“تتميز تلك الدفعة العسكرية عن غيرها بأن جميع من قدم أوراقه أملاً في الحصول على تأجيل مؤقت قد نال شرف الخدمة العسكرية على الفور، فلم يستثن منهم أحدًا سوى أصحاب الإعاقات شديدة الوضوح والفعالية. كان جميع عساكر تلك الدفعة من أصحاب المؤهلات العليا، وقد شارك معظمهم في ثورة يناير التي أطاحت بنظام مبارك العتيق، فكان لزامًا على القيادة العسكرية خلق نسق جديد ومختلف في التعامل مع تلك الدفعة ذات النهج الثوري، من أجل احتواء تلك الشعلة الحماسية المتوهجة واستغلالها في تحقيق شيء جديد يصلح من شأن البلد، أو ذلك ما اعتقدناه”.

 

نتجه الآن إلى محطة رمسيس من أجل استقلال القطار الحربي الذي سيبحر بنا متجهًا إلى منطقة الجلاء ومنها كل إلى وحدته الأساسية التي سيقضي بها بقية فترة خدمته العسكرية. تتلاصق أجساد العساكرعلى أحد الأرصفة ليشكلوا كتلة بشرية ضخمة تشع لونًا زيتيًّا باهتًا، يتابعون بشغف واهتمام كل ما يمر من أمام أعينهم المرهقة. كانت مشاهدة المارة بملابسهم الملونة وتعبيرات وجوههم المختلفة وألوان بشرتهم المتباينة تحطيمًا للنموذج البصري الموحد للزي العسكري المموّه الذي اعتادته أعينهم في المركز لأيام طويلة. كان الوضع أشبه بطفل قد عاقبه والده بالحبس لمدة عشرين يومًا في غرفته المظلمة، ثم حطم باب الغرفة ليجد نفسه وسط مدينة ملاهي ضخمة.

 

خلال سنوات دراستي بالقاهرة مستخدمًا القطار كوسيلة سفر أساسية، اعتدت رؤية تفاصيل ذلك المشهد بما فيها شكل العسكري الجالس على ذلك الرصيف يتفحصني باهتمام كلما مررت من أمامه، لم يكن المشهد جديدًا بالنسبة لي، الجديد فقط هو أنني هذه المرة أجلس مكان ذلك العسكري أتفحص ألوان ملابس أحد المارة دون الاهتمام بما يعتقده أو يفكر به. من يعلم، لربما هو الآخر كان يومًا ما عسكري يجلس على نفس الرصيف يرصد ملابس شخص آخر.

نستقل القطار الحربي لينطلق بنا في رحلته البطيئة جدًّا إلى الجلاء. تاركين خلفنا العديد من الأشياء، الكثير من الصيحات المزيفة أثناء النهار خلال التدريب والقليل من الضحكات الصادقة في المساء استطاعت أن تحطم قيود العسكرية لتتحرر في الهواء الطلق دون أن تلتزم بالمعايير العسكرية أو أن تخشى عقاب الصول عصام. تركنا خلفنا صداقات ومواقف ولدت وماتت في نفس المكان. تركنا أشياءً كثيرة لا نستطيع العودة لجلب أي منها. فهذا القطار يشبه قطار العمر، لا يعرف إلا طريقًا واحدًا، الطريق إلى الجلاء.

 

تمثل مرحلة الجلاء مرحلة انتقالية تستغرق أيامًا قليلة، اتخذنا خلالها أرض الطابور مسكنًا ومكانًا لأخذ التمام والثرثرة والأكل والراحة وكل شيء. نشاهد كل يوم مندوبين قادمين من الوحدات المختلفة لأخذ ما يخص وحدتهم من العساكر. بينما يظل الآخرون في أماكنهم منتظرين رسولهم المرتقب لينتشلهم من هذا المكان الذي لا يرحب بوجودهم بالشكل المناسب.

 

في أحد الأيام جاء أحد المناديب يسأل عن خريجي كليات اللغات لمن يرغب منهم في الالتحاق بقوات حفظ السلام بالخارج. كنت جالسًا أترقب قدوم مندوب فرقتي عندما سمعت أحد العساكر يقول لزميله بلهجة استنكارية: “بس دول هيروحوا السودان يا عم!” فأجاب الآخر بنبرة من أخذ قرارًا لا رجعة فيه: “أي مكان غير هنا أكيد هتعامل فيه على إني بني آدم”. فكرت في اتباع ذلك الشخص على أمل وجود تلك المعاملة الآدمية المزعومة، لكنني آثرت البقاء مع من أعرفهم عن الذهاب إلى بلد آخر لا أعلم عنه شيئًا، فلقد سئمت السير في اتجاه المجهول.

 

بعدها ببضعة دقائق يأتي مندوب وحدتي الأساسية، فأجمع أغراضي مستعدًا لرحلة أخرى في قطار حربي آخر استغرق ساعات طويلة ليصل بنا إلى محطته. نتجه إلى مركز الفرقة لنمكث بها أيامًا أخرى متخذين من المزرعة مبيتًا لنا في العراء في انتظار مندوب اللواء، حيث الكتيبة التي ننتمي إلى كشوف قواتها.

 

غادرنا المركز متنقلين من ثكنة إلى أخرى، نترك بعضًا هنا وبعضًا هناك، مودعين العديد من الوجوه التي اعتدنا رؤيتها خلال فترة التدريب بالمركز، لنصل في نهاية المطاف إلى بوابة اللواء داخل أتوبيس يقل بضع عشرات قد استهلكت قواهم عن آخرها، بظهور لن تقوى على حمل المخلة لأبعد من ذلك، وبطون لن ترحب بمزيد من طعام الميز أو الكانتين.

 

لكن عبارة قائد المركز الملهمة لم تفارق عقولنا لحظة، كانت بمثابة الضوء الخافت في نهاية النفق المظلم. فبمجرد وصولنا بوابة اللواء تخيلنا السماء تمطر تصاريح إجازة طويلة الأمد لن نفعل خلالها شيئًا سوى النوم العميق والأكل الدسم وفعل أي شيء قد يمحو نبرة صوت الصول عصام من سجل الذاكرة تمامًا. لكن صوت الشاويش فهمي “شاويش الأمن” كان كافيًا لنسف ذلك الحلم الجميل والقضاء تمامًا على تلك النقطة المضيئة وإغلاق النفق لدواعٍ أمنية حينما صرخ في آذاننا بعبارة صادمة: “مفيش أجازة يا بني أنت وهواااااععععااااا”، ليتوقف بنا الزمن عند تلك اللحظة شديدة القسوة.

 

“لم تكن تلك المرة الأولى في حياتنا التي نبني فيها حلمًا بائسًا على وعد عسكري ليتحطم بعد ذلك على صخرة تصريح عسكري آخر، ولم تكن الأخيرة بالطبع”.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد