الزمان في القرن الواحد والعشرين، المكان في بلاد العرب، الحال تسر العدو لا الحبيب.

يشهد المجتمع العربي الحالي حالةً من التخبط والتشتُت الفكري، شهد العرب قبلها محنًا وابتلاءات كثيرة، ولكن بعد العسر يسرًا.

الغريب في التاريخ أنه يتكرر، والأغرب أننا لا نتعلم ولا نعتبر، كل ما في الأمر أن الفتن تتسلل بآليات تختلف من زمان لآخر، وما أن تتمكن من مصابيها، حتى تنقض المحنة عليهم تتركهم صرعى، كما فعلت ما قبلها من المحن.

كم من أمم هلكت، ودول سقطت قديمًا! والتاريخ وآثارهم تشهد.

ولكن هذه أمة باقية

ولو كان مقدرًا لهذه الأمة أن تموت، لماتت يوم حوصر النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، لماتت يوم بدر، يوم انطلق سواد مكة ليقضي عليها.

-المخرج للمعاصرين يكون في تصحيح المسار، و بالتقدم وفق نهج الأوائل «الصحابة» كيف؟ بمناسبة المنهج مع الواقع الذي يعيشونه. وبإعداد جيل جديد بالمعايير التي كانت تصنع رجالاً يحملون الأمة وهمها، ويصنعون مستقبلها، بل كان الرجل فيهم بأمة. وستأتي بقية العناصر فيما بعد إن شاء الله.

يقول تعالى عن يوم بدر
«إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ». (الأنفال: 9)

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يطبق الوحي عمليًّا، وقد سُئِلَت السيدة عائشة رضي الله عنها كيف كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: «كان خلقه القرآن».

الشاهد هنا أن النبي كان في مرحلة التأسيس يُقيم بناء الإسلام والمجتمع المسلم، وكان لاتصاله بالوحي أثر خاص في تلك المرحلة، ولكن ماذا بعد وفاة النبي؟ هل بوفاته وانقطاع الوحي يتبدل حال الأمة؟

لا شك أنها كانت أصعب ابتلاءٍ للصحابة، ولكن الإسلام بدأ ينتشر، وبدأت أرضه تتسع، هنا نجد أن النبي كان قد ترك جيلاً قادرًا على تخطي المحن، وكيف يواجهها بإيمان قوي، وعقيدة ثابتة، وفقه للدين وللواقع، جيلاً تربى على الوحي، وأخلاق الرسول وعلمه، حتى تشربت نفوسهم الوحي وعملوا به، مع العلم أنهم عرب، وفي مجتمع ليس بمدنية اليوم وزخارفه المعنوية والمادية، ولكنهم بالتأكيد كانوا أفضل حالاً.

فأفضل ما يُبدأ به في هذا السياق أن نبحث في حياة الجيل الذي تربى على يد أفضل قدوة، وأفضل مُعلم. وسأتناول في هذا الموضوع القدوة أحد أهم العوامل التي تؤثر في بناء النشء، أهم الخطوات الفعلية للإصلاح وتصحيح المسار.

قال تعالي: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا». (الأحزاب:21)

الاقتداء: هو طلب موافقة الغير في فعله، واتّباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي، وعادة ما يمثل شخص المقتدَى به قدرًا من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه، والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يستطيع من أقوال وأفعال.

وليس الاقتداء إلغاءً أو مصادرة للرأي والإرادة، أو قسر المقتدي على أمر معين؛ لأن الاقتداء ينطلق من قناعة صاحبه؛ فهو جزء من إرادته.

القدوة الحسنة

لها أهم الأثر في توجيه النشء إلى الطريق، وتعد واحدة من أهم وأبرز أساليب التربية. وإذا كان المقصود في الاجتماع البشري الوصول إلى مرحلة إنتاج فرد سليم ومفيد للمجتمع، فإن ذلك لن يتحقق من دون العمل على جعل الأفراد سالمين مفيدين، فتكون القدوة أهم وسيلة لتحقيق ذلك. ولو عدنا إلى التاريخ البشري، وتاريخ الأديان لوجدنا أن القدوة قد لعبت هذا الدور التربوي؛ إذ إنها تفيد في نقل الأفكار والقيم والسلوكيات الصحيحة إلى الآخرين. وقد تشير هذه المسألة إلى عدم الجدوى من التلقين الذي يتبعه البعض في العملية التربوية. فقد لا يقتنع ولا يؤمن الفرد إذا وجد أن الملقن لا يؤمن ولا يعتقد ولا يوقن، أما عندما نقدم القدوة نموذجًا أساسيًّا للتربية، فإن التأثير في النفُوس سيكون أقوى لا محالة.

وليس الحل أن نقدم المنهج النبوي للنشء كوجبة جاهزة فقط، فلا بد من أن تكون هناك رغبة في إصلاح النفس، فنحن الواسطة بين الأطفال والمنهج المكتوب، فلن يتقبل الطفل ما تقوم بتوجيهه إليه وأنت أصلاً ليس لك من الوقار ما يرغبه في التقبل منك، بل قد يأتي الأمر بنتيجة عكسية.

– قال الحسن البصري: «الواعظُ مَن وعظَ الناس بعملِه لا بقوله، وكان ذلك شأنَه إذا أراد أن يأمرَ بشيء بدأ بنفسه فَفعلَه، وإذا أراد أن ينهى عن شيء انتهى عنه».

– قال عُتبة بن أبي سفيان لمؤدِّب ولده: «ليكنْ أوَّلَ إصلاحِك بَنِيَّ إصلاحُك نفسَك؛ فإنَّ عيونَهم معقودةٌ بعينك، فالحَسَن عندهم ما استحسنتَ، والقبيحُ عندهم ما استقبحتَ».

وعلى مَن وضع نفسَه قدوةً للناس أن يضع في حسبانه أنَّ له من الأجرِ مثلَ أجور مَن اتبعه، ومِن الإثم مثل آثام مَن اتَّبعه؛ قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «مَن دَعا إلى هُدى، كان له من الأجر مثلُ أجور مَن يتَّبِعه، لا يَنقص ذلك مِن أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه مِن الإثم مثلُ آثام من يَتَّبِعه، لا يَنقصُ ذلك من آثامهم شيئًا». رواه الترمذي

فالأخذ بالشيء علميًّا، والتمسك به أكثر إقناعًا للمدعوين من الحديث عنه والثناء عليه، فبمجرد العمل بالخير وتطبيقه، تحصل قناعة عند الآخرين بصلاحية هذا الخير والفعل للتطبيق.

إن التمثل بالقدوة الحسنة دائمًا يبدأ منذ الطفولة بالأب والأم، وفي مرحلة المراهقة يكون التحرر من رقابة الأهل بحثًا عن شخصية أوسع تبعًا لميول الشخص؛ فيبحث في عقله الباطن عن قدوة جديدة يتعلق بها، وغالبًا ما تكون هذه القدوة الجديدة في وقتنا الراهن من الشخصيات الرياضية أو الفنية.

ولكن اليوم صارت وسائل الإعلام والانفتاح على الثقافات الأخرى بغير ضوابط وبشكل غير سليم؛ سببًا في تعرية النشء أمام سهوم الأفكار المسمومة، والعادات المستهجنة من حيث كوننا شرقيين حتى، فلكل مكان طبيعته وخصائصه التي تميزه عن غيره، فليس مقبولاً أن يرتدي رجل في الجزيرة العربية الفراء الذي يرتديه أفراد قبائل الإسكيمو، قس على هذا أمورًا أخرى نستحدثها، من باب نقل الحضارة، وإن كانت غير مقبولة.

نحن أولى بالحضارة من الغرب، ولا داعي لرثاء الأمجاد الفائتة، فالأفضل أن نبدأ في بناء أنفسنا بهويتنا الخاصة لا هويةٍ مستوردةٍ.

واعلم أن القدوة المستوردة ما قادت الشعوب إلا بالباطل، ولكن كان لها بريق خادع في المجتمعات التي نشأت منها؛ كانت مجتمعات منطفئة؛ تحتاج للمعان والبروباجاندا لتحريك ركودهم، أما نحن فلا نفتقد المنهج والنور، كل ما في الأمر بداية جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد