ملل من الحديث عن الوطنية، وملل من الحديث عن تحسن الوضع، ملل من الحديث عن «ما بعد الثورة» و«أهداف الثورة»، أفشلت «الثورة» لأنها لم تكن فكرية؟ لأنها لو كانت ثورة فكرية لما تخبطنا في مستنقع المشاكل، الذي يسحبنا كل يوم إلى قعره دون رحمة، ودون أمل في المستقبل.
هي نبوءة «نهاية التاريخ» تتحقق، لا منفذ ولا مخرج إلا النهاية، لا مبالاة بوطن، لا مبالاة بالحياة، ولا مبالاة بالإنسانية. غباؤنا جعلنا نصدق قدرتنا على التغيير، ولكن هيهات! نحن لم «نغير ما بأنفسنا» فكيف لنا بتغيير مجتمع بأكمله؟ فساد، رشوة، جهل، لا أخلاق، لا ضمير، لا رقيب، فقر في كل شيء في المال، والمشاعر، والأفكار، والأخلاق…

غابت عنا أشياء، ودارت عجلة الزمن إلى الخلف، لا علماء، ولا منظرين، ولا نخبة يحكمها ضمير (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) أين من درسوا علم النفس وعلم الاجتماع؟ أين من درسوا الاقتصاد والمالية؟ أين من درسوا التنمية البشرية؟ أين؟ أو كلها رحلت عن البلد؟ أو هل لا استراتيجيات لها عجبًا، أو ربما لا جرأة لها؟

بلد الشباب يحكمها شائب

«بلد الشباب يحكمها شائب» شبابنا أصبح هو الشائب مع الأسف، شبابنا الذي تخبط بين اللا دين والتزمت. شباب خبزه «حرقة»، هجرة، لا عودة، مال، أوروبا، إيطاليا، «مخدرات»… شباب يئس فقرر الانتحار، أو ركوب البحر خلسة، شباب يمنع من السفر حتى للسياحة لعدم استقرار عمله، ولأنه ليس ابن فلان، شباب بشهادات عليا وثقافة دنيا لا يكتب حتى مطلب عمل، ولا يبحث عن ما يخرجه من أزمته، شباب بشهادات عليا وحظ عاثر تغلق أبواب الوظيفة في وجهه إن لم يكن صاحب تجربة أو من طرف فلان. شباب لغته كرة وعنف، تعلّم التأفف لأنه لا يجد أين يقضي وقته إلا في مقهى تداعت كراسيه وبهت طلاؤه، شباب لا يعرف «Cappuccino» أو «Latte» إلا من الإنترنت لأن المقهى الذي يرتاده ثقافته «Express»، لا يعرف طريقًا جيدة ولا حديقة نظيفة ولا قاعة رياضية «Haut standing» ولا خدمات متقنة في كل إدارة يطرق بابها، فكيف تطالبه بالحفاظ على ممتلكات بالية؟ كيف تطالب من والدته تعمل في الحظيرة ببضع الدينارات أن يكون وطنيًّا؟ كيف تطالبه أن يحلم وهو يرى فضلات لم ترفع لأسابيع؟ كيف تطالبه أن يثق وأنت تكذب عليه باسم الشفافية؟ من حقه أن ينقم ولكن ليس من حقه أن يقتل نفسه؛ لأن أصحاب السياسة سيتراشقون وقتها بتحميل المسؤوليات ولن يبكوا ذلك المسكين.

هل أصبح الوطن سجنًا بمساحة محترمة؟

أسئلة بسيطة تتطرح كل يوم: أين أموال القروض؟ وأين مشاريع التنمية؟ أين البرامج الموعودة؟ هل من البرامج السماح بالهجرة غير الشرعية، لأنها وسيلة للتقليص من عدد السكان؟ أين الحداد على من فقدوا أرواحهم في البحر؟ قد يقول أصحاب الكراسي والبدلات الأنيقة «لم نجبرهم»، والصمت ألم يجبرهم؟ أين هيبة الدولة وأين الدولة؟ هل أصبح الوطن سجنًا بمساحة محترمة، تهرب منه الأم حاملة رضيعها من المجهول عبر المجهول إلى المجهول. الكلام الفضفاض لا يمسح دمعة ولا يحي نفسًا هالكة. هل المرحلة القادمة القضاء على الشباب في البحر أو قهرًا؟ والبقية جوعًا؟

الجرأة أن يترك من يدعي في السياسة علمًا المجال بعد فشله في حفظ الأرواح، وطمأنة قلب أم ملتاعة لا تعلم شيئًا عن ابن ركب قارب الموت. الجرأة أن يبتعد أصحاب الكراسي والبدلات الأنيقة عن «أناهم» حتى تفيق ضمائرهم. الجرأة أن يتقدم المواطن ليكون من أصحاب المرحلة، فلا يقتل نفسه ولا يغادر إلى المجهول؛ بل يبني نفسه ويتحمّل مسؤوليته ولا يبكي حظه كل يوم أنّه لم «يولد في القطن».

لا تجعلوا من وطننا مقبرة، ولا تجعلونا نحن والوطن كأننا في مواجهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد