هتلر كان يريد طرد اليهود من أوروبا فقط، ولكن مفتي القدس آنذاك أمين الحسيني قال له إن اليهود ينبغي أن يزالوا من الوجود وإلا فإنهم سينتقلون إلى فلسطين، أحرقوهم.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 21 أكتوبر 2015 أمام المؤتمر الصهيوني العالمي في القدس.

 

كل الألمان يعرفون تاريخ هوس النازيين الإجرامي بالأجناس الذي أدى في نهاية المطاف إلى المحرقة التي مثلت انفصالا كاملا عن الإنسانية، هناك سبب وجيه لتدريس هذا في مدارسنا الألمانية، وهو أنه ينبغي عدم نسيانه أبدًا. وأنا لا أرى سببًا لتغيير نظرتنا للتاريخ بأي شكل، فنحن نعلم أن المسؤولية عن هذه الجريمة ضد الإنسانية هي مسؤوليتنا نحن الألمان.

ستيفين سيبرت الناطق باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ردًا على نتنياهو.

 

ليس غريبًا أن يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تشويه الفلسطينيين خاصة في أعقاب عمليات المقاومة الفلسطينية بعد هدوء دام سنوات، الغريب فعلًا أن يسارع الألمان لنفي تلك التهمة عن أبناء فلسطين والتأكيد على أنهم المرتكبون لها دون غيرهم.

القاصي والداني يعلم كم تكلفت ألمانيا في سبيل دفع تعويضات لليهود وكم عانت تحت وطأة الهزيمة التي خلفها نظام هتلر، فما الذي يدفعهم إذًا لرفض فرصة ذهبية للتبرؤ من تلك التهمة الشنيعة؟

الحقيقة أنه وبنظرة لتاريخ المستشارة الألمانية ميركل، يمكننا تفسير الكثير؛ فميركل المولودة في يوليو من عام 1954، قضت حياتها في ألمانيا الشرقية تحت ذل الاحتلال السوفيتي لبلادها وهي ترى سورًا يقسم بلادها إلى دولتين واحدة شرقية وأخرى غربية، وحصلت على شهادتها في الفيزياء من جامعة لايبزغ والتي كانت تسمى في ذلك الحين جامعة كارل ماركس دلالةً على الاحتلال السوفيتي لألمانيا الشرقية. ولكونها امرأة، تعرف ميركل مقدار ما تعرضت له المرأة الألمانية من إذلال على يد الروس والأمريكان عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية عام 1945، تعرف على الأقل عن طريق أمها ما فعله السوفيت عند اقتحامهم للمدينة في نهاية الحرب العالمية، فلم يكتفوا فقط بالاستيلاء على برلين ولكنهم تورطوا أيضًا في جرائم اغتصاب واسعة وثقتها الكاتبة الألمانية مارتا هيلرز في كتابها «امرأة في برلين»، وعلى ذلك فإن ميركل كونت توجهاتها الحياتية من رحم المأساة. المستشارة الألمانية تعلم جيدًا أنها مسؤولة عن عدم تعريض الألمان رجالًا ونساءً لمثل ما تعرضت له هي والشعب الألماني نتيجةً للنازية، ومن ثم فإنها حريصة جدًا على أن يبقى الأطفال في بلادها على علم بتلك الكارثة التي حلت بألمانيا نتيجة للأخطاء التي ارتكبها الشعب الألماني وقيادته السياسية بقيادة هتلر في ذلك الوقت، حتى لا يكرروا أبدًا أخطاء الماضي ويعيشوا نفس المأساة.

وإذا كان الألمان يعلمون أبناءهم التاريخ معترفين بأخطائهم لكي لا يقع الأبناء في أخطاء الآباء والأجداد، وإذا كانت هذه الإستراتيجية التعليمية قد حولت ألمانيا من دولة محتلة منقسمة إلى نصفين إلى دولة اقتصادية عظمى في سنوات قليلة، فإن السؤال هنا، أي شيء نعلم أبناءنا على وجه الدقة؟ وأي تاريخ يقرأ الأبناء لكي يتجنبوا أخطاء الآباء؟

نظرة محايدة إلى كتب التاريخ المدرسي تخبرك أي جريمة يرتكب واضعوها في حق الأجيال القادمة، الكل في كتب المدارس زعماء وأبطال ووطنيون، وكأن تاريخنا كله ليس فيه خائن ولا مخطئ واحد، فإذا ذكرت الكتب المدرسية الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية أنهت الأمر باغتيال علي كرم الله وجهه وتولي معاوية الحكم ثم يبدأ تأريخهم لدولة بني أمية تاليًا لتولي معاوية الحكم وكأن الحسن ما تنازل عن حكم لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين، وكأن تمرير الكرسي من معاوية إلى ولده يزيد لم يكن على دماء الحسين رضي الله عنه، وكأن الحسين ويزيد يستويان مثلا، فلا تذكر الكتب كليهما أصلا، وإذا ذكرت كتبنا المدرسية محمد علي باشا عرفته باعتباره مؤسس مصر الحديثة وذكرت باقتضاب نفيه لكل ممثلي الشعب ممن جاؤوا به إلى الحكم بعد 4 سنوات فقط من توليه حكم مصر، ومن ذلك نفيه لزعيم الأمة في ذلك الوقت ونقيب الأشراف عمر مكرم إلى دمياط ليبعده عن مراكز التأثير في القاهرة، وكأن خروج البلاد عن النهج الديمقراطي والذي كان من الممكن أن يتحقق منذ تولي محمد علي الحكم رغمًا عن الخليفة العثماني بأمر الشعب عام 1805 ليس حدثًا يستحق التأريخ ويستحق محمد علي فيه الإدانة. هذه كتب إذا تحدثت عن مؤتمر لندن عام 1840 والقرارات التي اتخذت ضد مصر وحاكمها محمد علي قالت مؤامرة غربية، وإذا تحدثت عن الهزيمة في فلسطين عام 1948 قالت مؤامرة غربية، وكأن 100 عام من عمر الوطن ما بين 1840 إلى 1948 لم تعلمنا كيف نواجه المؤامرة؟

فإذا كان انفصال سوريا عن مصر من بعد الوحدة مؤامرة، وإذا كانت النكسة مؤامرة، وإذا كانت كل هزائمنا وانتكاساتنا على مدار التاريخ مردها إلى المؤامرة، دون أن ننسب إلى أنفسنا الخطأ بشجاعة ولو مرة واحدة مثلما يفعل الألمان، فإن تعليمنا أيها السادة تجهيل، وحقيقتنا زيف، ومستقبلنا كله على المحك؛ ذلك أننا سنكرر أخطاءنا في كل مرة وكأننا أمة بلا تاريخ، أو بمعنى أدق لم يعلمها أحدٌ تاريخًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد