غير مجراه وضاقت الأرض على الناس بما رحبت حتى إن أحدهم يسهل عليه أن يلقي بنفسه في عرض البحر طلبا لسعة الرزق، رغم أن التجربة تقول أن كثيرين غيره ممن حاول الوصول عادوا إما في توابيت أو مرحلين على أن يعيش فيما قيل له دوما أنها بلده والوطن.

فهو يرى بأم عينه مندوب الصحة أو الضرائب يدق باب المحل ليأخذ منه ملاليمه التي تساوي لديه الكثير بدون وجه حق وبعنف في مقابل تركه لأصحاب الملايين والمليارات ينعمون ويسرقون من أموال الشعب الكثير وفي النهاية يرى هؤلاء الكبار في التلفاز يكرمون من الدولة ويحدثون الناس عن الصبر والتحمل حتى نستطيع بناء الوطن!

 

ثم يرى محاكمات بلا دليل أو بينة واعتقالات وقتلا واغتصابًا لمن يعارض السلطة وأصبحت المحاكمات صورية تجري على هوى الشعب كما في مصارعة الرومان قديما بين عبدين حتى الموت بناء على رغبة الجماهير! يرى كوارث وفسادًا ولا حساب لأحد.

يرى ما يجري في فلسطين والشيشان التي قطعت فيها أوصال أحد المعتقلين وعلق الآخر في سقف الغرفة من يديه وهي خلف ظهره لأنه واجه السلطة أو كان مشتبها به، وكازاخستان التي كسرت فيها عظام حفيد أحد المعارضين للسلطة بالمطرقة حتى الموت، وسوريا التي ربطت فيها امرأة عارية وأدخلوا في فرجها فأرًا يأكل ويسعى في داخل جسدها حتى ماتت!

 

يرى سجون أبو غريب وباجرام وجوانتانموا، يرى ما يفعله الشيعة في العراق وسوريا واليمن وغيرها من الأهوال. يرى الظلم الواقع على الأمة التي ينتمي إليها وكل هذا يجري بقوة السلاح. يرى أن من يملك القوة من الدول الكبرى له الحق في البطش والقتل والتعذيب والسرقة والاحتلال ويحصل على ما يريد بدون موافقة مجلس الأمن بل لا يتحرك مجلس الأمن لوقفه.

 

وغير هذا تأجيل وانتظار ثم ضياع للحق أو الانتظار حتى تفنى ثم يتحدثون بأسى عن الآلام التي عشتها أو يقفون دقيقة حداد على أرواح الآلاف التي أزهقت بسبب تحالفاتهم وحسابات الدولار مقابل الدم وحقوق الإنسان. يرى التكفير والتخوين حقًا حصريًا للسلطة وأتباعها ورجال الدين فيها. إلا من احترم علمه ودينه وآخرته أو العلم الذي تعلمه وقليل ما هم. يرى وطنًا ينهار وأحلامًا تحطم وسلطة غير معنية إلا بإيذاء المواطن وترويضه.

يرى إرهابا لا يجرم فأفعال الحوثيين وحزب الله لا تسمى إرهابا، بل إن طائرات التحالف لم تقصف هدفا واحدا لجيش بشار الأسد الذي يقصف ويقتل شعبه كل يوم! ولم تخرج طائرات التحالف من أجل الحوثيين في اليمن رغم أنهم تنظيم مسلح اعتدى على الدولة واحتل فيها أماكن واستولى على أسلحة للجيش. ولم تحلق طائرات التحالف لقصف أهداف لحزب الله في سوريا بعد أن دخلها وفعل بها ما فعل، لكنها في المقابل تحرك طائراتها وحلفاءها لضرب تنظيم الدولة الذي يرتكب جرائم لا تختلف عن جرائم الحوثيين وحزب الله وبشار، بل إن القوات الأمريكية تقصف أهدافا لمقاتلين من تنظيم القاعدة والقبائل في رداع لحساب الحوثيين بل قد شارك في القصف أيضا الجيش اليمني الذي قتل الحوثيون منه أعدادا واستولوا من معسكراته على السلاح!

ولا يرى مجلس الأمن يدين جرائم أمريكا في العراق وأفغانستان أو جرائم روسيا في الشيشان أو جرائم الصين في تركستان الشرقية بل فقط تكون الإدانات عبارة عن محاولة للضغط لحصول الدول الكبرى على امتيازات جديدة في صفقات مع مرتكبي الجرائم وأن المصالح هي المتحكمة في أي حراك مثل التجربة (الأمريكية -الإيرانية) فأمريكا هي الشيطان الأكبر في إيران وإيران هي إحدى دول محور الشر في أمريكا، ورغم هذا تجد إيران تساند وتساعد وتدعم أمريكا في احتلال العراق وأفغانستان!

عبر عن هذا بوضوح: محمد علي أبطحي وهاشمي رافسنجاني ومحسن رضائي وغيرهم حتى قال أحدهم: يجب على أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبيّ ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان. أو كما حدث في صفقة إيران – كونترا وقت حرب إيران والعراق أو كما في مفاوضات الملف النووي الإيراني مع الغرب بقيادة الشيطان الأكبر كما تصفها طهران.

 

فإيران تسعى إلى توسيع النفوذ في المنطقة وتستخدم أذرعها العسكرية (حزب الله في الشام – الحوثيين في اليمن – وميليشيا بدر وغيرها من الميلشيات الشيعية التي ارتكبت مجازر وفظائع وجرائم ضد السنة في العراق باسم الحسين الذي قتل مظلوما شهيدا. وكانت إيران تسعى إلى إحداث توازن أو تواجد شيعي قوي في بلاد سنية خالصة مثل مصر وبعض دول شمال أفريقيا وحققت في هذا نتائج كبيرة، لولا دخول حزب الله في سوريا ودعم إيران الصريح لنظام بشار الأسد الذي وصل حسب بعض المصادر إلى 20 مليار دولار سنويا دعما لهذا النظام.

 

الشباب يشاهد كل هذا فيحاول التغيير:
يجرب التظاهر السلمي يجد القمع والقتل والتنكيل والتضييق في الرزق والأحكام المشددة التي لا يحصل عليها حتى عتاة المجرمين!

فيجرب الحراك الإعلامي فتغلق صحيفته وقناته ويعتقل العاملون في مثل هذا الاعلام والتهمة المعلبة الحاضرة دائما هي: محاولة قلب نظام الحكم المقلوب رأسا على عقب منذ زمن طويل.  تسد الدولة وحلفاؤها الكبار كل باب أمام التعبير والاعتراض. تسخر كل الطاقات في قمع المعارضين وإرهابهم وترويض المواطن أو تحييده بالخوف والجهل. وقديما قالوا: إذا أغلقت كل المنافذ لضرب قط ستكون المعركة بينه وبينك معركة حياة أو موت.

ينقسم الشباب تحت هذا القصف والإرهاب الحكومي إلى (محبَط – ومقاوم) والمقاوم ينقسم إلى أقسام: قسم يعمل في العلن وآخر يعمل في السر، وثالث يعمل تارة في السر وأخرى في العلن . ثم ينقسمون إلى: قسم لا يرى إلا حمل السلاح لأن الدولة لا تفهم إلا لغة القوة. وقسم آخر يرى أن حمل السلاح غير ممكن في الوقت الحالي. وآخر يرى أن التعامل السلمي هو الخيار الأبدي في مواجهة الدولة. رغم أن التجارب التاريخية في مواجهة الدولة القمعية أو المحتل شملت هذا وذاك (مانديلا – غاندي) بشرط القدرة والكفاءة في جود حاضنة شعبية للقضية وأصحابها.

جاءت أفغانستان فكانت البذرة الأولى التي أخرجت فريقين من المجاهدين أو من مقاومي السلطة والاستكبار العالمي ضد الأمة بالسلاح فكان هناك خط الدكتور عبد الله عزام و خط أسامة بن لادن ومن خلفه الدكتور أيمن الظواهري.  وإذا أردت أن تعرف الفرق بينهما فانظر إلى شرح سامر السويلم / الملقب بخطاب (مدرسة عزام) لأسباب دخول داغستان وسبب رفضه الانضمام إلى بن لادن في تحالف القاعدة الدولي. وبين خطاب القاعدة التقليدي أو آخر إصداراته (داعش).

رأى الشباب الذي لم يجد من يحاوره بالعقل والمنطق بل كان الحوار بالسوط والقتل والذي لم ير تقدما بل فسادا ونهبا في دول أعلنت أنها إسلامية بل إن بعضها يعلن أنه يطبق الشريعة حسب التصنيف الدولي وهي في الحقيقة العلمية الواضحة قبل الدينية علمانية صرفة تفصل الدين عن السياسة والحكم، وأصبح شغل كبار العلماء فيها الدخول في قضايا جد تافهة وإثارة ضجات إعلامية حولها وترك الحديث عن فساد السلطة والظلم أو القهر أو ما تمر به البلاد، بل أصبح الكثير من العلماء والدعاة الرسميين وغير الرسميين غير المعارضين للسلطة وبعض المعارضين أيضا يجعلون المواطن هو سبب كل هذا البلاء الذي تمر به البلاد فالمواطن: هو العاصي الذي لم يتب وهو من أوقف عجلة الإنتاج ( المحطمة منذ عقود) وهو من يكثر الشكوى ولا يكثر العمل (غير الموجود أصلا أو الموجود برواتب جد حقيرة) أو أن المظاهرات حرام والديموقراطية كفر (فتصبح الدكتاتورية بهذا المنطق من نعم الله علينا وحاشاه فهو سبحانه من حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرما).
رأى الشباب أفغانستان مثلا يحتذى، فالدول القمعية أقل قوة من الاتحاد السوفيتي تلك القوة العظمى ورأت قيادات هذا الشباب أنه يجب تصدير التجربة الأفغانية في الداخل الإسلامي والدولي فقابلت الدول- صانعة الإرهاب – ذاك الحراك المسلح بقمع أشد وعنف أكبر طال حتى من لم يشارك في بعض هذه الأعمال -المجرمة- التي لم تفرق بين ظالم ومظلوم أو بين من يعذر بجهله والمعاند أو بين محارب وغير محارب .

سكنت هذه المجموعات في بعض الدول ونشطت في أخرى، ولكن الآم الأمة لم تهدأ يوما أو تسكت لحظة، بل إن للأمة في كل يوم مصابًا جللا لا بواكي له أو مغيث. لكن هذه المجموعات تسكن ولا تسكت فالعلة موجودة. فرَّ كثير من أفراد هذه المجموعات إلى أرض التدريب والتجهيز –أفغانستان- وقبعت كثير من هذه المجموعات وقياداتها في سجون الدولة القمعية فنالوا من العقاب والعذاب صنوفًا وألوانًا شتى إلى حد التهديد أو اغتصاب الزوجات أو غيرهن من محارم الأقارب أو نشر الفيروسات القاتلة عن طريق أطباء المعتقل إذا تم علاج أحدهم بعد التعذيب، وغيب الكثيرون منهم في السجون لمدد وصلت إلى خمسين عاما!

في هذه الأجواء أجريت المراجعات الفكرية لبعض الجماعات التي مارست العنف والإرهاب المسلح ضد الدولة العنيفة صانعة الإرهاب داخل السجون. ولكن كما حكى لي أحد من أفرج عنهم أنه لما راجع أحد القيادات العلمية الكبيرة في جماعته حول بعض استدلالاته الفقهية وأنها تخالف النص الفلاني قال له بالحرف: أنا في رقبتي أناس يحب أن يخرجوا من هنا؟!

ثم جاء الجرح العراقي والأفغاني مرة أخرى ليفتح جبهة جديدة ينضم إليها هؤلاء الشباب الذين فيهم من لا يؤمن أصلا بفكر هذه الجماعات المتطرفة فكريا لكنه لا يجد مخرجًا آخر يواجه هذا الظلم والقهر والاحتلال سواهم، وإن أصحاب الفكر الوسطي يبدون للعيان كما لو أنهم فقط يحسنون المعارضة السياسية والتنظير الفكري، لكنهم لم يعودوا قادرين على تنظيم صفوف الجهاد المعتدل فيتركون التنظيمات المعتدلة الوليدة تأكلها التنظيمات التكفيرية والمتطرفة لأن للأخيرة دعمًا لوجستيًا وماليًا ليس للأولى.

ثم جاءت سوريا الملعب الجديد الذي ما كان له أن يكون لولا ظلم السلطة وتجبرها وفرض رؤيتها على المواطن قهرا وغصبا ولم يكن لينشأ هذا الملعب لولا إرهاب الدولة وحملها السلاح ضد عزل لم ينادوا إلا بالإصلاح وتكرر المشهد الدولي وتكرر معه فيتو المصالح والنفوذ وتكرر مشهد الدماء والأشلاء والصراخ فحمل الشعب السلاح. وبعد الاتحاد في مواجهة قمع السلطة وفي الطريق نحو تأسيس دولة المواطن ظهرت تنظيمات تريد حمل الناس على فكرها وطريقها. لأن الدول التي أعلنت مساندة النظام ساندته بفعل حقيقي وفعال. أما الدول التي سمت نفسها أصدقاء الشعب السوري فلم يساندوا الشعب إلا بالكلام لكن الفعل: اقبلوا بشروطنا أو يصعد بشار.

 

أدى هذا إلى ضعف المقاومة المعتدلة وظهور تيار أكثر تطرفا عليها الكثير من علامات الاستفهام في عمليات القتل والتعذيب التي تشبه إلى حد كبير أعمال فدائيي صدام وزبانية وقت حكمة الوحشي إلى وجود أناس من الاستخبارات الروسية والإيرانية والسورية داخل هذا التنظيم . وسواء كان تنظيم داعش هو تطرف كبير تركته الدول الكبرى يكبر حتى يقال للعالم وللحراك في الشرق الأوسط وغيره أن الصعود الإسلامي سيعني في النهاية إما خروج داعش بكل أفعالها القذرة، أو سيثمر عن تجربة مثل تجربة الإخوان في مصر التي تحالفت مع الشيطان حتى أسقطها وعاد يحكم من جديد. فيركن الناس إلى ظلم الحكام وطغيانهم وتعود دورة الاقتصاد العالمي كما كانت مع نفوذ جديدة وتقسيم جديد للثروات.

 

أو كانت داعش الغرض منها تجميع العدد الأكبر من المتطرفين حول العالم ثم ضربهم وضرب قياداتهم وتشتيتهم بعد ذلك في بلاد شتى لتعود اللعبة من جديد،الدولة تحارب الإرهاب فيكون هذا كفيلا لتبرير كل قمع وتنكيل تقوم به الدولة في حق المعارضين مسلحين كانوا أم سلميين. أو كانت داعش من أجل إضعاف الثورات وإيقاف الصعود الإسلامي وخلط الأوراق فيصبح الكل متهمًا، معتدلا كان أم متطرفًا في نظر البسطاء . لكن في النهاية كانت هذه الأسباب وغيرها هي: الطريق إلى داعش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد